Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إلغاء إعفاء الهواتف الذكية: هل يعيد رسم سوق المحمول في مصر؟

الحكومة تهدف إلى إعادة هيكلة القطاع وسط غضب على مواقع التواصل الاجتماعي

الطاقة الإنتاجية للهواتف في مصر تبلغ 20 مليون جهاز. (رويترز)

ملخص

استقبل رواد منصات التواصل الاجتماعي في مصر القرار بحالة من الانتقاد والنقاش، إذ اعتبر عدد غير قليل منهم أن القرار جاء مفاجئاً، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية على المستهلك، وفرض الرسوم الجمركية سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الهواتف بصورة كبيرة من وجهة نظرهم.

يدخل قرار الحكومة المصرية بإلغاء الإعفاء الجمركي عن الهواتف المحمولة الواردة بصحبة الراكب حيّز التنفيذ اليوم الأربعاء، باعتباره خطوة تنظيمية جديدة تستهدف إعادة هيكلة سوق المحمول وضبط حركة الاستيراد الفردي من وجهة نظر الحكومة المصرية، إذ ترى أن الوقت الحالي تشهد فيه البلاد توسعاً ملحوظاً في قدرات التصنيع المحلي وتوطين الصناعة التقنية.

القرار، الذي يأتي في سياق سياسات أوسع لتعزيز الإيرادات العامة والحد من الممارسات غير الرسمية، فتح الباب أمام نقاش واسع بين الجهات الرسمية والخبراء والمستهلكين حول انعكاساته الاقتصادية والاجتماعية، إذ أثار القرار غضباً واسعاً بين المصريين على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً أن الهواتف الجوالة أصبحت سلعة أساسية لا غنى عنها.

واستقبل رواد منصات التواصل الاجتماعي في مصر القرار بحالة من الانتقاد والنقاش، إذ اعتبر عدد غير قليل منهم أن القرار جاء مفاجئاً، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية على المستهلك، وفرض الرسوم الجمركية سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الهواتف بصورة كبيرة من وجهة نظرهم.

تعليقاً على ذلك، قال المحلل الاقتصادي والمالي المصري ياسر حسين، إن القرار "يأتي في سياق محاولات الحكومة لتعظيم مواردها المالية"، مستدركاً "لكن حصر الإعفاء في مدة 90 يوماً فحسب للمقيمين بالخارج والسياح قد يؤدي إلى حالة من الارتباك التشغيلي"، مطالباً بـ"ضرورة توحيد معايير التطبيق على كافة القادمين إلى البلاد لتجنب أي خلل تنظيمي".

وأوضح في تصريحات صحافية، أن "القرار قُوبل بموجة من التساؤلات حول جدواه الاقتصادية، كذلك أثار ردود فعل غاضبة وانتقادات على منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما يراه طبيعياً، لا سيما أن القرار يفتقر للمنطقية في حال تطبيقه على الأجهزة ذات الاستخدام الشخصي أو العائلي، فبينما يمكن تبرير الإجراء إذا استهدف حالات الاتجار بالكميات الكبيرة، فإن الاستخدام الفردي بالكلفة الجديدة يضع أعباء إضافية على المواطنين".

الخطوة تعني عملياً أن أي هاتف محمول يتم إدخاله إلى البلاد من الخارج سيخضع للرسوم الجمركية والضرائب المقررة، باستثناء فئات محددة تشمل السياح والمصريين المقيمين في الخارج لفترة زمنية محدودة، إذ تهدف الحكومة من خلال هذا الإجراء وفقاً للبيانات الرسمية إلى تحقيق توازن بين حماية السوق المحلية ودعم الصناعة الوطنية، من جهة، وتيسير حركة الزائرين والمغتربين من جهة أخرى.

خلفية القرار وسياقه التنظيمي

شهدت سوق الهواتف المحمولة في مصر خلال الأعوام الأخيرة تحولات كبيرة، أبرزها إطلاق منظومة إلكترونية لتسجيل وتتبع الأجهزة المستوردة وربطها بالشبكات المحلية، بما يضمن خضوعها للرسوم المستحقة ومنع تداول الأجهزة غير المسجلة، وجاءت هذه المنظومة في إطار سياسة تهدف إلى حوكمة السوق وتقليص الفجوة بين الأجهزة التي تدخل عبر القنوات الرسمية وتلك التي يتم إدخالها بطرق فردية أو غير نظامية.

في هذا السياق، كان الإعفاء الاستثنائي الذي يسمح لكل مسافر بإدخال هاتف واحد من دون رسوم يمثل نافذة مرنة لتيسير حركة العائدين من الخارج، لكنه في الوقت نفسه، بحسب تقارير رسمية وتجارية، فتح المجال أمام استغلال بعض الحالات لإعادة بيع الأجهزة في السوق المحلية بعيداً من القنوات المنظمة.

وكانت مصر بدأت في تفعيل الرسوم الجمركية على الهواتف الجوالة المقبلة من الخارج من بداية العام الماضي لمواجهة "ظاهرة تهريب تلك الأجهزة إليها"، إذ إن "95 في المئة من واردات الهواتف الجوالة تدخل مصر بصورة غير قانونية، وتتجاوز قيمتها 60 مليار جنيه سنوياً (1.3 مليارات دولار) وفقاً لتقديرات لوزارة المالية المصرية.

ومع توسع قدرات الإنتاج المحلي ودخول شركات عالمية إلى السوق المصرية بمصانع وخطوط تجميع حديثة، رأت الحكومة أن الوقت بات مناسباً لإنهاء هذا الاستثناء وتحويل السوق إلى نموذج أكثر اعتماداً على التصنيع الداخلي.

دعم الصناعة وتوسيع الطاقة الإنتاجية

من جانبها، أرجعت الحكومة قرارها إلى عوامل تنظيمية، إذ قال رئيس مصلحة الجمارك المصرية أحمد أموي، إن قرار إلغاء استثناء الهواتف المحمولة جاء بعد زيادة القدرة الإنتاجية لمصانع الهواتف في مصر، والتي بلغت نحو 20 مليون جهاز من مختلف الفئات، موضحاً أن السوق المحلية حققت مستوى من الاكتفاء الذاتي، وتسعى الجهات المعنية إلى تصدير جزء من الإنتاج إلى الخارج.

وأضاف رئيس مصلحة الجمارك، أن نحو 15 شركة عالمية تصنّع الهواتف المحمولة داخل السوق المحلية، في إطار سياسة توطين الصناعة وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة في قطاع التكنولوجيا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأشار إلى أن السياح والمصريين العاملين في الخارج لا يزالون مستثنين من القرار، ويحصلون على إعفاء من الرسوم الجمركية لمدة تصل إلى 90 يوماً، مع إمكانية تجديد الإعفاء في حال تكرار السفر والعودة.

من جانبه، أكد الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات التابع لوزارة الاتصالات المصرية، عن انتهاء فترة الإعفاء الاستثنائي لأجهزة الهاتف المحمول الواردة من الخارج بصحبة القادمين من الخارج، أن إلغاء القرار يأتي بعد انتفاء الغرض منه وأن سداد الضرائب والرسوم المستحقة يتم من خلال قنوات السداد المعلنة سابقاً.

وقال تنظيم الاتصالات، إن القرار يأتي في إطار تطبيق منظومة حوكمة أجهزة الهاتف المحمول الواردة من الخارج، بدءاً من يناير (كانون الثاني) 2025، التي صاحبها قرار استثنائي بالإعفاء الجمركي لجهاز هاتف محمول واحد بصحبة راكب لحين توفير هواتف محمولة مصنعة محلياً غير خاضعة للجمارك.

وبموجب القرار لن يتم استثناء أي هاتف وارد من الخارج من الرسوم المفروضة والمقدرة بـ38 في المئة من سعر الهاتف، ويشمل ذلك الهواتف الواردة بصحبة المصريين من الخارج.

هذا الطرح الرسمي يعكس توجه الدولة إلى تحويل سوق المحمول من سوق تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد الفردي إلى نموذج إنتاجي تصديري، قادر على تلبية الطلب المحلي وفتح أسواق خارجية في الوقت نفسه.

ضبط السوق وعبء المستهلك

من جانبها، رأت شعبة الاتصالات والمحمول في غرفة القاهرة التجارية أن إلغاء الإعفاء الجمركي للهواتف الواردة بصحبة الراكب يسهم في ضبط السوق وإنهاء الخلافات التي كانت تنشأ بين المستهلكين والتجار بسبب اختلاف آليات التسجيل والإعفاء وفرض الرسوم لاحقاً، مشيرة إلى أن القرار سيؤثر بدرجة أكبر على المسافرين والمستهلكين، بينما لن يطاول التجار الرسميين بنفس الحدة.

وأضافت الشعبة أن الإجراء يعزز من جدوى التصنيع المحلي، لكنه في المقابل قد يزيد من كلفة بعض الفئات من الهواتف التي لا تُصنّع داخل البلاد، وعلى رأسها عدد من الطرازات العالمية مرتفعة السعر.

وفي السياق ذاته، قال رئيس شعبة المحمول باتحاد الغرف التجارية محمد طلعت، إن القرار يمثل خطوة تنظيمية للتخلص من التناقضات السابقة في السوق، خصوصاً ما يتعلق بإدخال الهواتف على أنها أجهزة شخصية ثم إعادة بيعها تجارياً.

وأوضح أن التحدي الأكبر يتمثل في أسعار الهواتف المستوردة مرتفعة الكلفة، مشيراً إلى أن توفّر بدائل محلية مع خدمات ما بعد البيع يقلل من الحاجة إلى الاستيراد الفردي.

على مستوى السوق، من المتوقع أن يؤدي القرار إلى تعزيز موقع الهواتف المصنّعة محلياً في مبيعات التجزئة، مع تراجع نسبي في الإقبال على إدخال الأجهزة من الخارج بغرض الاستخدام الشخصي أو إعادة البيع، مرجحاً أن ينعكس ذلك على زيادة الطلب على العلامات التجارية التي تمتلك خطوط إنتاج داخل مصر، سواء كانت علامات محلية أو عالمية.

من جهة أخرى، يعزز القرار من الإيرادات العامة عبر توسيع قاعدة تحصيل الرسوم الجمركية والضرائب على الأجهزة الواردة، وهو ما يضيف مورداً جديداً للخزانة العامة في قطاع يشهد نمواً مستمراً في حجم الاستهلاك.

تأثير القرار في المستهلكين

بالنسبة للمستهلك النهائي، يعني إلغاء الإعفاء ارتفاع الكلفة الإجمالية للهاتف الذي يُشترى من الخارج وإدخاله إلى البلاد، هذا الأثر سيكون أكثر وضوحاً في فئة الهواتف مرتفعة السعر، التي تمثل شريحة مهمة من طلب السوق المصري، خصوصاً بين فئات الشباب والمستخدمين المهنيين.

ويرى محللون أن هذا الارتفاع قد يدفع المستهلكين إلى إعادة النظر في خيارات الشراء، والاتجاه بدرجة أكبر نحو السوق المحلية أو الهواتف المصنّعة داخل البلاد، مما يخلق ديناميكية جديدة في أنماط الطلب.

على المدى المتوسط، يتوقع خبراء الاقتصاد أن يسهم القرار في تقليص حجم السوق غير الرسمي للهواتف المحمولة، وتعزيز الشفافية في حركة التداول والتسعير، كذلك يُرجح أن يشجع الشركات العالمية على توسيع استثماراتها في خطوط الإنتاج المحلية، للاستفادة من الطلب الداخلي الكبير وتجنب كلف الاستيراد والرسوم.

أما على المدى الطويل، فإن تحوّل مصر إلى مركز إقليمي لتجميع وتصنيع الهواتف المحمولة قد يفتح المجال أمام زيادة الصادرات إلى أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا، بما يعزز الميزان التجاري في قطاع التكنولوجيا ويخلق فرص عمل جديدة في الصناعات المرتبطة بسلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية.

في النهاية، يمثل قرار إلغاء إعفاء الهواتف المحمولة الواردة بصحبة الراكب جزءاً من رؤية أوسع لإعادة هيكلة سوق المحمول في مصر على أسس إنتاجية وتنظيمية أكثر صرامة، وبينما يراه المسؤولون والخبراء خطوة ضرورية لدعم الصناعة المحلية وضبط السوق، يظل تأثيره في المستهلكين محوراً للنقاش، خصوصاً في ظل الضغوط المعيشية وارتفاع أسعار الأجهزة عالمياً.

وفي المحصلة، فإن نجاح القرار سيقاس بمدى قدرته على تحقيق معادلة متوازنة بين تعزيز الإنتاج المحلي، وزيادة الإيرادات العامة، والحفاظ على قدرة المستهلك على الوصول إلى التكنولوجيا بأسعار عادلة ومنافسة.

اقرأ المزيد