ملخص
لدى مصر 7 مواقع فقط على قائمة التراث العالمي لـ"اليونيسكو" رغم أنها من أكثر دول العالم امتلاكاً للآثار، فلماذا لا يسجل عدد أكبر؟ وما قيمة التسجيل على الدولة والأثر؟
في الأعوام الأخيرة نجحت مصر في تسجيل أكثر من موقع على قوائم "اليونيسكو" للتراث العالمي اللامادي، من بينها أخيراً طبق الكشري، ليصبح هو العنصر المصري رقم 11 المسجل مثل التحطيب، والسمسمية، والاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة، والأراجوز، وغيرها من العناصر التي تمثل ملامح من التراث الثقافي المصري.
وعلى رغم أن مصر من أكثر دول العالم التي تضم مواقع أثرية تعود إلى حضارات متنوعة وعصور مختلفة فإن لديها فقط سبعة أماكن على قوائم التراث العالمي المادي، وهي القاهرة التاريخية، ودير أبو مينا، ومدينة طيبة القديمة ومقبرتها، ومعالم النوبة من أبو سمبل إلى فيلة، ومنطقة الأهرام من الجيزة إلى دهشور، ودير سانت كاترين، ووادي الحيتان بالفيوم.
والموقع الأخير الذي جرى تسجيله هو وادي الحيتان كتراث طبيعي كان عام 2005، أي إنه منذ نحو 20 عاماً لم يسجل أي موقع على قوائم "اليونيسكو" للتراث المادي على رغم أن الملف ذاته يسير بكفاءة في حالة التراث اللامادي، ويدفع هذا إلى التساؤل عن الأسباب أو المعوقات التي تمنع تسجيل مزيد من المواقع الموجودة في كل أنحاء البلاد التي بالفعل تستحق التسجيل؟ أخيراً جرى إدراج المتحف المصري بالتحرير على القائمة التمهيدية لمواقع التراث العالمي، استناداً إلى أنه ذو قيمة معمارية فريدة، وأنه أول متحف من نوعه في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في عام 1972 جرى اعتماد اتفاقية التراث العالمي ليتم لاحقاً إدراج أول موقع على قوائم التراث العالمي عام 1978، وطبقاً لمنظمة "اليونيسكو" فقد بلغ عدد البلدان الأطراف في اتفاقية التراث العالمي حالياً 195 بلداً، أصبحت هذه البلدان من خلال التزامها بهذه الاتفاقية جزءاً من مجتمع دولي متكاتف، لتحقيق غاية مشتركة تتمثل في تحديد مواقع وعناصر التراث الطبيعي والثقافي الأكثر أهمية في العالم وحمايتها.
حالياً يوجد 1248 موقعاً للتراث العالمي مسجلاً على قوائم "اليونيسكو" في 170 دولة، تمثل 972 موقعاً ثقافياً، و235 موقعاً طبيعياً، و41 موقعاً مختلطاً. وتحتل إيطاليا المركز الأول كأكثر دولة لديها مواقع مسجلة على قائمة التراث العالمي، إذ لديها 61 موقعاً، ويليها الصين 60 موقعاً، وألمانيا 55 موقعاً، وفرنسا 54 موقعاً، وفي ما يتعلق بالدول العربية تأتي المغرب في المركز الأول فلديها تسعة مواقع تراث عالمي، ويليها تونس، وتأتي مصر في المركز الثالث عربياً بسبعة مواقع.
لجنة متخصصة
لماذا لا تسجل مصر عدداً أكبر من المواقع، ولماذا بعض الدول ربما لا تمتلك نفس القيمة التاريخية والحضارية ولا نفس الكم من الآثار ويكون لها مواقع أكثر عدداً على قائمة التراث العالمي؟
وفق رؤية حسين دقيل الباحث في الآثار، فإن "مصر من أوائل الدول التي كان لها مواقع تراث عالمي فبدأ تسجيل المواقع المصرية منذ عام 1979 أي بعد عام واحد من بداية بدء التسجيل على هذه القائمة، عندما سجلت مصر المواقع الأولى مثلت مساحات شاسعة مثل منطقة القاهرة التاريخية التي وضعت كموقع واحد رغم أنها تضم مئات المواقع الأثرية التي تعود إلى عصور إسلامية متلاحقة مثل الأيوبي، والفاطمي، والمملوكي، والعثماني، فشارع المعز وحده به عدد كبير جداً من الآثار الإسلامية. لاحقاً منطقة منف بكل مواقعها الأثرية أهرام الجيزة وآثار دهشور ومنطقة سقارة كلها مسجلة كموقع واحد رغم أنها مساحة شاسعة، والشيء نفسه مع آثار طيبة، وآثار النوبة في الجنوب، كان هذا خلل كبير في التسجيل، لكنه كان مرتبطاً ببدايات ظهور القائمة، باعتبار أن هذه المواقع سجلت مبكراً".
ويضيف دقيل، "ملف وضع موقع على قائمة التراث العالمي لا بد أن يكون له اهتمام كبير من الدولة، فهو يحتاج إلى لجنة متخصصة لديها إمكانات وقدرات وتمويل لتضع ملفات للمواقع، إضافة إلى جهود قانونية ودبلوماسية، ونأمل في أن يكون هناك اهتمام بهذا الملف في الفترة المقبلة، خصوصاً مع وجود رئيس مصري لـ"اليونيسكو" يدرك أهمية هذا الأمر، وبالفعل هناك مواقع متعددة يمكن أن تسعى مصر إلى تسجيلها، فلماذا لا نسعى لتسجيل معبد دندرة، ومعبد إسنا، أو مدينة صان الحجر بالشرقية، وتل العمارنة في المنيا وغيرها كثير من المواقع يمكن تسجيلها إذا وضع لها ملف قوي جرى تقديمه لليونيسكو".
ويتابع، "المواقع الموجودة على قوائم التراث تحتاج إلى اهتمام، لأنه في حال عدم الاهتمام بها تحذر اليونيسكو الدولة لاتخاذ اللازم، وإذا لم تنجح في حل الأزمة تشطب من القائمة نتيجة عدم الاهتمام بالمعايير المطلوبة من حفاظ واهتمام، فهناك شروط لا بد من مراعاتها، وهو ما حدث سابقاً مع دير أبو مينا وأزمة المياه الجوفية التي نجحت مصر في معالجتها، ورفعه من على قوائم التراث المهدد بالخطر".
ماذا يعني تسجيل الموقع على التراث العالمي؟
توجد 10 معايير أو شروط لا بد أن تتوافر في الموقع حتى يسجل كتراث عالمي، من بينها أن يمثل الموقع تحفة عبقرية من صنع الإنسان، وأن يدل الموقع على تبادل القيم الإنسانية على مدى فترة زمنية أو داخل منطقة، أو أن يعرض التطورات في الهندسة المعمارية أو الفنون أو الآثار، وأن يعرض الموقع ثقافة منطقة أو ثقافة حضارة كانت موجودة، وأن يعرض الموقع مجموعة معمارية مميزة تمثل مرحلة مهمة من تاريخ البشرية وتقدمها، وأن يحوي الموقع بعض الظواهر الطبيعية ذات الجمال الاستثنائي، وأن يضم الموقع تنوعاً بيولوجياً أو أن يحوي الأنواع المهددة بالانقراض من النباتات أو الحيوانات".
وتتنوع المواقع التي تسجل على قوائم التراث العالمي بين ثلاثة أنواع هي المواقع الثقافية، والمواقع الطبيعية، والمواقع المختلطة، وهي المواقع التي تضم العناصر الثقافية والطبيعية مجتمعة مع بعضها، وقد جرت إضافة المواقع المختلطة في وقت لاحق عام 2002، فهي قائمة حديثة نسبياً، لكن كيف يجري اختيار موقع بعينه ليتم تسجيله، وما الخطوات التي تتم، وماذا ينقصنا لنحقق نجاحاً أكبر في هذا الملف؟
يقول عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة ورئيس لجنة الدفاع عن الحضارة المصرية عبدالرحيم ريحان، "الترشيحات في اليونيسكو تمر بمراحل مختلفة، تبدأ باعتراف الدولة بتراثها أولاً، أي أن يكون الأثر مسجلاً في الدولة، ويخضع لقوانين الحماية، وأن تكون الدولة صدقت على اتفاقية حماية التراث العالمي، ومن بعدها يجري تقييم الممتلكات الثقافية من طريق منظمة الإيكوموس لمواقع التراث الثقافي، ومن طريق الاتحاد الدولي لصون الطبيعة للمواقع الطبيعية، وكذلك منظمة الإيكروم التي تقيم حالة وسلامة الممتلكات، وبعدها تتخذ لجنة التراث العالمي قرارها، وتجتمع مرة كل عام لإدراج المواقع، وقد تقبل أو ترجئ بشروط، أو ترفض إدراجه، ويجري الإدراج على أساس معايير تحدد قيمة المواقع الاستثنائية قد تقترحها الدولة صاحبة الممتلك أو إحدى الجهات الاستشارية".
يضيف ريحان، "حتى ننجح في إعداد ملف لتقديمه لليونيسكو يتطلب هذا وجود خبراء متخصصين لديهم خبرات مؤهلة أكاديمياً في تخصص التراث العالمي، ولديهم خبرات ميدانية طويلة في هذا المجال وخبراء في العمل الأثري الميداني، هذا علاوة على وجود متخصصين في المساحة لإعداد الخرائط المطلوبة، وخبراء في القانون الدولي والعلاقات الدولية، لدينا بالفعل عديد من المواقع المدرجة على القائمة الموقتة منذ أعوام، ولم يتم فيها شيء، منها المنطقة الأثرية بسيوة، ومقياس النيل بالروضة، ومعبد سرابيط الخادم بسيناء، ومدينة أبيدوس وغيرها".
وجود موقع مسجل على قوائم التراث العالمي من المفترض أن ينعكس على الدولة بصور متعددة من بينها أنها وسيلة للترويج السياحي ولتنمية المجتمع المحلي المحيط به، كما أنه يمثل قيمة كبيرة للمنطقة التي يوجد فيها باعتباره دليلاً على تاريخها وحضارتها الممتدة، لكن ما الفائدة التي تعود على الموقع الأثري ذاته، وما سبل الحماية التي يمكن أن تتوفر له، وماذا تستفيد الدولة ذاتها التي تمتلك هذا الموقع الطبيعي أو الثقافي بحيث يدفعها للاهتمام بتسجيل المواقع الأثرية كتراث عالمي؟
يجيب ريحان، "يضمن تسجيل الموقع كتراث عالمي وجود منظومة إدارية ومراقبة مستمرة لحالة الموقع، واللجنة بدورها تراقب من طريق تقارير دورية تقدم كل ستة أعوام لكل بلد، كما يحق للجنة أن تدرج الموقع تحت قائمة التراث العالمي المعرض للخطر مما يوجب على الدولة القيام بجهود كبيرة لرفعه من القائمة، كما حدث مع موقع أبو مينا، كما يسهم في رفع مستوى الوعي بالأخطار التي قد تلحق الضرر بالممتلك الثقافي، فمثلاً جرى وقف بناء طريق سريع قرب أهرام الجيزة في مصر".
ويضيف، "تسجيل الموقع كتراث عالمي باليونيسكو يتطلب من الدول مالكة هذا التراث اتخاذ سياسة عامة تستهدف جعل التراث الثقافي والطبيعي الواقع في إقليمها يؤدي وظيفة في حياة المجتمع المحلي والحرص على حماية هذا التراث في مناهج التخطيط العام والعمل على حماية التراث والمحافظة عليه، والموقع المسجل يكون مؤهلاً لتلقي تمويل للحماية والصيانة، وفي حال قيام حرب في الدولة التي يقع فيها يصبح محمياً بموجب اتفاقية جنيف".
أين التراث الإسلامي؟
المتأمل للسبعة مواقع المصرية المدرجة على قوائم التراث العالمي لـ"اليونيسكو"، سيجد أن هناك موقعين مسيحيين، وثلاثة مواقع تعود إلى حضارة مصر القديمة، وموقع تراث طبيعي، ولا يوجد غير موقع واحد ينتمي إلى الحضارة الإسلامية، وهو القاهرة التاريخية على رغم امتداد الآثار الإسلامية في كل أنحاء البلاد من الشمال للجنوب، ووجود كثير من المواقع بخلاف القاهرة تستحق التسجيل.
منذ أعوام عدة ثارت دعوات من المهتمين بالتاريخ والتراث للعمل على إعداد ملف لتسجيل مدينة رشيد (شمال مصر) كتراث عالمي، باعتبار أنها تضم أكبر عدد من الآثار الإسلامية في مصر بعد القاهرة، وبها مواقع متعددة فريدة من نوعها تستحق أن توضع على قائمة التراث العالمي، لكن لم يدخل الأمر حيز التنفيذ ولم تثمر هذه الدعوات عن شيء.
يقول المتخصص في مجال الآثار والحضارة الإسلامية ورئيس الجمعية المصرية للدراسات التاريخية أيمن فؤاد سيد، "للأسف القائمون على الآثار في مصر اهتمامهم الأول هو الحضارة المصرية القديمة، رغم أن هناك حضارات متعاقبة بعدها لها ذات الأهمية، ولها إرث حضاري عظيم شواهده ظاهرة في كل أنحاء البلاد، هذه أزمة عامة لا تخص فقط تسجيل المواقع الأثرية كتراث عالمي، فهناك حاجة ماسة للنظر باهتمام أكبر للممتلكات الثقافية التي تضمها مصر، ومن بينها الآثار الإسلامية، باعتبار أن مصر تضم أهم آثار إسلامية في العالم الإسلامي، وبها آثار قائمة ومستمرة منذ أكثر من 1000 عام، ولم تفقد مثل دول أخرى".
يضيف أستاذ الآثار والحضارة الإسلامية، "القاهرة الإسلامية بالفعل مسجلة على قوائم التراث العالمي، لكن الآثار الإسلامية في مصر لا تقتصر على القاهرة، فهي منتشرة في طول البلاد وعرضها، وهناك مواقع متعددة تستحق أن تسجل كتراث عالمي، الصعيد على سبيل المثال به كثير من الآثار الفاطمية، وهناك مواقع متعددة من الآثار الإسلامية في مناطق متفرقة من الوجه البحري، ومن المهم هنا أن نذكر أنه حتى يسجل الموقع الأثري كتراث عالمي لا بد أن يكون بحالته الأصلية يمكن أن يجري ترميمه، لكن من دون إضافة أي شيء مستحدث يغير من حالته الأصلية فهنا تكمن القيمة".
وفي ما يتعلق بتأثير إضافة موقع معين على السياحة في مصر، وكيف يكون له أثر، يقول رئيس الجمعية المصرية للدراسات التاريخية "حتى يكون تسجيل موقع معين على مواقع التراث العالمي له مردود على السياحة الثقافية في مصر، فلا بد أن ينظر إلى الأمر في إطار متكامل، باعتبار أنه لا بد من توافر كل الخدمات في المجتمع المحلي الذي يوجد فيه الموقع من طرق وفنادق وأنشطة مختلفة حتى تكون التجربة متكاملة، باعتبار أن السائح لن يقطع مسافة كبيرة لساعات في الوصول لموقع معين ثم يعود فلا بد أن تكون هناك رؤية متكاملة لكيفية استغلال هذه المواقع، لتكون نقاط جذب سياحي تتوافر فيها كل المقومات".