ملخص
قد يتعجب البعض من وجود مدينة في أقصى جنوب الصحراء الغربية بمصر تحمل اسم باريس فما حكايتها، ولماذا سميت بهذا الاسم، وأين تقع، وما حكاية كنز دوش الذهبي الذي وجد فيها؟
على بعد 90 كيلومتراً من واحة الخارجة عاصمة محافظة الوادي الجديد جنوب غربي مصر تقع واحة باريس، وهي منطقة ذات تاريخ ممتد منذ عصر مصر القديمة مروراً بالحضارات المتعاقبة عليها.
تفسيرات متعددة لاسم باريس الذي تحمله الواحة، والذي قد يتعجب كثير من الناس من وجود نقطة في صحراء أقصى جنوب مصر تحمل اسم العاصمة الفرنسية الشهير، ومن بين التفسيرات المختلفة التي بحثت في أصل الاسم، ما اقترحه جورج شفاينفورت المستكشف الألماني الذي عينه الخديوي إسماعيل أول رئيس للجمعية الجغرافية المصرية، من أن كلمة باريس مكونه من قسمين هما: با وريس، وتعني باللغة المصرية القديمة البلدة الجنوبية، ويتوافق هذا مع وقوعها بالفعل في أقصى الجنوب. البعض ذهب لأنها اشتقت اسمها من القائد الفارسي بيريز باعتبار أن هذه المنطقة كانت من معاقل الفرس إبان فترة حكمهم لمصر، وحرفت مع الزمن وأصبح ينطقها الناس باريس. وبعض آخر رأى أنها كانت قديماً في عهد مصر القديمة تسمى "بر إيست" بمعنى بيت إيزيس، وحرفت مع الزمن إلى باريس.
تردد اسمها، أخيراً، مع الحديث عن مفيض باريس الذي احتوى كميات كبيرة من الماء الناتج من فيضان النيل في الفترة الأخيرة، تزامناً مع تدفق المياه الشديد نتيجة أزمة سد النهضة. ومن المفارقات أن هذه المنطقة كانت تحوي نظاماً لتخزين المياه لزراعة الصحراء منذ نحو 2500 عام في المنطقة المعروفة حالياً بعين مناور.
على "درب الأربعين"
ما مقومات هذه المنطقة، وماذا يميز هذه البقعة الصغيرة الواقعة في قلب صحراء مصر الغربية، وما أبرز محطاتها التاريخية؟
يقول المهندس ياسر الرسول الرحالة المصري ومؤسس مجموعة المستكشف المصري "جاءت شهرة واحة باريس من وقوعها على طريق درب الأربعين، وهو طريق تجاري مهم يربط بين مصر ووسط وغرب أفريقيا حيث كانت القوافل تخرج بالجمال من القاهرة ومن الصعيد محملة بالبضائع، لتمر بهذه المنطقة على درب الأربعين، ومن ثم تتجه جنوباً لكردفان ودارفور وتشاد وغيرها، وتعود محملة ببضائع هذه المناطق، ومن بينها الصمغ العربي والعطرون، وهو المادة الخام لبيكربونات الصوديوم الذي كانت تشتهر به. في هذه المنطقة وعلى طريق درب الأربعين، كانت تقع منطقة تسمى المكس وهي نقطة تشبه الجمرك في الوقت الحالي، فقوافل التجارة المستمرة في هذه المنطقة كانت هي السمة الأبرز لفترة طويلة، كما كانت قوافل الحج القادمة من أفريقيا جنوباً تمر عليها لتسلك طريقها نحو الغرب متجهة للبحر الأحمر لتعبره حتى تصل للحجاز".
وتباع، "هذه المنطقة كانت من معاقل الفرس في مصر إبان فترة وجودهم، وهناك قصة شهيرة تروى عن جيش قمبيز الذي كان خارجاً لهدم معبد آمون في واحة سيوة نتيجة لتنبؤ كهنته بزوال حكم الفرس عن مصر وموت قائدهم، الذي يحكي أنه هلك في الصحراء ولم يعثر له على أثر، كان منطلقاً من منطقة واحة باريس حالياً".
وأوضح "في العصر الحديث وفي عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، كان هناك توجه لإنشاء ما يطلق عليه حالياً الوادي الجديد، فأعطي عبدالناصر بعض المناطق الصحراوية للمصريين لاستصلاحها وزراعتها، فكانت نواة لإنشاء مجموعة القرى التي تحيط بمنطقة واحة باريس، والتي حملت أسماء دول عربية، فنجد قرية بغداد وتونس وفلسطين وعدن، وأطلق عليها هذه الأسماء لاهتمام عبدالناصر بفكرة القومية العربية عامة".
سياحة إلى باريس
منذ أعوام عدة، جرى إعلان مدينة الخارجة التي تضم منطقة باريس كأول مدينة صديقة للبيئة في مصر، وذلك لتوافرها على عوامل عدة ترتبط بنسبة التلوث والتنمية المستدامة ونصيب الفرد من المساحات الخضراء. وفي الأعوام الأخيرة، تنامت في مصر أنواع جديدة من السياحة من بينها السياحة الريفية والبيئية، التي أصبح يقبل عليها كثير من المصريين والأجانب على السواء. وكان لمنطقة باريس نصيب منها باعتبار أن الواحات جنوب مصر من أكثر المواقع التي يقبل عليها محبو الصحراء.
يكمل الرسول "الوادي الجديد عموماً ومنطقة باريس خصوصاً يميزها الهواء النقي والطقس الجيد وإنتاج التمور بكثرة بسبب انتشار النخيل، وتتميز المنطقة بعديد من الحرف التراثية المرتبطة بالنخيل بصورة عامة مثل الصناعات اليدوية والمنتجات المرتبطة بالخوص والسعف باعتبار أن النخيل جزء رئيس من مفردات هذه البيئة وله علاقة وثيقة بحياة الناس".
وأردف، "هناك كثير من الرحلات يجري تنظيمها لمنطقة الواحات في الفترة الأخيرة، فهذا الاتجاه أخذ في الانتشار، وأصبح هناك كثير من المهتمين به. وإلى جانب استكشاف المنطقة، هناك عدد من المواقع الأثرية والتراثية تتم زيارتها مع زيارة باريس، من بينها معبد دوش وقلعة المكس التي تعود للعصر العثماني، وعين اللبخة وهي منطقة تعود للعصر الروماني، وقصر الزيان وعين الدبداب، ومعظم هذه المناطق بها قلاع كانت تشرف على حركة التجارة وتأمين القوافل. كذلك تضم المنطقة قرية أنشأها المعماري الراحل حسن فتحي مبنية على الطراز التقليدي المتوافق مع طبيعة البيئة".
كنز دوش الذهبي
في عام 1989 وأثناء تنقيب البعثة الفرنسية عن الآثار في معبد دوش بمنطقة باريس، وجدت إناء فخارياً يعود لنحو 1850 عاماً مضت. وبفحص الإناء وفتحه، وُجد داخله كنز ذهبي نقل حينها إلى المتحف المصري بالتحرير، وبقي لفترة في المخازن بعدها نفذت عملية ترميم شاملة له، وهو حالياً معروض بالمتحف القومي للحضارة المصرية.
يتكون الكنز من تسع قطع: هي الإكليل الذهبي، وهو من أهم روائع الكنز، صنع من الذهب الخالص ويصل وزنه إلى 363 غراماً، وهو عبارة عن تاج يتوسطه الإله سرابيس داخل معبد صغير، وقلادة ذهبية من الذهب الخالص يصل وزنها إلى 491 غراماً تتكون من سلك ذهبي على شكل ثعبان به سبائك متدلية، كذلك عثر على 212 سبيكة ذهبية بصور وأحجام مختلفة صورت عليها الآلهة (سرابيس وإيزيس وحربوقراط وأبيس)، وُجدت أيضاً أساور ذهبية ولوحتان من الفضة الخالصة عليهما الإلهة "واجت" ترتدي تاج مصر العليا في أحدهما والسفلى في الآخر.
معبد دوش الواقع شرق واحة باريس هو واحد من أهم مزارات المنطقة ومواقعها الأثرية، وعنه يقول محمد جابر الباحث الأثري ومفتش آثار الخارجة ومعبد هيبس، "معبد دوش يقع على بعد نحو 120 كيلومتراً من مدينة الخارجة بمحافظة الوادي الجديد، وهو يتبع قرية دوش بمركز باريس، والمعبد يحمل اسم القرية حيث كان اسم مدينة قديماً هو ‘كشت‘ فإلى ‘جشت‘ ثم إلى ‘دشت‘ إلى أن جاءت كلمة ‘دوش‘. يرجع معبد دوش إلى العصر الروماني، وتم البدء في بنائه بعهد الإمبراطور دومتيان، وهو يقع داخل بقايا حصن أثري مكون من أربعة طوابق، كان يشرف على طريق الدروب والقوافل التجارية الأشهر بالواحات قديماً، وهو طريق درب الـ40 الواصل بين وادي النيل عند أسيوط وحتى دارفور في السودان".
وأكمل "معبد دوش مبني من الحجر الرملي بينما الحصن والسور والمباني الإضافية والملحقة حولها مبنية من الطوب اللبن. المعبد مخصص للثالوث العام أوزيريس وحورس وإيزيس، ولكن في هيئات وصفات العصر الروماني. ويحتوي المعبد على معظم مناظر المعبودات المصرية، حيث يقوم الإمبراطور بتقديم القرابين المختلفة لأرباب المعبد كنوع من التقرب للمعبودات المصرية وإرضاء الكهنة وأهالي الواحات، وكذلك للتقريب بين تلك المعبودات ومعبوداتهم الخاصة في بلادهم ".
وتابع "يقع قرب تلك المنطقة أخرى مهمة وهي منطقة عين مناور، وفيها معبد مخصص للمعبود آمون رع وثالوثه، والمعبد في تخطيطه يشبه تخطيط وعمارة المعبد في مصر القديمة من حيث وجود بوابات بعدها صالات أعمدة أولى وثانية وثالثة ثم مقاصير قدس الأقداس. كانت هذه المنطقة شديدة الأهمية باعتبارها تضم المناور حيث كان تخزن المياه لزراعة الواحات وفق نظام دقيق يهدف للحفاظ على المياه وعدم إهدارها".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
زوجة من باريس
خلال حقبة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، كان هناك اهتمام كبير بتنمية هذه المنطقة مع ظهور فكرة الوادي الجديد الذي كان يهدف لإنشاء واد مواز لوادي النيل والاهتمام باستصلاح الأراضي الصحراوية. وعملت السينما والدراما على إلقاء الضوء على هذا المشروع القومي الذي تم البدء فيه عام 1959 ونتجت منه محافظة الوادي الجديد التي تعد حالياً أكبر محافظة في مصر من حيث المساحة، والتي دخلت منطقة باريس حالياً ضمن نطاقها.
وفي عام 1966، عرض فيلم "زوجة من باريس" من إخراج عاطف سالم وبطولة نبيلة عبيد ورشدي أباظة وفؤاد المهندس وصلاح ذو الفقار، وتدور أحداثه عن سامية التي تذهب لواحة باريس باعتبارها باحثة في الشؤون الاجتماعية، تكلف بالذهاب للواحات الخارجة لتنمية المرأة وتحسين وضعها، لتدور أحداث الفيلم في قالب رومانسي كوميدي بين أبطال الفيلم وسكان المنطقة. وفي بداية الفيلم، إهداء إلى سكان الواحات الخارجة يشير إلى أن أحداث الفيلم تدور في بقعة نائية كانت كغيرها ترسخ في أغلال الإهمال، بما يجعل الحياة فيها عبئاً ثقيلاً وأنها كانت منفى للمذنبين والمغضوب عليهم، وأنها لها يد رحيمة لتبعث الحياة فوق هذه البقعة النائية من الوطن فشملتها بالتغيير الشامل.