Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

طاولة إقليمية لحوار أميركي - إيراني

قد تتعاضم اتهامات الخيانة في حال قدّم النظام تنازلات في الموضوع الصاروخي لأنه سيكشف طهران عسكرياً وأمنياً ويحوّلها إلى جغرافيا مستباحة من أعدائها

 نتيجة لمحاولة كل طرف التمسك بشروطه وأجنداته على طاولة التفاوض، فقد يكون من الصعب استبعاد أو إزاحة الخيار العسكري والمواجهة عن الطاولة (أ ف ب)

ملخص

ضغوط إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاقتصادية والسياسية، والتلويح بجدية عمل عسكري، والذي قد لا يبقى في مستوى التلويح لفترة طويلة، أجبرت القيادة الإيرانية على تقديم تنازلات واضحة، تبدأ بالقبول بمبدأ الحوار المباشر، وهو تراجع أو تنازل يسجل في خانة المرشد الأعلى علي خامنئي الذي سبق أن رفض أي تفاوض مباشر عام 2025، قبل انطلاق مفاوضات استضافتها سلطنة عُمان.

إلى ما قبل الطلقة الأولى واندلاع شرارة الحرب بين واشنطن وطهران، يمكن القول إن كلا الطرفين حققا ربحاً نسبياً، كل على حساب خصمه، في الخطوة الأولى إلى طاولة التفاوض والحوار.

ضغوط إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاقتصادية والسياسية، والتلويح بجدية عمل عسكري، والذي قد لا يبقى في مستوى التلويح لفترة طويلة، أجبرا القيادة الإيرانية على ما يلي:

 أولاً، تقديم تنازلات واضحة تبدأ بالقبول بمبدأ الحوار المباشر، وهو تراجع أو تنازل يسجل في خانة المرشد الأعلى علي خامنئي الذي سبق أن رفض أي تفاوض مباشر في مارس (آذار) 2025 قبل انطلاق مفاوضات استضافتها سلطنة عُمان، وكبح بذلك الرغبة القوية لدى رئيس الجمهورية في تفاوض مباشر، حتى بينه وبين نظيره الأميركي، لإنهاء كل الخلافات وحسم كل الملفات مرة واحدة.

ثانياً، عدم استبعاد خيار التخلي عن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بدرجة 60 في المئة، وحتى المخزون بدرجة 20 في المئة، لجري نقله خارج الأراضي الإيرانية.

ثالثاً، الاستعداد للتفاوض حول مستقبل أنشطة تخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانية، والسعي للتوصل إلى تسوية مرنة مع واشنطن، تلبي من جهة مطلب الرئيس دونالد ترمب بتعليق أنشطة التخصيب، وتعترف من جهة أخرى لإيران بحقها في امتلاك هذه الدورة، على أن يعتمدا مساراً جدياً لبناء الثقة يسمح بوضع سقف زمني لهذا التعليق.

رابعاً، على خلاف الموقف المعلن والمتشدد لطهران بحصر واقتصار المفاوضات في جولتها الجديدة على الموضوع النووي، فإن الإشارات التي أرسلها وزير خارجيتها عباس عراقجي خلال مؤتمره الصحافي مع نظيره التركي هاكان فيدان أثناء زيارته إلى أنقره الأسبوع الماضي، تكشف عن أن النظام قد منح عراقجي صلاحية توسيع المفاوضات لتشمل الملفات الأخرى، أي الصاروخية والنفوذ الإقليمي، من خلال حديثه عن إمكان التطرق إليها ووضعها على الطاولة، بعد نجاح المرحلة الأولى حول النووي.

خامساً، في مقابل هذه التنازلات ستسعى طهران إلى الحصول من الإدارة الأميركية على مطلبين أساسين، وهما إلغاء العقوبات الاقتصادية أو جزء منها، وإنهاء حجز أموالها في الخارج، وإنهاء حال التصعيد والتلويح بعملية عسكرية، باعتبار صعوبة التفاوض والتوصل إلى نتائج إيجابية في ظل التهديد والتخويف.

والمبادرة التركية لفتح قنوات التواصل بين واشنطن وطهران قد تكون بمثابة السلّم الذي وُضع بجهود إقليمية، شاركت فيها السعودية وقطر ومصر، تساعد كلا الطرفين في النزول عن شجرة التصعيد واحتمال الحرب التي لا يمكن لكل الأطراف المعنية بتداعياتها تقدير نتائجها على المنطقة واستقرارها.

الحديث عن رسائل وجهت إلى بعض الدول الإقليمية في منطقة غرب آسيا، مثل باكستان والسعودية وقطر وعُمان لتكون حاضرة على طاولة المفاوضات التي ستستضيفها تركيا الجمعة المقبل، أثار نوعاً من التردد لدى الجانب الإيراني الذي يتخوف من أن يؤدي توسيع دائرة المشاركين في المفاوضات إلى فرض مسائل وطرح ملفات لا تريد طهران التحدث عنها خلال هذه المرحلة، لأن قيادة النظام تعتقد أن الهاجس الأميركي الأول يتمحور حول القدرات النووية ومنع إيران من الوصول إلى التنصيع العسكري، وبالتالي فإن البرنامج الصاروخي لا يشكل أولولية ملحّة لديها، باستثناء ما يشكله من تهديد لتل أبيب، في حين أن القدرات الصاروخية تشكل مصدر قلق لهذه الدول الإقليمية، إضافة إلى الدور والنفوذ الذي تملكه إيران في الإقليم، والذي يشكل عائقاً أمام جهود إعادة صياغة المعادلات الإقليمية ضمن شرعية عربية واضحة بعيدة من التأثير الإيراني، وإذا صحّ ما جرى تداوله من أحاديث حول مساع إيرانية لنقل المفاوضات إلى سلطنة عُمان، فإنه ينطلق من هذه المخاوف، حتى لا تكون محاصرة بمطالب وتنازلات أكثر مما هي على استعداد لتقديمها في الموضوع النووي، بخاصة أن مسقط، باعتقاد طهران، ليست لديها هذه المخاوف والهواجس الموجودة لدى الدول العربية الأخرى، من قدراتها الصاروخية أو نفوذها الإقليمي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع تسليم إيران بمبدأ التفاوض المباشر فإنها تدرك أيضاً وبوضوح أن الحوار هذه المرة لن يكون مقتصراً على ثنائية عراقجي – ويتكوف، مبعوث الرئيس الأميركي الخاص، بل سيكون إلى جانبه شريكه في حل الأزمات والملفات، صهر الرئيس غاريد كوشنر، وما يعنيه ذلك من إمكان أن يمثل دوراً فاعلاً في وجهات نظر كل من تل أبيب والدول العربية، بحكم العلاقات التي تربطه بهذه الأطراف، وبالتالي فإن طهران ستسمع على طاولة التفاوض بوضوح مطالب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو والهواجس الإسرائيلية، وسيكون عليها التعامل معها كجزء من المفاوضات وشروطها، وهو ما يعيد وضعها في مواجهة هواجس الجوار العربي والإقليمي حول قدراتها الصاروخية ونفوذها الإقليمي، والتي اعتبرها نتنياهو خلال محادثاته مع ويتكوف خطوطاً حمراء لا يمكن لأي اتفاق أو تفاهم العبور منها وعدم أخذها بالاعتبار.

وبعيداً من التداعيات السلبية لأي حرب محتملة بين واشنطن وطهران التي مارست دوراً في تنشيط الجهود الإقليمية للبحث عن مخارج لهذا التصعيد والابتعاد من المواجهة، فإن هذه المفاوضات ستكون محكومة بمدى تجاوب الرئيس الأميركي مع ما يدور من حديث حول سقوفها التي لا تلبي الشروط التي سبق أن حددها، وطلب من النظام الإيراني التسليم بها وتنفيذها في مقابل التخلي عن خيار الحرب.

في المقابل، وعلى فرض حصول تفاهم حول أجندة الجولة الجديدة للتفاوض، فإن النظام الإيراني سيواجه أزمة داخلية تضاف إلى الأزمات التي يواجهها في ما يتعلق بمشروعيته، فأي تنازل في الموضوع النووي يؤدي إلى تعطيل البرنامج ويوقف الأنشطة، قد تعتبره غالبية الإيرانيين من سياسيين وجمهور بمثابة خيانة وطنية واضحة وصريحة، وتفريط بالمصالح الوطنية والقومية، ليس بسبب الذهاب إلى خيار التفاوض والعودة للحوار مع واشنطن مباشرة أو بطريقة غير مباشرة، بل بسبب التأخير في اعتماد هذا الخيار واللجوء إليه، مع إدراكه المسبق بأنه سيصل إلى هذه النتيجة، وأن النظام كان بمقدروه الحد من الآثار السلبية والتخفيف من الأثمان الكبيرة التي تراكمت على مدى أعوام، وألحقت به خسائر على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحياتية، مع عزلة إقليمية ودولية.

وقد تتعاضم اتهامات الخيانة في حال قدّم النظام تنازلات في الموضوع الصاروخي، لأنه سيكشف إيران عسكرياً وأمنياً ويحولها إلى جغرافيا مستباحة من قبل أعدائها، مع تهديد الوجود الجيوسياسي لإيران، بخاصة أن النظام فرض على نفسه وعلى الإيرانيين معه مساراً طويلاً من العداء للهيمنة الأميركية والاحتلال الإسرائيلي، كان في غنى عنه بالشكل الذي وصل إليه، ونتيجة لهذه الحساسيات الأميركية والإيرانية، ومحاولة كل طرف التمسك بشروطه ومطالبه وأجنداته على طاولة التفاوض، فقد يكون من الصعب استبعاد أو إزاحة الخيار العسكري والمواجهة عن الطاولة، مما يسمح للغموض بأن يهيمن على المشهد بانتظار نتائج الجولة الأولى للتفاوض، في حال كتب لها أن تُعقد وتستمر.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء