ملخص
في ما عدا الانتظار والبحث والترقب، استقبل المصريون 2026 بسقف طموحات ملامس للأرض، لا لإحباط أو يأس بالضرورة، لكن لترجيح كفة العقل وتغليب قوة المنطق. وخطوا خطواتهم الأولى في السنة الجديدة بقلوب ملؤها العملية وعقول معبأة بالواقعية وعيون خالية من وميض الحلم والتمني.
"فرصة لالتقاط الأنفاس"، "هدنة من تفاقم الضغوط"، "أسبوع بلا شاشات وإعلام وتصريحات"، "أغمض عيني وأفتحهما وأجد الأبناء قد أنهوا تعليمهم وجرى إغلاق خانة مصروفات التعليم"، "تثبيت سعر الفول والفراخ (الدجاج)، ولا يهمني سعر صرف أو فائدة"، "ستر"، وتكرار "الستر"، وتأكيد على "الستر".
الستر والرضا ظلا الأمنيتين الرئيستين المعبر عنهما من قبل غالبية المصريين في الأيام الأولى من كل عام. جرى العرف أن يستهل المصري تعبيره عن أمينات العام الجديد بطلب الستر، متبوعاً بقائمة من الأجهزة الكهربائية، أو حلم شقة تمليك، أو سيارة خاصة، أو إجازة مصيف. كما تأصلت عادة الزج بقيمة الرضا بأقل القليل في أي جملة مفيدة، قبل أن تتبعها عبارات مثل "ولكن لو هم تزويج البنات خف قليلاً" أو "لو تتم ترقيتي التي أستحقها وزيادة الراتب التي أحتاجها" أو غيرها من مكملات الرضا.
في الأعوام القليلة الماضية، تحديداً منذ البوادر الأولى للحلقة الحالية من الأزمات الاقتصادية والأوضاع المعيشية المتفاقمة في صعوبتها وضغوطها، بدأت ملامح جديدة تفرض نفسها على أمنيات المصريين في نهايات الأعوام المنقضية وبدايات الجديدة.
يمكن تأريخ هذه الملامح وإرجاعها إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2016، وهو عام التعويم الجذري الأول. صحيح أن عادة المصريين، شأنهم شأن شعوب الأرض، الشكوى من الاقتصاد وضيق ذات اليد وتصاعد التطلعات وتدني الإمكانات، وهي عادة قديمة قدم السياسة، وعلى رغم أن هامش الحق في الشكوى شرعي ومستحق بدرجات متفاوتة، فإن الأعوام الـ10 الماضية شهدت بحجة الأرقام وبرهان الديون وفوائدها والأسعار والتضخم مصاعب جمة طاولت الجميع في شتى أرجاء الهرم الطبقي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
سكان الهرم ظهرت عليهم أعراض يسميها البعض فقدان الشغف ببداية عام، ويحتار في وصفها وتشخيصها آخرون بين تبدد الأمل في التحسن، وتضاؤل القدرة على المعافرة والمقاومة، وميل أكبر في اتجاه العقلانية، وجميعها يؤثر سلباً في القدرة على التمني، ويجهض الجرأة على الحلم.
المتابع للشأن والشارع والأثير العنكبوتي المصري يرى ويشهد أمارات تؤكد وجود الأمنيات والأحلام، ولكن بأثواب مغايرة، وكميات أصغر، ومحتوى أقل ما يمكن أن يوصف به هو الاقتراب من أرض الواقع، وأحياناً الارتطام بها.
هذه المتغيرات ترسخ أقدامها أول كل عام أكثر مما قبله. وهذا العام، وصلت حداً غير مسبوق من العقلانية والواقعية، وهو الحد الذي ينعته المتشائمون باليأس والإحباط.
أمنيات في زمن الترقب
هذا العام، يتزامن موسم قرارات وأمنيات وأحلام العام الجديد وهالة من الترقب الغارق في الغموض، الذي لا يخلو من حذر وتخوف، مع خيط رفيع من أمل، مع تصريح مقتضب ومثير أدلى به رئيس الوزراء مصطفى مدبولي قبل أيام.
تحدث مدبولي عن "عمل الحكومة لخفض الدين العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة على مدار 50 عاماً". ولولا تبني عدد من الإعلاميين ممن انجرفوا إلى عالم البودكاست لتعويض انكماش أدوارهم وتأثيراتهم التلفزيونية والصحافية، وكذلك عدد من المؤثرين ممن يتلقطون كل سقطة ولقطة لصناعة محتوى قادر على الجذب والمتابعة، ومن ثم توليد الربح، لهذا التصريح وتحويله إلى تكهنات وتوقعات، بعضها شطح في سماء أحلام انخفاض سعر السيارات من مليون إلى 300 ألف جنيه مصري، واسترداد الجنيه المصري الجانب الأكبر من عافيته المنهكة، والبعض الآخر حلق في آفاق خفض الإيجارات ورفع الرواتب وتثبيت الأسعار وعودة الدعم، لما توقفت الملايين أمام التصريح، أو تمعنت في الكلمات، أو بحثت في ما وراء المعنى.
في ما عدا الانتظار والبحث والترقب، استقبل المصريون 2026 بسقف طموحات ملامس للأرض، لا لإحباط أو يأس بالضرورة، لكن لترجيح كفة العقل وتغليب قوة المنطق. وخطوا خطواتهم الأولى في السنة الجديدة بقلوب ملؤها العملية وعقول معبأة بالواقعية وعيون خالية من وميض الحلم والتمني.
الأمنيات حاضرة، لكنها محددة، وبعضها يرقى إلى أن يكون خطة عمل محددة بإطار زمني ومقيدة بقواعد الترشيد وأسس التقشف. أمنية صاحب مخبز في حي شبرا (شمال القاهرة) أن تزيد المبيعات بنحو 20 في المئة لعله يتمكن من سداد باقي قسط المحل. أب لابنتين في مدارس خاصة يتمنى أن يجري تثبيت قيمة القسط الثاني من مصروفات المدرسة والباص، لأن القسط الأول أنهكه، فما بالك بالثاني إن زاد؟! مستأجر شقة في حي العجوزة (الجيزة) يأمل في أن يجد وظيفة إضافية فترة بعد الظهر، ليتمكن من سداد الإيجار الذي زاد 10 أضعاف بعد بدء تطبيق قانون الإيجارات الجديد. حلم محاسبة في بنك عربي أن تحتفظ سيارتها بقدرتها على السير بأقل أعطال ممكنة، حيث شراء سيارة جديدة بالأسعار الحالية رابع المستحيلات بعد الغول والعنقاء وانخفاض الأسعار وتجميد الزيادات.
اللافت أن كثيرين لجأوا إلى الآية الكريمة "ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون" (سورة يوسف) ليرسلوها إلى الأقارب والأصدقاء، وكذلك كتابتها في تدوينات وتغريدات في مناسبة بدء العام الجديد. ويكمن السبب في تفسير الآية التي تعني قدوم عام يغاث فيه الناس بالمطر بعد سنوات مجدبة، فيرفع الله عنهم الشدة، ويعصرون فيه الثمار، دلالة على كثرة الخصب والخير والنماء.
ولولا ورود الثمار المرجوة في القرآن الكريم، لتوالت التعليقات المحبطة والمحبطة. عقود طويلة والمصري يتابع حديث الثمار. الشهر المقبل يجني المصريون ثمار سياسة الانفتاح الاقتصادي، العام المقبل موسم جني ثمار الاستثمار، العقد القادم عقد الثمار بعد عقود الحرث والزرع والتسميد والري. السنوات القليلة الماضية وحدها كانت حافلة بـ"بشائر ثمار إصلاح الهيكل الاقتصادي تلوح في الأفق، انعكاس ثمار الإصلاح على حياة المواطنين أولوية، المصريون على موعد مع ثمار الإصلاح الاقتصادي، الحكومة تشيد بصبر المواطنين، ويؤكد أن مرحلة جني الثمار على الأبواب، الدولة تبدأ خطة جني الثمار، الاقتصاد المصري يجني حالياً ثمار الإصلاح، المواطن سيبدأ في جني ثمار السنوات الصعبة، ثمار الإصلاح تدق الأبواب، المواطن صاحب الفضل في الوصول إلى مرحلة جني الثمار، ساعة جني الثمار اقتربت.
وبينما يكتفي المواطن لحين إشعار آخر بما تيسر من ثمار الخضراوات والفاكهة التي يشتريها من السوق، تدفعه الأوضاع والتوترات السياسية والاقتصادية العالمية والإقليمية، وإلمامه بما يجري حوله بقدر أوفر بكثير مما كان عليه حتى سنوات قليلة مضت إلى التعامل مع "حديث الثمار" بحذر شديد وواقعية مفرطة.
القاعدة العريضة لا تعول كثيراً عليها، ربما لكثرة الحديث عن الثمار، وطول انتظار الحصاد، لكنها في الوقت نفسه لا تلغيها تماماً، أو تخرجها من قاموس الأمنيات والأحلام المجمدة أو المؤجلة أو المخزنة.
معدلات الإحباط
في كتب التنمية البشرية، يقولون إن ارتفاع معدلات فشل أو إحباط أو إجهاض أمنيات العام الجديد حين تكون مفرطة في الخيال، تؤدي إلى إحباط وخيبة أمل، ثم عزوف عن التمني من الأصل. كما أن التوقعات أو الأمنيات كلما تخلت عن مقدار معقول من المنطق والعقلانية ارتفعت نسبة تبخرها في هواء العام. لذلك أصبح هناك اتجاه متزايد، لا سيما بين أولئك الذين تتعدد مشكلاتهم وهمومهم وضغوطهم لترشيد الأمنيات وتقليص الأحلام، بالمعنى التشاؤمي بالضرورة، لكن من منطلق "أحلام صغيرة، قابلية تحقيق كبيرة".
في استقبال العام الجديد، احتفل المصريون كلما تيسرت سبل الاحتفال، ولو بالتقاط الصور في الشوارع المزينة. وتحدثوا كذلك عن سنة صعبة مضت، وسنة أخرى مقبلة. غلب صوت العقل، وتسيد حس المنطق. الانتقال من حال إلى عكسها لا يحدث إلا في الأفلام. الحلم وارد، وإخضاعه للتطويع والرقابة والمنع صعب. أما الأمنيات فيسهل تفصيلها على مقاس الواقع مع ترك بحبوحة لبقايا الحلم. حتى الكتاب والمثقفون، طغت على أمنياتهم التي تزخر بها الصحف والمواقع في بدايات الأعوام نبرة الواقعية وملمح العملية.
أستاذة علم الاجتماع والكاتبة نادين عبدالله كتبت تحت عنوان "أمنيات بسيطة لعام جديد" (2025)، "في استقبال عام جديد، أجد نفسي ميالة إلى إطلاق أمنيات تتصل بحياتنا اليومية. علمني عام 2025، بما حمله من ضغوط وتعقيد، أن ما يبدو للوهلة الأولى سطحياً في تفاصيل حياتنا هو في الحقيقة شديد العمق. لذلك تأتي أمنياتي هذا العام قريبة من واقعنا، ومتصلة بتجاربنا كما نعيشها. أتمنى عاماً نعيد فيه النظر إلى السياسة بوصفها ممارسة يومية تحتاج إلى مساحات تتسع للاختلاف والحوار. أتمنى عاماً أكثر إنصافاً للشباب. أتمنى عاماً أكثر احتراماً للنساء، أتمنى أن يحتل العمل مكانه الحقيقي في النقاش العام، فهو حق اجتماعي يتطلب أجوراً عادلة، وحماية من التمييز والاستغلال. وأن نعيد التفكير في التنمية، لا باعتبارها أرقام نمو فحسب، بل استثماراً في البشر. أتمنى عاماً نحسن فيه قراءة واقعنا، وأن نستعيد الخيال الاجتماعي الذي يسمح لنا بربط تجاربنا الشخصية بالسياق الأوسع. أن نفهم أن البطالة ليست كسلاً، وأن التعب العام ليس ضعفاً فردياً، بل نتيجة سياسات، وبنى اقتصادية واجتماعية تحتاج إلى مراجعة. أتمنى عاماً أقل قسوة، وأكثر فهماً، عاماً نرى فيه الصورة كاملة، ونتذكر فيه أن النجاة لا تكون أبداً فردية".
وكعادة المصريين، سواء كانت أمنيات العام تحلق في الفضاء، أو تقترب من الأرض، أو ترتطم بما بينهما، تظل الدعابة حاضرة. فحين أكد أحد الإعلاميين المعروفين بالدعم المستمر والتأييد الذي لا ينقطع للسياسات الحكومية، حتى في عز إخفاق بعضها، أن عام 2026 سيكون عام المواطن المصري، اقترح البعض أن تتوقف الأحلام فوراً، وتصادر الأمنيات في التو واللحظة، تحسباً وتخوفاً من "عام المواطن المصري".