Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مطالب بتعديل حكومي في تونس تعيد الجدل إلى الواجهة

بعدما حظيت البلاد بتقدير واسع كتجربة ديمقراطية ناشئة تأسس فيها نظام برلماني وصل بها إلى وجود سلطة بـ 3 رؤوس

قيس سعيّد (أول يمين) يلتقي بقصر قرطاج كلاّ من سارة الزعفراني الزنزري رئيسة الحكومة وصلاح الزواري وزير التجهيز والإسكان (الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية)

طالب عدد من نواب الشعب في تونس بإجراء تعديل حكومي عاجل، على خلفية ما اعتبروه تردّياً في أداء الحكومة بإدارة الملفات الاقتصادية والإدارية والاجتماعية، في موازاة تصاعد تباين الآراء بين من يرجع الإخفاقات المتواصلة للحكمومة إلى خيارات الرئيس قيس سعيّد، وبين من يرى أن الحكومة عاجزة عن إحداث التغيير بسبب محدودية صلاحياتها التي يحتكرها رئيس الجمهورية، في وقت يعتبر آخرون أن المجلس الحالي لنواب الشعب لا يختلف عن أسلافه.

في هذا السياق وجه النائب بدر الدين قمودي نداء إلى رئيس الجمهورية لفن فيه إلى أن "الوضع في تونس لا يتحمّل أكثر"، مضيفاً في تصريح حاد "الحكمة تقتضي تغييراً عاجلاً في الخيارات وفي الأشخاص"، وتابع أننا "نحتاج إلى حكومة تقوم بتنفيذ برنامج إنقاذ واضح المعالم، والحكومة الحالية استنفذت شروط بقائها".

من فساد حكومي الى ارتعاش حكومي

من ناحيته، قال نائب الشعب أحمد بنور إن "مجلس النواب مؤسسة تشريعية لا دخل لها في التعيينات التي نعتبرها من صلاحيات رئيس الجمهورية الذي يتحمل مسؤوليته كاملة إن أصاب أو خاب "، وتابع أن "أول طرف طالب ضمنياً بتغيير الحكومة هو رئيس الدولة، كما لاحظنا في عدد من المناسبات أنه يأخذ موقع المعارض"، مضيفاً "نحن ندعم الرئيس لكن انتظاراتنا طالت، وكذلك انتظارات الشعب الذين ينتقدون النواب، وكأننا نحن من نصدر الأوامر، في حين أن صلاحياتنا محدودة جداً حتى أن عدد القوانين التي صادقنا عليها بقيت على رفوف رئاسة الحكومة ولم يقع تفعيلها على أرض الواقع"،  ورأى بنور أن "الوضع تحوّل في تونس من فترة فساد حكومي إلى فترة ارتعاش حكومي، وفي كلتا الحالتين تسبب الوضع بخلق عزوف لدى المستثمرين".

من جهتها، سألت النائبة فاطمة المسدي الحكومة "هل يُعقل أن يحتاج رئيس الدولة إلى أن يزور كل منازل تونس وأحيائها حتى يكتشف الإهمال والتقصير والفساد؟"، وأضافت "أن الأسئلة الكتابية والشفاهية والزيارات الميدانية للنواب ليست فولكلوراً سياسياً، بل آليات رقابة ومساءلة ينصّ عليها القانون، وعندما لا تُؤخذ بالاعتبار، المشكلة ليس في نائب الشعب، بل في من يرفض تحمّل مسؤوليته"، وتابعت المسدي "قمنا بزيارات ميدانية عديدة، وقدّمنا سؤالاً كتابياً لوزير الداخلية، وتواصلنا مع بعض الولات لكن من دون أي تفاعل يُذكر. فهل أصبحت زيارة رئيس الجمهورية هي الوحيدة القادرة على تحريك الإدارة التونسية؟ وهل ننتظر قدومه حتى يشعر المواطن أن هناك دولة تعمل؟".

النقطة صفر

بدوره، علّق النائب حليم بوسمة على الوضع الراهن في تونس قائلاً "في قلب هذا المسار، يصبح تغيير الحكومة ضرورة وطنية، لا مناورة سياسية"، وتابع في تصريخ خاص "نحتاج حكومة حرب حقيقية، تُمنح صلاحيات واضحة واستثنائية، تُقاس بشرعية الإنجاز لا بشرعية الخطاب، وتُحاسَب بصرامة على ما تنجز لا على ما تعلن، حكومة تُعفى فور الفشل، من دون تبرير أو تأجيل، وتنصرف كلياً إلى العمل"، وواصل "لا بدّ من تفكيك البيروقراطية وتحرير الاستثمار وإعادة الإعتبار لقيمة الإنتاج، وتحويل المصالحة من شعار سياسي إلى أداة اقتصادية تبني الثروة وتخلق الشغل".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تجربة ديمقراطية ناشئة

بعدما حظيت تونس بتقدير واسع كتجربة ديمقراطية ناشئة في المنطقة، تأسس فيها نظام برلماني وصل بها إلى وجود سلطة بثلاثة رؤوس، وفقدت البلاد خلالها توازنها السياسي، وعرفت على إثرها صراعات سياسية حادة، ما جعل العديد يستبشرون خيراً بإعلان الرئيس قيس سعيّد التدابير الاستثنائية في 25 يوليو (تموز) عام 2021، بحل برلمان "حركة النهضة" الإسلامية و حلفائها، وإعادة الانتخابات، وبعدها تنفيذ الاستفتاء لتغيير النظام من برلماني الى رئاسي، ومنذ ذلك الوقت سلكت البلاد منعطفاً آخر غيّر ملامح المشهد السياسي والاقتصادي وعادت البلاد إلى النقطة الصفر وإلى صراع الصلاحيات.

سوء فهم النظام السياسي

في سياق متصل رأى المحلل السياسي بسام حمدي في تصريح خاص أن "المطالب بتغيير حكومي تحولت في الفترة الأخيرة من المراقبين المطالبين بتعديلها إلى نواب الشعب، واليوم هناك إجماع أن الوضع ليس في أحسن حال، اقتصادياً واجتماعياً، حتى أن هناك قراراً ضمنياً بوجود إقرار ضمني من رئيس الجمهورية في كل مناسبة بأن أداء الحكومة ضعيف جداً"، ولفت حمدي إلى أن "العديد يعتبرون أن التغيير الحكومي هو بمثابة الآلية الناجعة، والحال أنه منذ عام 2011 أجرت تونس ستة تغييرات وزارية، وأربعة رؤساء حكومة، لكن الوضع لم يتغيّر والعجلة الاقتصادية لم تدور، والتغيير الحكومي لن يكون الحل السحري أو الأمثل لتغيير الأوضاع في تونس". وواصل حمدي "الاشكال هو وجود سوء فهم للنظام السياسي من كل الأطراف، رئيس الجمهورية يتدخل في كل الملفات حتى في الشأن البلدي أحياناً، ورئاسة الحكومة لا تتحرك إلا بأمر من رئيس الجمهورية، والمشكلة الأخرى هي غياب التناسق بين الحكومة ورئاسة الجمهورية من جهة، وبين الوظيفة التشريعية والحكومة من جهة أخرى"، وأشار إلى أنّ عدداً من القوانين التي صادق عليها نواب الشعب يتعذّر على الحكومة تطبيقها فعلياً، من بينها قانون تشغيل خريجي التعليم العالي ممن طالت بطالتهم، موضحاً أن الحكومة عاجزة مادياً ما يحول دون تنفيذ هذا القانون، كما أن "العديد من القوانين بقيت حبراً على ورق".

القفز من المركب

من جانبه راى الكاتب الصحافي والمحلل السياسي مراد علالة  أن "ما صدر عن نواب الشعب بخصوص التعديل الحكومي جزئياً أو كلياً، يعكس أزمة في منظومة الحكم التي هي تجربة جديدة ينقصها التناغم والجدوى والفاعلية على رغم كونها تتحرّك في المربع نفسه، والسقف نفسه، وهو 25 يوليو"، وواصل علالة في تصريح خاص "الحديث عن تغيير حكومي ليس في محلّه خصوصاً بعد أيام قليلة من تمرير قانون المالية لسنة 2026 الذي قدّمته ودافعت عنه الحكومة نفسها، والسؤال البديهي الذي يطرح نفسه هنا هو حول الفائدة من تغيير فريق رابح كما يقال، من دون أن ننسى أن الدستور الجاري به العمل يحصّن الحكومة ضد المجلس الذي لا يعطيها الثقة ولا يسحبها منها"، ولفت إلى أنه "سواء وقع تحميل الفشل مباشرة لرئيس الجمهورية الذي اختار الحكومة أو اتهام هذه الأخيرة بالعجز بسبب ضعف صلاحيتها، فإن الأمر سيّان بما أن الرئيس هو الذي اختار الفريق الحكومي، وهو الذي وضع في الدستور أنه يضبط السياسة العامة للدولة ويحدّد اختياراتها الأساسية، ويُعلم بها مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم"، ورأى علالة أن المطالبة بتغيير الحكومة الآن هي" حالة دفاع عن النفس، جزء من الرأي العام ينتقد النواب الحاليين ولا يرى فيهم اختلافاً كبيراً مع أسلافهم، وحتى داخل المنظومة نفسها هناك حديث عن تأخر ما سُمّي بالثورة التشريعية لأسباب عديدة، ومع الدخول في النصف الثاني من العهدة الانتخابية أصبحت المراجعات والحسابات وحتى القفز من المركب أولوية للجميع من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه أو الابتعاد نهائياً عن تهديد سحب الوكالة أو تنمية الرصيد استعداداً ربما للترشح لولاية جديدة أو الخروج من الباب الكبير"، وختم أن "رئيس الجمهورية قد يتفاعل مع أصوات النواب لكنه ليس مجبراً على الأخذ بها وهو صاحب القول الفصل في أي تغيير حكومي".

المزيد من تقارير