Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

باريس... "جرارات الغضب" في مواجهة اتفاقية التجارة الحرة

عبر المزارعون أنفسهم بوضوح عن تصميمهم على الاستمرار في الضغط حتى تحقيق مطالبهم

أكد خالد التركاوي أن جذور الأزمة لا تعود إلى عام 2025 أو مطلع 2026 كما قد يعتقد، "بل تمتد إلى أواخر خريف عام 2023 (غيتي)

ملخص

في بلد طالما اعتبرت فيه الزراعة ركيزة سيادية، تكشف احتجاجات الجرارات في باريس عن أزمة بنيوية عميقة تضرب الزراعة الفرنسية، إذ يتقاطع الاقتصادي بالسياسي، والوطني بالأوروبي. وبين قرارات المنع وتصاعد الغضب في الأرياف تبدو الحكومة أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع التوفيق بين التزاماتها الأوروبية وحماية مزارعيه، أم إن اتفاقية "ميركوسور" ستكون الشرارة التي تعيد رسم علاقة الدولة بأريافها، وربما تعيد الجرارات مجدداً إلى قلب العاصمة؟

مع بزوغ فجر الخميس التاسع من يناير (كانون الثاني) الجاري، لم تستيقظ باريس على وقع حركة المرور المعتادة، بل على مشهد جرارات زراعية اخترقت الطوق الأمني وشقت طريقها إلى قلب العاصمة الفرنسية. تحولت الشوارع الرمزية للجمهورية الفرنسية إلى ساحات احتجاج، حيث نجح المزارعون الغاضبون في إيصال رسالتهم بالقوة الرمزية للجرارات، متحدين قرارات المنع ومعلنين بداية موجة جديدة من الغضب الزراعي.

من جهتها، تبرر السلطات قرارات المنع بالحفاظ على النظام العام، لكنها واجهت حركة احتجاجية يصعب احتواؤها، ويرى مراقبون أن تجاهل مطالب المزارعين قد يؤدي إلى تصعيد أكبر، بخاصة مع اقتراب مناقشات حاسمة حول السياسة الزراعية المشتركة للاتحاد الأوروبي.

 

في السياق، عبر المزارعون أنفسهم بوضوح عن تصميمهم على الاستمرار في الضغط حتى تحقيق مطالبهم. وقال بيير سولانا، مزارع يبلغ من العمر 37 سنة من إقليم جير، جنوب غربي فرنسا، متحدثاً من أحد مواكب الاحتجاج غرب مدينة تولوز، "إنها حرب استنزاف. نحن عازمون على فعل كل ما يلزم للحصول على إجابات وإسماع صوتنا".

استمرار الصمت لن يوقف المزارعين

في الإطار نفسه، شدد ليونيل كانديلون رئيس غرفة الزراعة في إقليم جير وعضو القيادة الوطنية للتنسيق الريفي، على أن استمرار الصمت لن يوقف المزارعين "ما لم نتلق رداً واضحاً، سيواصل المزارعون الضغط على باريس وبروكسل".

من ناحيته، اعتبر فرنسوا روفان النائب السابق عن حزب "فرنسا الأبية" أن الزيادة الموعودة في موازنة السياسة الزراعية المشتركة، والبالغة 45 مليار يورو (نحو 49.05 مليار دولار أميركي)، لا ينبغي أن تخفف من وطأة اتفاقية "ميركوسور" على المزارعين، محذراً من تداعياتها طويلة الأمد على القطاع.

 

من جهتها، أكدت وزيرة الزراعة الفرنسية آني جينفارد، مطلع الأسبوع الجاري، وتحديداً الأربعاء الماضي، معارضة فرنسا اتفاقية "ميركوسور"، معتبرة أنها تشكل تهديداً مباشراً لعدد من القطاعات الزراعية الحساسة، من بينها إنتاج لحوم الأبقار والدواجن.

وتعكس تصريحات المسؤولين السياسيين أيضاً، بدءاً من فرنسوا روفان وصولاً إلى وزيرة الزراعة، جدية الأزمة وتعقيدها، خصوصاً مع استمرار مشاورات الاتحاد الأوروبي في شأن اتفاقية التجارة الحرة مع دول "ميركوسور"، مما يزيد من التوتر ويجعل الساحة الفرنسية على موعد مع تحديات جديدة.

في المقابل، جدد الاتحاد الأوروبي، هذا الأسبوع، مشاوراته الداخلية في شأن مشروع اتفاقية التجارة الحرة مع خمس دول من أميركا الجنوبية، وسط تكهنات بإمكان توقيع الاتفاقية خلال قمة مرتقبة في باراغواي في 12 يناير (كانون الثاني) الجاري. وأشارت مصادر أوروبية إلى أن الدول المؤيدة للاتفاقية، وعلى رأسها ألمانيا، قد تسعى إلى تجاوز اعتراضات كل من فرنسا وبولندا.

يذكر أن المعارضة الفرنسية الشديدة كانت أدت إلى عرقلة التوصل إلى اتفاق نهائي خلال الشهر الماضي، مما يعكس عمق الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي بشأن مستقبل الاتفاقية وتداعياتها على القطاع الزراعي.

 

اتفاقية مرفوضة

تتمحور مطالب المحتجين حول قضايا يعدونها وجودية لمستقبل الزراعة الفرنسية، وفي مقدمها الرفض القاطع لاتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي و"ميركوسور" في أميركا اللاتينية.

وتهدف هذه الاتفاقية إلى إلغاء الرسوم الجمركية على غالبية المنتجات الزراعية والصناعية بين الطرفين، وتسهيل حركة الصادرات والواردات بين أوروبا وأميركا اللاتينية، فضلاً عن تشجيع الاستثمارات المتبادلة بين الشركات الأوروبية واللاتينية، وتعزيز التعاون الاقتصادي والسياسي بين الاتحاد الأوروبي ودول "ميركوسور".

 

وعلى رغم الأهمية الاقتصادية للاتفاقية، فقد أثارت اعتراضات شديدة في أوساط المزارعين الفرنسيين، الذين يرون فيها تجاوزاً صريحاً من قبل المفوضية الأوروبية. وأكد هؤلاء أن الاتفاقية ستؤدي إلى إغراق السوق الفرنسية بمنتجات زراعية منخفضة الكلفة لا تخضع للمعايير البيئية والصحية الصارمة المفروضة على الإنتاج المحلي، مما يهدد قدرتهم على المنافسة واستمرارية نشاطهم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الأسباب متعددة، منها ما هو صحي ومنها ما هو اقتصادي. فمنذ بداية ديسمبر (كانون الأول)، سجل ارتفاع في معدلات الإصابة بمرض التهاب الجلد العقدي المعدي الذي يصيب الأبقار، إلى جانب مشكلات تتعلق بضعف الدورة الدموية. وشهدت أسعار الحبوب ارتفاعاً ملحوظاً، مما أسهم في تفاقم الأزمة. يضاف إلى ذلك التهديد الناجم عن تزايد المنافسة القادمة من دول أميركا اللاتينية ضمن تكتل "ميركوسور"، فضلاً عن المفاوضات الشاقة المتعلقة بالسياسة الزراعية المشتركة للاتحاد الأوروبي "باك"، مما ينعكس بصورة مباشرة على أوضاع المزارعين.

وقد دفع هذا الوضع المزارعين إلى الاحتجاج والمطالبة بتحسين مستوى الدخل وضمان هوامش ربح عادلة، واتخاذ إجراءات فورية لمواجهة انخفاض الأسعار، إلى جانب تقليص الضرائب البيئية التي أثقلت كاهل صغار المزارعين، والحصول على تعويضات مباشرة للتخفيف من آثار ارتفاع كلف الإنتاج.

قراءة في الأسباب

في هذا الوقت، أكد المحلل والباحث في العلوم الاقتصادية خالد التركاوي أن جذور الأزمة لا تعود إلى عام 2025 أو مطلع 2026 كما قد يعتقد، "بل تمتد إلى أواخر خريف عام 2023، ففي تلك الفترة شهدت فرنسا موجة واسعة من الاحتجاجات، عبر خلالها المزارعون عن غضبهم احتجاجاً على السياسات الزراعية المتبعة آنذاك"، وشرح التركاوي أن هذه الاحتجاجات لم تكن حدثاً مفاجئاً، "بل جاءت نتيجة تراكم عوامل عدة، أبرزها ارتفاع كلف الإنتاج واضطراب العملية الإنتاجية، إلى جانب الضغوط الإدارية الكبيرة التي أثقلت كاهل المزارعين، فضلاً عن الزيادات المستمرة في النفقات"، وأضاف أنه بعد بضعة أشهر فحسب، "فرضت زيادة جديدة على الضريبة الخاصة بالمازوت الزراعي، مما انعكس مباشرة على المزارعين وزاد من أعبائهم المالية، وعلى رغم محاولات الحكومة التي اعتادت، في السابق، على الاستجابة لمطالب القطاع الزراعي، وتقديم حلول متفاوتة بين الشاملة والجزئية، فإن تلك الإجراءات لم تكن كافية لاحتواء الأزمة"، ولفت إلى أن الوضع ازداد تعقيداً مع ظهور أزمة صحية ناجمة عن مرض بيطري أصاب الأبقار بصورة رئيسة، وأدى إلى تراجع كبير في إنتاج الحليب، "ولم تتمكن الحكومة من توفير حل يعتمد على التطعيم في الوقت المناسب، فلجأت إلى خيار الذبح، مما تسبب في خسائر واسعة في قطاعي اللحوم والحليب، وحتى عندما اتجه لاحقاً نحو التطعيم، كانت الخسائر قد تفاقمت بالفعل".

وبحسب الباحث في العلوم الاقتصادية أيضاً، فإن المزارعين دفعوا ثمن هذه السياسات باهظاً، ولا يزالون يتحملون تبعاتها حتى اليوم، مما جعل هذا العامل أحد المحركات الأساسية لانفجار الاحتجاجات في فرنسا. وتابع على صعيد آخر، "أن نقاشات كانت تدور داخل البرلمان الأوروبي وبين صانعي السياسات بشأن احتمال إبرام اتفاقات مع دول من أميركا الجنوبية مثل البرازيل والأرجنتين وباراغواي، وهي دول تعرف بإنتاجها الضخم للحوم. وتعد البرازيل تحديداً من أبرز المصدرين بأسعار منخفضة وكميات كبيرة، مما يثير مخاوف داخل السوق الأوروبية المشتركة عند التفكير في فتحها أمام منتجات هذه الدول، لما قد يسببه ذلك من اختلالات في المنافسة"، وشدد على أن الإشكالات المرتبطة بالسياسة الزراعية المشتركة ليست حكراً على فرنسا وحدها، "بل هي إشكالات عامة تطاول مختلف الدول التي تعتمد هذه السياسة"، مستدركاً أن "العمل في إطار سياسة زراعية مشتركة يؤدي أحياناً إلى تعقيد الأمور بدل تبسيطها، لأن توحيد السياسات يفرض ضرورة مراعاة خصوصيات ومتطلبات كل دولة على حدة، من دولة إلى أخرى، وهو ما يجعل العملية أكثر تعقيداً، وأن هذا التعقيد هو بالضبط ما يشتكي منه المزارعون، خصوصاً المزارعين الصغار، فعندما يتعلق الأمر بمزارع بسيط، يتم تطبيق السياسة الزراعية المشتركة ضمن إطار إداري صارم، مما يصعب عليه الامتثال للإجراءات والتطبيقات الإدارية المطلوبة".

وأشار التركاوي إلى أن إدماج القضايا المناخية يزيد من حدة هذه الصعوبات، "إذ يطلب من المزارعين تقليص استخدام المبيدات الكيماوية والتوجه نحو اعتماد المواد الطبيعية، وهو ما يمثل تحدياً إضافياً لهم"، وخلص إلى أن "إشكالية السياسة الزراعية المشتركة ليست عميقة في جوهرها، لكنها تنبع أساساً من طريقة تطبيقها، ومن كونها تأتي في إطار وظروف إشكالية ومعقدة".

اختبار الدولة

في بلد طالما اعتبرت فيه الزراعة ركيزة سيادية، تكشف احتجاجات الجرارات في باريس عن أزمة بنيوية عميقة تضرب الزراعة الفرنسية، إذ يتقاطع الاقتصادي بالسياسي، والوطني بالأوروبي. وبين قرارات المنع وتصاعد الغضب في الأرياف، تبدو الحكومة أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع التوفيق بين التزاماتها الأوروبية وحماية مزارعيه؟ أم إن اتفاقية "ميركوسور" ستكون الشرارة التي تعيد رسم علاقة الدولة بأريافها، وربما تعيد الجرارات مجدداً إلى قلب العاصمة؟

اقرأ المزيد

المزيد من دوليات