ملخص
لأن الجزائري عاشق للفرح، زهواني بطبعه، وطني في دمه، فرجاء أعيدوا له الخشبة والليل، الموسيقى والصلاة، المغني والمؤذن، الفرح والعمل، الخبز والحب.
الجزائري إنسان عاشق للفرح، مواطن زهواني بطبعه، لكن لماذا يشعر الجزائري بالملل يا ترى؟
هذا ليس سؤالاً بسيطاً بل مسألة فلسفية معقدة، فالملل المزمن ليس مسألة مزاج فردي، إن مرارته عميقة، نفسية واجتماعية وثقافية، ومع ذلك فهي قابلة للعلاج.
الجزائري لا يموت من الجوع المادي ولا من البرد القارس ولا من القيظ الفظيع، لا ينقصه الخبز ولا ينقصه السقف ولا ينقصه الظل، هذه حقيقة اجتماعية واضحة، لكن الجزائري يموت من ثقل الملل ومن الضجر، إنه كمن يعيش موتاً بطيئاً مزمناً، ينخره بصمت وهدوء.
لماذا يا ترى يمل الجزائري العيش في بلد وعلى أرض فيها كل ما يريد، وعليها كل ما يحلم به مواطن يريد أن يفرح؟ والجواب: لأن الحياة الحية غائبة أو مطفأة من حوله.
الجزائري لا يموت من نقص في السلع الاستهلاكية ولا من شح في المواد الغذائية أو غيرها، هذا الأمر يحدث في كل البلدان، في الشمال والجنوب، في البلدان المصنعة والفقيرة، الجزائري يموت من الفراغ، من الروتين؟ من "الديقوطاج" (الاشمئزاز)، على حد التعبير الجزائري نفسه!
الجزائري، في بلده الجزائر، لا ينقصه شيء في يومياته، النقل والمدرسة والمستشفى والجامعة، أو يكاد، لكن ما تنقصه هو انطفاء الحياة المتوهجة في هذا اليومي الذي يدور كطاحونة زمن أعمى.
الجزائري لا يحلم بأن يعض على تفاحة يشتريها من السوق، فأسواق البلاد مليئة والحمد لله بالتفاح من كل الأنواع، لكنه يبحث وبشغف عن أن يعض على تفاحة الحياة التي تنقصه حد الوجع.
يعيش الجزائري بين آلاف المساجد التي من حوله، إنها تنبت في كل مكان: في المدن الكبرى والصغرى، في القرى في الأرياف وحتى فوق رؤوس الجبال، وهذا أمر حسن لا ريب فيه، إلا أن بيوت الله هذه تعلمه التفكير في الحياة التي في اليوم الآخر، لكن ما ينقصه هو فضاءات أخرى تعلمه كيف يعيش يومه الحاضر، كيف يمارس الحياة الأولى.
لا يمكن تأجيل حياة اليوم إلى حياة اليوم الآخر، لا الله يرضى بذلك ولا الحياة نفسها، ولا يمكن تبديل هذه بتلك ولا المقارنة بينهما.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لا يعاني الجزائري شح المقاهي فله الاختيار الأكبر، بين مقهى ومقهى يوجد مقهى ثالث، مقاه فاخرة وأخرى شعبية، غاصة من الصباح إلى المساء، لكن هذه الفضاءات العمومية تبدو بلا روح، ضجيج بلا حياة، لقد صارت مقاهينا فضاءات باردة، تقدم فيها قهوة الإكسبريس في كؤوس من كرتون، بلا روح ولا لغة ولا جمال ولا ذوق.
للجزائري اختياره الواسع من المطربين والموسيقيين الجزائريين من الطراز العالمي، نجوم الصف الأول، ويحق له أن يفتخر بذلك: دحمان الحراشي، أعمر الزاهي، إيدير، محمد الطاهر فرقاني، الهاشمي القروابي، الحاج محمد العنقى، سليمان عازم، عثمان بالي، حورية عيشي، شريفة، الزهوانية، صافي بوتلة، آيت منڨلات، تكفاريناس، بهيجة رحال، أحمد وهبي، بلاوي الهواري، الشاب خالد، الشيخة ريميتي، جمال علام، مليكة دومران، رابح درياسة، معطوب الوناس، الشاب مامي، الشاب حسني، الشيخ عين تادلس، الشيخ بوڨيرات، الشيخ الحسناوي والقائمة طويلة، وله الأغاني من كل الألوان والطبوع وبكل اللغات: الشاوي، القبائلي، الوهراني، المالوف، الراي، الغرناطي، التندي، التارڨي، العروبي… لكن ما ينقص الجزائري هو هواء لهذا الفرح وطقوس لهذا السماع!
الجزائري كائن عاشق للفرح، زهواني، قصوف، لكن ما ينقصه هو الفرح نفسه، هي الزهوة نفسها.
للجزائر شاعرات وشعراء كبار بالعربية الفصحى، وبالأمازيغية، وبالفرنسية، وبالدارجة: مفدي زكرياء، محمد بن حنفي، محمد الصالح باوية، جمال عمراني، يوسف مراحي، كاتب ياسين، بشير حاج علي، سليمان جوادي، ربيعة جلطي، ميلود حكيم، محمد سحابة، عبد الرحمن الجلفاوي، بوزيد حرز الله، إبراهيم صديقي، نور الدين الطيبي، نادية نواصر، فوزية لرادي، نوارة الأحرش، عزوز عقيل، علي ملاحي، نور الدين مبخوتي... لكن ما ينقص الجزائري هو هواء الشعر، فللشعر جلساته ومؤانساته!
للجزائري، بنت الدولة جامعات كثيرة: في كل مدينة جامعة واحدة على الأقل، فيها كل التخصصات والانتساب إليها مجاني، وهذا مدعاة فخر. لكن، للأسف، تحولت هذه المؤسسات إلى هياكل شبه فارغة، بلا حياة فكرية، بلا بهجة، بلا نقاش، بلا حلم. مليونان من الطلبة، و500 ألف أستاذ ومؤطر، تقريباً، يرتادون يومياً هذه الفضاءات التي يفترض أن تكون فضاءات إبداع وحياة، لكنهم جميعهم يغرقون في الكآبة والرطوبة والانتظار. انتظار ماذا؟ هذه الأرقام الجامعية المذهلة تبدو صماء: لا تقول شيئاً للحياة، أو تكاد.
للجزائري شمس رائعة تسطع 300 يوم في السنة، وسماء زرقاء لا مثيل لها، لكن الحياة تحت هذا الضوء الجميل باهتة وحزينة، ولها جبال مرصعة بالثلج لكنها تبدو حزينة وكأنما لفت في كفن أبيض.
للجزائري ساحل بطول 1400 كيلومتر، وشواطئ من رمال ذهبية، وجبال بجمال يخطف الأنفاس، لكن كل هذا الجمال الإلهي لم يتمكن من أن يمنح الجزائري رغبة في الحياة، ما المشكل؟
لست متشائماً أبداً، إلا أن مدننا تبدو لي حزينة، أو هكذا ترى، الأرصفة محتلة ومكتظة من دون سبب، أو هكذا تبدو، الجزائري متوتر، الجزائري إنسان" مشنَف (متبرم)، الأيام تتشابه من حوله وفيه، تتهاوى أو ترتفع، والليالي كذلك. الفصول متشابهة إلا في أسمائها، الناس يشيخون بسرعة، أو هكذا يبدون، يشيخون قبل الموعد، كأنهم يركضون نحو النهاية أو بحثاً عن الهاوية.
غياب الفرح في الفضاءات العمومية جلي، النساء الجميلات حزينات، غالبيتهن ملفوفات في عباءات سوداء اللون أو رمادية وبعضها فاتح اللون، وشعورهن مشدودة في خُمُر تشد حول الأعناق شداً كأنما لتخنقها، لقد تأنث العالم بشكل واضح لكن من دون أن ينتج هذا التأنيث ثقافة الفرح والمقاومة الناعمة.
كيف نضخ روح الحياة في مفاصل اليومي الجزائري البارد؟ كيف نعيد الحياة إلى مقاهينا؟ إلى مطاعمنا؟ إلى جامعاتنا؟ إلى مكتباتنا؟ إلى مدارسنا؟ إلى قصائد شعرائنا؟ إلى نوتات موسيقينا؟ إلى خشبة مسرحيينا؟ إلى مشية نسائنا؟ إلى ضحكة أطفالنا؟
الحياة ليست سوداء ولا بيضاء، دائماً، الحياة متعددة الألوان! الحياة متعة وإمتاع ومقاومة، الوطنية الكبرى تتحقق حين تتحقق الحياة في أبعادها الكبرى لا الاستهلاكية فقط.
ولأن هناك جزائرياً يريد أن يصلي، وآخر يريد أن يسمع شعراً، وآخر يريد أن يرقص، وآخر يريد أن يسمع موسيقى، وآخر يريد أن يشرب قهوة أو شاياً، وآخر يريد أن يشرب شيئاً آخر، وآخر يريد أن يسافر، وآخر يريد أن يظل ها هنا، وآخر يريد أن يضحك ملء فيه، وآخر يريد أن يطير، لأن الجزائري هو كل هذا الواحد المتعدد، علينا أن نفتح مزيداً من قاعات السينما، ونعرض مزيداً من الأفلام الجميلة العالمية، ونرخص مزيداً من المقاهي الأدبية، وننظم مزيداً من السهرات الموسيقية، ونبني مزيداً من ملاعب كرة القدم، ونبني مزيداً من المكتبات، ونفتح مزيداً من فضاءات الحرية، لكن الحياة تبدأ حين ينتهي البناء، وحذار من المؤسسات الأسمنتية التي تشبه القبور وما أكثرها.
الحياة الجميلة لا تُخيف! الإنسان السعيد هو أسمنت الوطن وعماده، الإنسان السعيد هو المواطن الوفي لبلده، المواطن ضحية مرض الملل هو المخيف وهو القاتل والقتيل، والمواطن الكئيب قنبلة قابلة للانفجار.
ولأن الجزائري عاشق للفرح، زهواني بطبعه، وطني في دمه، فرجاء أعيدوا إليه الخشبة والليل، الموسيقى والصلاة، المغني والمؤذن، الفرح والعمل، الخبز والحب.