ملخص
لم تعد تكتفي الأفلام المصرية الروائية القصيرة فقط بتبني خطاب المهمشين أو القضايا الإنسانية البسيطة التي لا يتحمس لها عادة المنتجون التقليديون، إنما باتت تقتحم عوالم أخرى يتماس فيها الدين مع السياسة مع أزمات المجتمع، بخطاب يبدو جريئاً مقارنة بالأفلام الروائية التجارية. فهل ينقذ مخرجو الهامش الصناعة التي باتت تدور في حلقات مكررة خوفاً من أي مغامرة قد تكلف خسائر لا يرغب بها أحد؟
كان الفيلم القصير دوماً محطة لا بد منها على الغالب لكثير من المخرجين الكبار في مصر، بينهم على سبيل المثال محمد خان وداوود عبدالسيد ويسري نصرالله، فهو الأرشيف الأول الذي يمكن للمبدع في هذا المجال صناعته بطريقة أكثر يسراً مقارنة بالفيلم الروائي الذي يتطلب موازنة هائلة وتحضيرات معقدة، وبالفعل كانت هذه الخطوة أساسية وكاشفة عن الموهبة والتوجهات الفنية.
وعلى رغم الإنتاجات الجيدة في هذا الصدد على مدار عقود، أصبح أخيراً الفيلم القصير في مصر صناعة تأخذ اهتماماً أكبر، مما نتج منه تجارب شديدة الكثافة والجودة، إذ إن عديداً من الجوائز العالمية التي نالتها أفلام مصرية في السنوات الأخيرة جاءت عبر بوابة الفيلم القصير، بينها السعفة الذهبية بمهرجان كان السينمائي الدولي.
تدريجاً، أصبحت هناك أسماء لامعة في هذا المجال الجاذب، الذي يلقى تقديراً لم يكن متوافراً من قبل، سواء في ما يتعلق باهتمام بعض الشركات الإنتاجية به، أو حتى الاهتمام الجماهيري، الذي يكبر يوماً بعد يوم بفعل عوامل كثيرة، إذ إن مسابقاته في المهرجانات البارزة أصبحت محط الأنظار، وأن مهرجانات الفيلم القصير إقليمياً ودولياً أصبحت وجهة لكبار الصناع بعد هذه التحولات في عالم إنتاج هذه الأعمال.
أما الشق الآخر هنا والأكثر ارتباطاً ببنية صناعة السينما فهو جرأة الموضوعات التي تستكشف قضايا وأفكاراً كان من الصعب مناقشتها في عمل بالشروط التجارية التقليدية، فكيف يمكن أن يؤثر ازدهار الفيلم القصير هنا على سقف حريات الدراما السينمائية ككل؟
قضايا شائكة
من يتابع الأفلام القصيرة التي عرضت في الفترة الأخيرة، لا سيما في موسم المهرجانات العربي، سيجد معظمها يتناول قصصاً جريئة وشائكة، قد يكون أبرزها "آخر المعجزات" لعبدالوهاب شوقي، الذي يدور في عوالم تتشابك بها الأزمات الاجتماعية والنفسية بالصوفية وحتى السياسية، إضافة إلى الجريمة أيضاً.
ومن المعروف أن هناك تحسساً ما من التعرض للشخصيات ذات البعد الديني، لكن في النهاية الفيلم لا يحمل أية تجاوزات لأي طرف، لكنه مقارنة بأعمال أخرى يتناول فكرة تبدو جريئة وغير معتادة، كما أن فيلم "ستاشر" الذي حصد أول سعفة ذهبية بمهرجان كان لفيلم مصري قبل أربع سنوات، تناول قصة شاب يتنكر في زي فتاة منتقبة ليلقي النظرة الأولى على حبيبته المنتحرة، حيث يتقاطع به عدة موضوعات شائكة. وعاد مخرجه سامح علاء أخيراً بفيلم جديد يحمل عنوان "الديب ورحلة البحث عن التاج المفقود"، حيث اختار مخاطرة بتقديم فيلم أنيمشن كوميدي عن شخص يسرد مشواره الحياتي عبر كرسي الحلاقة منذ الطفولة وحتى فقط شعره وأحلامه وأشخاص يحبهم.
فيما فيلم "خائنة الأعين" للأخوين سعد وعبدالرحمن دنيور، فهو ينتمي إلى عالم التجريب والخيال، سارداً لمحات إنسانية عميقة التأثير والمأسوية حول توأم متطابق يكشفان عن ذكرياتهما منذ أن كانا في الرحم وحتى الفراق الصادم، وقد حصد جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان كليرمون فيران بفرنسا المصنف الأهم عالمياً للأفلام القصيرة.
ومن ضمن جوائزه المتعددة أيضاً جائزة أفضل فيلم تحريك في مهرجان سان فرانسيسكو الدولي للأفلام، حيث نال الكثير أيضاً بمشاركته في عشرات المهرجانات والتظاهرات السينمائية الكبرى، أيضاً تحفل القائمة بتجارب مختلفة مثل "اللي ما يتسماش" لأبانوب نبيل، و"عن أشباحهن" لسهى بلال، حيث تختلط القصص الإنسانية عميقة الأثر بالهموم الاجتماعية والاقتصادية.
عدوى الجرأة
هذه مجرد نماذج لأفلام غير نمطية قدمت أفكاراً لم يكن ليتحمس لها بسهولة صناع الأفلام الروائية الطويلة ذات الطابع الجماهيري المعتاد، كما كان من الصعب أن تتحمس لها جهة إنتاجية عموماً لولا أنها أصبحت تلقى قبولاً ورواجاً وتجد منفذاً مرموقاً للعروض، والحصول على جوائز أيضاً. وأن مبدعيها أصبحوا أكثر شهرة مقارنة بنظرائهم في فترات سابقة مضت، وأن إنتاجاتهم لم تعد مهمشة، بل أصبحت مطلوبة على المنصات، وفي الأنشطة الثقافية المختلفة، التي تستهدف الجيل الجديد من الجمهور الباحث عن دراما غير تقليدية. فكيف يمكن أن يسهم هذا الحراك في حدوث تغييرات إيجابية في مناخ الإنتاج السينمائي المصري بصورة عامة؟
يرى المخرج موني محمود، المدير الفني لمهرجان الإسكندرية للفيلم القصير، أنه بلا شك أي حراك أو تطور في قطاع سينمائي ينتقل تدريجاً إلى باقي القطاعات، والشيء نفسه بالنسبة إلى التطور المذهل في عالم الفيلم القصير سواء على مستوى التقنية أو الموضوعات أو سقف الحريات أو طريقة التناول، حيث سيؤثر بشكل أو بآخر في صناعة السينما بصورة عامة، سواء كانت تسجيلية أو روائية طويلة وتجارية، مذكراً بأن جميع مخرجي السينما تقريباً في بدايتهم قدموا أفلاماً قصيرة، عرضوا من خلالها رؤيتهم الفنية، حيث كان هو القالب المتاح بسبب قلة موازنتها، لافتاً إلى أن الأمر أصبح مختلفاً تماماً منذ مطلع الألفية، حيث حدثت ثورة تقنية في هذا العالم جعلت التنفيذ أسهل كثيراً، مشدداً على أنها أصبحت صناعة كبيرة في مصر بفعل المحاولات الناجحة التي وضعت أسماء الصناع المصريين في قوائم المكرمين بكبرى مهرجانات العالم.
ومن خلال تجربته في الإدارة الفنية لمهرجان الإسكندرية للفيلم القصير، الذي بدوره شهد طفرة نوعية في السنوات الأخيرة رغم أنه انطلق منذ عام 2015، يرى المخرج موني محمود أنه بطبيعة الحال كل مهرجان لديه رقابة ذاتية، فيختار أفلاماً تلائم طبيعة جمهوره، لكن أيضاً تتضمن البرمجة نسبة من الأعمال التجريبية، لافتاً إلى أنه سعيد بمستوى المهرجان، الذي يؤهل لتصفيات جوائز الأوسكار، ويدعم أعمالاً مهمة، وينشر ثقافة مشاهدة الأفلام القصيرة، حيث يحظى باهتمام كبير سواء من الصناع أو الجمهور.
مغامرات فنية
جزء كبير من تميز الأفلام القصيرة في الفترة الأخيرة نابع من قدرة أصحابها على التجريب واقتحام عوالم الخيال والواقع بجرأة حتى لو كانت محسوبة، وعدم التقييد بمتطلبات السوق التجارية، نظراً إلى أن الموازنة تكون محدودة فتتقلص نسبة المخاطرة، وكذلك الخسارة المادية، ويكون الهدف هو الإنصات للمغامرة الفنية، وهو أمر مفتقد بشدة في عالم إنتاج الأفلام التجارية الطويلة التي تعرض جماهيرياً في دور السينما.
يقول المدير الفني لمهرجان الإسكندرية للفيلم القصير، إن فعاليات السينما القصيرة بالفعل ساعدت في سد هذه الفجوة، بخاصة في ظل عزوف الكيانات الإنتاجية عن تقديم تجارب فنية بصيغة تبتعد عن السائد. لافتاً إلى أن الزخم الحاصل في هذه الصناعة يعوض كلاسيكية وتقليدية السينما التجارية.
ويتابع، "كان هناك منتجون فنانون ومغامرون قدموا أفلاماً، وبينهم وحيد حامد ونور الشريف، لكن حالياً الغالب يتعامل مع السينما بشقها التجاري فحسب، ولهذا تلاشت مساحة المغامرة في الأفلام، ولهذا تقوم الأفلام القصيرة بهذا الدور، فهي قائمة على تقديم الحكايات بطريقة غير مألوفة وتدخل مناطق مدهشة، ومع زيادة هذه النوعية من الأفلام من الطبيعي أن ينعكس هذا المناخ بشكل أو بآخر على السينما التي تعرض جماهيرياً، بل إن الأفلام القصيرة نفسها شيئاً فشيئاً ومع زيادة عروضها على المنصات ستصبح بعضها جماهيرياً، خصوصاً أن صناعها يعانون فكرة التسويق التقليدي مقابل الاحتفاء بالمهرجانات، لكن اهتمام المنصات بشراء، بالتالي التوجه لجمهور أوسع، يمثل تطوراً إيجابياً وواعداً".
يتفق معه أيضاً الناقد السينمائي أندرو محسن، الذي يرى أن فرص طرح الأفكار الجديدة في الأفلام القصيرة أكبر، لأنها لا تخضع لتفاصيل السوق والعرض، نظراً إلى عدم وجود ضغوط إنتاجية. ومع ذلك فإن هناك شقاً سلبياً في رأيه كثيراً ما رافق هذه النوعية من الأفلام مرتبطاً بعدم وجود جهات إنتاجية متحمسة، ولهذا قد تستغرق سنوات عدة طويلة في محاولة توفير التمويل اللازم. ويضيف أندرو: "هذا الوضع الإنتاجي أصبح يتغير بعض الشيء بوجود جهات تقتطع مساحة من إنتاجها لهذه الأفلام مثل شركة ريد ستار الشهيرة بتقديم أفلام سواء روائية أو تسجيلية أو قصيرة ذات جودة فنية عالية".
ينبه أندرو محسن أيضاً إلى أن أكثر ما تتمتع به الأفلام القصيرة، ويمكن أن يؤثر إيجاباً في مناخ صناع الدراما بصورة عامة مستقبلاً، هو التفهم الرقابي. لافتاً إلى أنها لا تعرض تجارياً عادة، وتكون إتاحتها للعرض مرتبطة بالمنصات أو الفعاليات الثقافية والمهرجانات، فمساحات التقبل فيها أكبر، مما يمنحها فرصاً متعددة للتعبير عن أمور قد لا تتاح إلى قوالب أخرى.
بالفعل يبدو عالم الأفلام القصيرة بعيداً إلى حد ما عن الجدل المعتاد حتى في شأن المعايير والاشتراطات المتعلقة بالفنون الدرامية سواء السينما أو التلفزيون، حيث وقفت محاذير التناول عقبة أمام عديد من الأعمال التجارية التقليدية، أبرزها تلك التي تتناول موضوعات بها شق ديني. فعلى سبيل المثال كان قد واجه فيلم "بحب السينما" أزمات كبيرة، ودخل صناعه المحاكم حيث تناول حياة أسرة مسيحية متزمتة. وكذلك يواجه أيضاً فيلم "الملحد" تعنتاً شديداً على رغم صدور قرارات رسمية بعرضه، وعلى رغم إقرار القضاء بعرضه، لكن حتى الآن يبدو مصيره غامضاً، وهو يتناول محطات في حياة شاب يجاهر بإلحاده ويستعرض كيف تتلقى عائلته هذا الخبر الصاعق. وعلى رغم الجدل الذي أثير العام الماضي في أعقاب منع عرض فيلم "آخر المعجزات" القصير بمهرجان الجونة، الذي يتعرض في جانب منه لحياة التصوف، فإن الأزمة انتهت وعرض الفيلم هذا العام بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي.
احتفاء نقدي وجماهيري
فيما تنطلق خلال أيام الدورة السابعة لمهرجان القاهرة السينمائي للفيلم القصير بتكريم المخرج مروان حامد والمؤلف الموسيقي راجح داوود، وعرض عشرات الأفلام القصيرة، حيث أصبحت فعاليات الأفلام القصيرة شديدة التنوع في مصر لمجاراة غزارة الإنتاج وجودة المستوى أيضاً، ولمجاراة ما يجري في العالم ككل من اهتمام بهذا اللون السينمائي.
يشير أندرو، محسن المسؤول عن برمجة الأفلام في مهرجان الجونة السينمائي، أن صناعة الفيلم القصير في مصر خلال الفترة الأخيرة أيضاً أصبحت تزداد ثباتاً، وتتبلور بصورة تجعلها ذات ثقل، ويرى أن تجمع مثل نادي المنتجين يسهم بصورة كبيرة في دفع هذه الأعمال، ويعمل هذا النادي على دعم الصناعة من خلال البحث عن طرق تمويل مختلفة للمساهمة في عمليات ما بعد الإنتاج، وكذلك توفير معدات وخدمات لتسهيل التنفيذ والتسويق.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويواصل، "يتزامن هذا أيضاً مع وجود جيل من المخرجين البارعين الذين يحضرون المهرجانات العملية ويستفيدون من تجارب المشاركين بها، إضافة إلى مشاركات أفلامهم أيضاً في كبرى هذه التظاهرات، حيث يسعون إلى تعريف شريحة أكبر من الجمهور بعملهم الإبداعي".
المدير الفني لمهرجان الإسكندرية للفيلم القصير موني محمود، يؤكد أنه من خلال تجربته، فقد مرت صناعة الفيلم القصير بمراحل عدة، وكذلك المهرجانات التي تدعمها. لافتاً إلى أن الـ10 سنوات الأولى من الألفية الثالثة شهدت إرهاصات للاحتفاء بسينما الموبايل على سبيل المثال، ثم نشأت مهرجانات صغيرة أخرى، وبعد التطور التكنولوجي الملحوظ أصبحت الكلفة المادية أقل بالنسبة إلى الهواة مما شجعهم على تقديم المزيد. لافتاً إلى أن المخرجين غير الدارسين أيضاً أثبتوا تفوقاً ملحوظاً، واستمروا في المهنة بتجارب شديدة التميز بفضل هذه التقنيات.
وفي ما يتعلق بمهرجان الإسكندرية، يرى محمود أنه نجح في فتح بوابة ونافذة لصناع هذه الأفلام حتى بات من الأهم في المنطقة العربية إن لم يكن الأبرز، حيث تقدم للمشاركة به هذه السنة 2500 فيلم من 119 دولة، جرى قبول 87 منها، تمثل 45 دولة، وهي أرقام ضخمة للغاية، وتشير إلى أن عصر الفيلم القصير يزدهر بقوة.