ملخص
يقدم إرنست رينان (1823 – 1892) في كتابه "تاريخ بني إسرائيل"، رؤية نقدية تميز بين الحقيقة والخرافة، في ما يخص تشكل الهوية العبرانية من زمن الارتحال البدوي الذي سبق الاستقرار في بلاد كنعان، ثم في مصر القديمة، وصولاً إلى ما يعتبره "التكوين النهائي لليهودية"، الذي حققته الترجمة السبعينية اليونانية للكتب المقدسة العبرية.
صدرت الترجمة الفرنسية للمجلد الأول من كتاب "تاريح بني إسرائيل" للمؤرخ والباحث الفرنسي إرنست رينان عام 1880، وأصدر المركز القومي للترجمة أخيراً ترجمته العربية التي قامت بها داليا محمد الطوخي ورباب حمدي قنديل. اشتملت الترجمة على مقدمة تفند ما أظهره المؤلف من آراء غير موضوعية، ومنها مثلاً قوله إن "الإسلام قتل الفلسفة الوضعية التي كانت تطمح إلى الظهور لدى بعض الشعوب عندما أخضعها له". كما تفند المقدمة نفسها تشكيك رينان في المعجزات التي رافقت بني إسرائيل خلال فترة التيه في سيناء والتي ورد ذكرها في القرآن.
لكنهما حرصتا على "نقل النص الفرنسي إلى القارئ العربي، بأمانة كاملة، من دون أي تعديل أو حذف، أو تغيير، ولكن حرصاً على مشاعر القارئ الذي اعتاد تبجيل الأنبياء، أضفنا فقط لقب النبي بين قوسين، بجانب أسماء الأنبياء المذكورة في الكتاب". ومعروف أن هناك محاضرة لرينان حول "الإسلام والعلم"، أثارت حين نشرها ردود فعل ما زالت أصداؤها قائمة حتى اليوم. ومنها المناظرة الشهيرة التي دارت بينه وبين جمال الدين الأفغاني.
من الوثنية إلى التوحيد
يضم المجلد قسمين أو كتابين، بحسب وصف المؤلف، الأول يستعرض تاريخ بني إسرائيل، وطقوس ديانة "يهوه"، وكيف أنها كانت النبتة الأولى للدعوة للتوحيد، بعد أطوار من الحياة الوثنية، وأوجه التشابه في الديانة بين العِرق السامي والعِرق الآري. ويشرح كيف تكونت أسباط بني إسرائيل، وكيف كان نمط حياتهم في مصر، وكيف أثَّر بنو إسرائيل وتأثروا بالحضارة المصرية! في استعراضه لخصائص الديانة اليهودية، حرص رينان على الوصف الشامل والدقيق لكل منها، قبل أن يختتم بمرحلة الخروج من مصر وأسبابها.
وفي الكتاب الثاني يتناول المؤلف رحلة عبور نهر الأردن، مقدماً وصفاً تفصيلياً لها وما أحاط بها من مظاهر جغرافية وما تلاها من غزوات متلاحقة قادها يشوع بن نون، أسفرت عن احتلال مدن عدة مجاورة لأريحا. ثم انتقل لعصر القضاة، "حيث كان القاضي أو الشوفيط sofet ، "يشبه تماماً الدكتاتور الروماني ويعتبره الناس نبياً يتلقى الوحي من السماء". في هذا العهد، يقول رينان، سادت الفوضى الدينية، وسيطرت الخرافات على المجتمع العبراني ومعها فوضى أمنية، "إذ كان يتعرض لغزوات من كافة الأرجاء، تصيب السكان بالرعب وتقضي على المحاصيل والماشية، حتى ظهر داود وأسس أول مملكة موحدة لجميع أسباط بني إسرائيل".
ولاحظت المترجمتان غزارة هوامش الكتاب التي تهدف من جهة إلى تحقيق رغبة المؤلف في استعراض المصادر الضخمة التي استقى منها معلوماته، وأهمها "العهد القديم" بجميع أسفاره، لاسيما "سفر التكوين" و"سفر القضاة"، فضلاً عن الكثير من مؤلفات علماء الآثار والحفريات الألمان والفرنسيين واليونانيين، والعديد من الدوريات التي تتعلق بالنقوش السامية والفينيقية وغيرها. ومن جهة أخرى، استهدف المؤلف من خلال هذه الهوامش، عرض رأيه النقدي في ما تحويه المصادر التاريخية القديمة من خرافات وأساطير.
حقائق مستنتجة
افتتح رينان هذا المجلد بتمهيد أشار فيه إلى أنه على الرغم من الجهود التي بذلها للحفاظ على متعة الإعجاب بالنقد، فإنه يعلم أن ما تضمنه هذا المجلد "سيغضب الإسرائيليين المتعالين الذين يريدون إما كل شيء أو لا شيء، ولا يسعدون إلا بالدفاع عن شخصية إسرائيل ودوره طوال الوقت". وأوضح في هذا الصدد قناعته بأن "الفكر اليهودي اكتسب قوته من سماته البغيضة، من تعصبه ومن اتجاهاته الإقصائية".
ويرى رينان في هذا الصدد أن المعلومات التاريخية العامة التي نستقيها من النصوص القديمة؛ "تعد حقائق مستنتجة، ولهذا السبب فهي ليست مؤكدة". ومن ثم فإن الأمر لا يتعلق هنا بمعرفة كيف حدثت الوقائع، "ولكن الأهم هو تخيل الطرق التي ربما مرت بها الأحداث، فما لم يكن حقيقياً بالنسبة إلى بعضها، قد يكون صحيحاً للبعض الأخر".
ويضيف: "أعترف أن الحكم على الأشخاص، في مثل هذه الظروف، يشوبه الخطأ في كثير من الأحيان، إلا أن ذلك لا يعد مشكلة خاصة بأساطير العصور القديمة، فالحكم على الأشخاص، بعيداً عن الحالات الاستثنائية، ليس ممكناً إلا في الأزمنة التاريخية الموثقة جيداً أو القريبة جداً من عصرنا الحالي".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وذكر في السياق ذاته أن أقدم الوثائق عن موسى ظهرت بعده بأربعمائة أو خمسمائة عام، وربما أكثر، ومن ثم "فإننا في حاجة إلى جهود مضنية من النقد وعلم اللغة للوصول إلى الحقيقة، في النصوص القديمة، التي تبدو عناصرها متداخلة لتضليلنا". ويضيف أن الروايات الملحمية، الصادقة بطريقتها، واللمسات الثيوقراطية، والتعديلات الكهنوتية، جميعها يتداخل في بعض الأحيان، وفي الفقرة ذاتها، "ويتعين علينا لتمييزها، لنظرة ذات خبرة متفحصة". ومعروف أن "تاريخ بني إسرائيل" واجه عند صدوره ردود فعل غاضبة من الكنيسة الكاثوليكية، على غرار ما حدث عند صدور كتاب رينان "حياة يسوع" عام 1866 الذي أعادت "دار كالمان ليفي" إصداره عام 2023 بمناسبة مئوية ولادة رينان الثانية، وهو واحد من أكثر الكتب رواجاً في القرن الـ19.
الآشوريات والمصريات
وكشف رينان عن أن الجزء الخاص بالتاريخ العبري في هذا المجلد، يستقي الكثير من أفكاره من علم الآشوريات وعلم المصريات، "أعظم ما نشأ من علوم في القرن الـ19". فالنسبة إلى علم الآشوريات وعلاقته بالتوراة، كان كتاب شريدر أكثر الكتب المفيدة في هذا المجال؛ "لأنه يقدم رؤية كاملة عن هذا العلم". أما في ما يتعلق بعلم المصريات، "فقد كان الكتاب المرشد هو كتاب ماسبيرو الذي تفضَّل وقرأ كل فصول هذا العمل التي تتحدث عن مصر، وقدم لي ملاحظات ثمينة استفدت منها ونفذتها بعناية".
القسم / الكتاب الأول، جاء تحت عنوان "بنو إسرائيل من الترحال إلى طور الاستقرار في بلاد كنعان"، ويضم 15 فصلاً: وصول الساميين إلى سوريا، البدو الساميون، الدعوة الدينية للقبائل السامية، التوحيد وغياب الأسطورة، تأثير الحضارة البابلية، اسم يهوه، عبرانيون أم أبناء ترشيش، بنو يعقوب أو بنو إسرائيل، ديانة بني إسرائيل، بنو إسرائيل في مصر، تأثير مصر على بني إسرائيل، الخروج، بنو إسرائيل في صحراء فاران، سيناء، والطريق إلى كنعان. وحمل القسم / الكتاب الثاني عنوان "بنو إسرائيل في طور الاستقرار: منذ احتلال كنعان حتى الاستقرار النهائي لمملكة داوود"، واشتمل على 18 غصلاً: بنو إسرائيل فيما وراء البحر الميت ونهر الأردن، غزو أسفل نهر الأردن، يهوذا وبنيامين، غزو جبل إفرايم والجبل الشمالي، التطور المادي للعقيدة اليهودية، سترة قضاء يهوه، عصر القضاة، دبورة، الممالك الأولى: جدعون وأبيمالك، الأساطير الجلعانية – يفتاح، سبط بني دان – أسطورة شمشون، الصراعات الداخلية بين القبائل، تطور التنظيم الديني والسياسي – صموئيل، نشأة الملكية، شاؤل الملك، بدايات عهد داوود – موت شاؤل، إشبعل خليفة شاؤل- جاوود ملك خبرون، وداوود ملك أورشليم.