Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأناركية أو اللاسلطوية بوصفها حلما إنسانيا بالتحرر المطلق

 بيار أندريه تاغييف يستعيد المفهوم الذي يقول إن الحياة الاجتماعية يمكن أن تنظم من دون الحاجة إلى سلطة

الأناركية بريشة أنريكو باج (صفحة الرسام - فيسبوك)

ملخص

في كتاب بعنوان "الأناركية أو التعصب للحرية" الصادر حديثاً في باريس عن منشورات "لوبسرفاتوار" (2025)، يقدم الفيلسوف ومؤرخ الأفكار الفرنسي بيار أندريه تاغييف، بأسلوب يجمع بين التحليل الفلسفي والعمق التاريخي دراسة معمقة حول أحد أكثر المفاهيم السياسية التباساً في الفكر الحديث، عنيت الأناركية أو اللاسلطوية، بوصفها حلماً إنسانياً بالتحرر المطلق.

 الأناركية أو الأنارخية كلمة يونانية تعني "دون مبدأ" أو "قائد" أو "سلطة"، تحيل إلى حركة سياسية ظهرت خلال القرن الـ19 في فرنسا وروسيا مع جان غراف وبيار جوزيف برودون وميخائيل باكونين وبيار كروبوتكين، قالت إن الإنسان خير بطبعه، وإن الحياة الاجتماعية يمكن أن تنظم تلقائياً دون الحاجة إلى قائد أو سلطة، وإن سلطتي الدين والدولة غير مشروعتين، وإن الحرية لا يمكن تفويضها. لذا، يجب أن تقوم الحياة الاجتماعية على مبدأ الاجتماع الطوعي، بحيث تبقى العقود بين الأفراد قابلة للنقض أو للتغيير.

يرسم تاغييف على امتداد أكثر من 400 صفحة خريطة فكرية لهذا المفهوم، متجاوزاً الصورة النمطية التي جعلت منه مرادفاً للفوضى والرغبة في الهدم وانعدام القانون والانهيار الاجتماعي. فيكشف عن تعدد وجوهه وعن طاقته النقدية المستمرة منذ ظهوره حتى يومنا هذا، متوقفاً أمام أطروحات الحركات التي تبنته والتي تقوم بمجملها على فكرة تقول إن المجتمعات الإنسانية لا تزدهر ولا تتطور إلا عندما تعيش في ظل بدائل الحكومات التقليدية، التي تعلي من شأن مفاهيم الحرية والليبرالية والاستقلال والحكم الذاتي، بحيث يتبدى المجتمع على المستوى النظري، أكثر سلماً ولطفاً وإنصافاً. ويكشف عن الانقسام الحاد الذي يثيره هذا المفهوم على المستوى الفلسفي والأخلاقي والسياسي، بين من ينظر إليه كمشروع للتحرر الإنساني وبين من يعده تهديداً للنظام الاجتماعي.

يذكرنا كتاب تاغييف أن الأناركية ليست مذهباً واحداً، وأن أصواتها متعددة، تتأرجح تارة بين النزعة الفردية الراديكالية والحلم الجماعي بمجتمع حر، وطوراً بين اللاعنف والتفجيرات الثورية، أي بين اليوتوبيا الثورية والحس الأخلاقي المتمرد. فيتحدث عن الأناركية الفردية والأناركية الاشتراكية والأناركية الشيوعية، وسائر تفرعاتها وتياراتها المتعددة.

الشغف بالحرية

ينطلق الكتاب من فكرة مفادها أن الأناركية هي نوع من "الهوس والشغف بالحرية" يصل حد "الجنون" أو "التعصب" بالمعنى الذي منحه أندريه بروتون لهذا المصطلح ضمن بيانه الأول للسوريالية (1924). فالأناركية هي أولاً إرادة حرة لا تقبل القيود، تتحدى كل سلطة، سواء كانت سياسية أو دينية أو ثقافية. لكنها خلال الوقت عينه، تصطدم بحدودها الذاتية وتوتراتها الداخلية، إذ كيف يمكن أن تبنى الحرية على نفي كل صورة من صور السلطة؟ وكيف يمكن أن تقوم جماعة بشرية بلا تنظيم أو قانون؟

 في هذا الكتاب، يتتبع تاغييف الجذور الفكرية لمفهوم طالما نظر إليه بعين الشيطنة، محللاً الصور النمطية والسلبية التي التصقت بمنظريه، مستعيداً تاريخه من بيار جوزيف برودون الذي صاغ في سياق الثورة الفرنسية عبارته الشهيرة "الملكية هي السرقة"، محولاً فكرة "سيادة الشعب" إلى حلم بالحكم الذاتي الكامل، أي "حكم الجميع بواسطة الجميع". ثم ينتقل إلى باكونين وكروبوتكين وكل الطوباويات التحررية التي ظهرت مطلع القرن الـ19، مروراً بالسورياليين، واليسار الجديد، والحركات المناهضة للعولمة، مقتفياً الأشكال الجديدة التي تتخذها الأناركية المعاصرة أو ما يعرف باللاسلطويين الجدد الذين يجابهون خلال القرن الـ21 كل نسق سلطوي أو مؤسساتي. ويضيء على الروابط المعقدة التي تربط الأناركية بالطليعيات الفنية والأدبية والفكرية، مُعرجاً على الأدب والموسيقى والسينما، معتبراً أن الحس الجمالي كان دوماً حليفاً للفكر الأناركي المنبثق من روح الإبداع الحر والرافض لكل أنواع القيود.

يناقش تاغييف كذلك العلاقة الدقيقة بين الليبرالية والأناركية، وهما تياران يتقاسمان الإيمان بالحرية، لكنهما يفترقان في الغاية والوسيلة. فالليبرالية تسعى إلى تقييد السلطة، أما الأناركية فتسعى إلى إلغائها. من هنا تنشأ المفارقة الجوهرية بين الليبرالي الساعي إلى الحد من سلطة الدولة، وبين الأناركي الحالم بعالم بلا دولة. يكتب تاغييف أن ما يعرف اليوم "بالتحررية" أو"الليبرتارلية "أو "الرأسمالية الأناركية" أو "اللاسلطوية الرأسمالية" التي يسميها بعض لا سلطوية السوق الحرة، تشكل تقاطعاً جديداً بين الحرية الاقتصادية القصوى والفردانية المتطرفة، مما يجعل الأناركية أحياناً شريكاً غير متوقع لليمين الرأسمالي.

الثقافة اليمينية

ومن القضايا المثيرة التي يعالجها الكتاب بإسهاب مسألة "الأناركية اليمينية"، وهي تسمية أثارت جدلاً واسعاً في الفكر السياسي الفرنسي منذ منتصف القرن الـ20. فيوضح لنا أن الحديث عن "أناركية يمينية" هو في حد ذاته تناقض لغوي وفلسفي، كاشفاً عن ظاهرة حقيقية في الثقافة الفرنسية، قوامها إعلان بعض الكتاب والفنانين، الذين لا يؤمنون باليسار التقدمي ولا بالثورات الجماعية، تمردهم الفردي باسم الذوق أو الحرية الشخصية أو احتقار المجتمع الحديث.

يستعرض بيار أندريه تاغييف كذلك أسماء أدباء فرنسيين كبار مثل لويس فردينان سيلين وروجيه نيميه وجان أنويه ومارسيل إيميه، وموسيقيين كجورج براسنس وجاك دوترون، وسواهم ممن وُصفوا بـ"أناركيي اليمين" الذين يجمعهم رفض المؤسسات والسخرية من الأيديولوجيات، والنزعة إلى الاحتجاج الفردي أكثر من الثورة الجماعية، مؤكداً أنهم لا يملكون "عقيدة"، بل "أسلوب حياة" يتمثل بازدراء النفاق الاجتماعي والرفض المبدئي لكل سلطة أخلاقية أو فكرية.

يخص تاغييف الروائي لويس فردينان سيلين بتحليل دقيق، لأن سيلين كثيراً ما قدم نفسه كأناركي "حتى العظم"، لكنه خلال الوقت عينه انخرط في خطاب عنصري مؤيد للنازية، داعياً إلى قيام "ديكتاتور أبوي" يفرض النظام باسم العرق. يرى تاغييف في سيلين مثالاً ملتبساً، إن دلَّ على شيء فعلى أن "الأناركية اليمينية" ليست فلسفة متماسكة بل هي عبارة عن مزاج متقلب بين الحنين إلى النظام والرفض للحداثة. إنها على ما يقول أناركية بلا مشروع تحرري، نوع من التمرد الاستيتيقي أو النزق الوجودي.

يخلص المؤلف إلى القول إن "الأناركية اليمينية" ليست ظاهرة سياسية، ولا تشكل تياراً فكرياً منظماً أو حركة اجتماعية، بقدر ما هي ظاهرة ثقافية. إنها أسلوب تفكير وسلوك فردي يقوم على رفض القيم السائدة واحتقار المساواة والديمقراطية دون السعي إلى إلغاء الدولة، بل إلى النأي بالنفس عن المجتمع. فلا يثور أتباعها باسم "الخير العام"، بل باسم "الحرية الشخصية" و"الذوق الرفيع"، مفضلين الجمال على العدالة والتميز على المساواة، والتهكم على الإصلاح.

نزعة أرستقراطية

بهذا المعنى، يرى الكاتب أن الأناركية اليمينية تعبر عن نزعة أرستقراطية مضادة للحداثة، يتحول فيها الاحتجاج إلى فن للعيش، لا إلى مشروع تغييري. يكتب تاغييف قائلاً: "إن الأناركي اليميني لا يبشر بعالم جديد، بل يحتقر العالم القائم دون أن يقترح بديلاً عنه". لعل هذا النوع من الأناركية ينتمي في رأيه إلى الحاضر والماضي أكثر مما ينتمي إلى المستقبل.

ومن أبرز ما يميز تحليل تاغييف هو كشفه عن البعد الجمالي في الأناركية. فـ"الأناركي اليميني" لا يبحث عن الحقيقة أو العدالة، بل عن الجمال والحرية الداخلية. إنه يفضل الفن على السياسة والذوق على الأخلاق، واللحظة الحاضرة على المستقبل. في حين أن "الأناركي اليساري" يحمل مشروعاً أخلاقياً يريد من خلاله "تغيير العالم" و"تحرير الإنسان". وهنا تتبدى المفارقة: فبينما يظل اليسار الأناركي مسكوناً بالأمل، يعيش الأناركي اليميني في زمن السخرية واليأس الجميل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يشدد تاغييف على أن الأناركية، على رغم تناقضاتها، تبقى قوة نقدية حية في مواجهة السلطوية والتكنوقراطية الحديثة. فهي تذكرنا دائماً بأن الحرية لا يمكن أن تختزل في القوانين والمؤسسات، وأن الإنسان كائن يطلب ما يتجاوز ذاته. لهذا السبب، لا يرى تاغييف فيها مجرد "انحراف" أو "يوتوبيا ساذجة"، بل تجسيداً دائماً للضمير النقدي في الفكر الغربي.

خلال زمن تتصاعد فيه النزعات الأمنية والرقابة الشاملة، يقدم كتاب "الأناركية أو التعصب للحرية"، نداءً إلى استعادة المعنى الإنساني للحرية، لا باعتبارها امتيازاً فردياً، بل شرطاً وجودياً للكرامة والعقل. "التعصب للحرية" الذي يتحدث عنه تاغييف ليس انحرافاً، بل علامة على حيوية الروح البشرية حين ترفض الخضوع لما هو مفروض.

ختاماً، إن كتاب بيار أندريه تاغييف موسوعة فكرية عن الأناركية، يكشف تعدد وجوهها وتناقضاتها. فهو لا يدينها ولا يمجدها، بل يسعى إلى فهمها كظاهرة فكرية وجمالية تعبر عن توتر دائم بين الرغبة في التحرر والخوف من الفوضى. من خلال تتبعه لأشكالها المتعددة، من اليسار إلى اليمين، ومن الثورة إلى الفردانية، يبرهن أن الأناركية ليست فكرة من الماضي. إنها تفكر متجدد عن حدود الحرية نفسها، تعكس مأزق الإنسان الحديث وتطرح السؤال حول كيفية عيشه حراً دون أن يهدم العالم.

في مواجهة النزعات السلطوية والأمنية، يعيد هذا الكتاب المثير للانتباه إلى المطلب التحرري حدته الأصلية. إنه يقدم تأملاً عميقاً وراهناً في رفض الامتثال والاستعباد، وفي التوق اللامتناهي إلى الاستقلال والتحرر.

بيار أندريه تاغييف فيلسوف وعالم سياسة ومؤرخ للأفكار من مواليد باريس عام 1946. شغل قبل تقاعده منصب مدير أبحاث في المركز الوطني الفرنسي للأبحاث العلمية. درس في جامعة باريس السابعة، ومدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية، وجامعة بروكسل الحرة، والكلية الدولية للفلسفة، ومعهد الدراسات السياسية في باريس، وله عدد من المؤلفات.

اقرأ المزيد

المزيد من كتب