ملخص
مساعي دونالد ترمب للسيطرة على غرينلاند تعكس سياسة ابتزاز وتوسع قسري تهدد وحدة حلف الناتو، وتعامل السياسة الخارجية كصفقة عقارية، مما قد يقود إلى إضعاف الحلفاء الأوروبيين وزعزعة النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة.
من بعض النواحي، ولا أقصد أن أكون سوداوياً أو خبيثاً، فإن أفضل نتيجة كان يمكن أن يؤول إليها الهجوم الأميركي على فنزويلا هو أن يفشل. لكن حجم القوات الأميركية الهائل والأسلوب الاحترافي الشديد الذي اتبعته في التحضير لاختطاف نيكولاس مادورو وزوجته قد غمر دونالد ترمب بنشوة الشعور بأنه لا يقهر.
وبعبارة أخرى، إنه أشبه بنمر مارق فتحت هذه العملية شهيته للغزو الإمبريالي الجديد كما لو كان لحماً نيئاً - إذ حصل على مكاسب هائلة على الصعيد الإقليمي والدفاعي والاقتصادي، دون مخاطرة تذكر. لا عجب إذاً في أن يقول بعض إن أميركا نفسها أصبحت أسوأ نسخة من نفسها: دولة مارقة تستخدم قوتها العسكرية التي لا نظير لها ليس كرادع ضد إمبراطورية شريرة، بل لتحقيق أهدافها الأنانية والمتهورة وغير القانونية.
وهذا ما يقودنا إلى غرينلاند. إنه إقليم شاسع لا يتجاوز عدد سكانه نحو 30 ألف بالغ، تتولى الدنمارك الدفاع عنه، وهي دولة لا تنتمي بأية حال إلى نادي القوى العظمى، فيما يبدو أن خط الدفاع الرئيس لا يعدو كونه رسالة مهذبة لكنها حازمة وقع عليها قادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا (والأخيرة معروفة خصوصاً بعدم رغبتها في الإنفاق على الدفاع). في هذا السياق، يتصور ترمب أنه قادر على تحقيق أكبر توسع لأراضي الولايات المتحدة منذ 250 عاماً، إضافة إلى الاستحواذ على جميع المعادن النادرة التي تسيطر عليها الصين حالياً، وعلى مورد استراتيجي تزداد قيمته مع تراجع الغطاء الجليدي وفتح طرق الملاحة البحرية في الشمال. فمن يدري ما الذي يقبع تحت كل هذا الجليد والثلج؟
يمكنك أن تفهم لماذا قد يميل ترمب إلى ذلك الخيار حتى لو أتى على حساب زيادة في تصدع حلف شمال الأطلسي (الناتو) أو حتى انهياره. فقد يعتقد أنه يستحق هذا الثمن، وبخاصة نظراً إلى أنه كثيراً ما اعتبر الحلف عبئاً على الأميركيين، واستغلالاً إضافياً من الأوروبيين لهم. فهو لا يجد سبباً يدعو أميركا إلى الدخول في حرب مع روسيا من أجل إنقاذ إستونيا مثلاً، ويعتقد أن الولايات المتحدة لا تحتاج سوى إلى نفسها للدفاع عن أراضيها. وفي حساباته، هذه خسارة صغيرة.
ولا يملك الأوروبيون في المقابل سوى خيارات قليلة يمكنهم استخدامها للرد على ذلك. فالحرب التجارية ستلحق بهم ضرراً لا يقل عن الضرر الذي ستلحقه بالأميركيين. وصحيح أنه يمكنهم بيع السندات الأميركية لزعزعة استقرار الدولار، لكن ذلك قد يؤدي إلى أزمة مالية عالمية أخرى، وهو خطر قد يطاول اليابان والصين أيضاً. أو يمكنهم مقاطعة الأسلحة الأميركية، لكنهم لا يملكون أية بدائل أوروبية يمكن استخدامها عملياً. ولا يعد أي من هذه الخيارات مغرياً.
لا ينبغي أن ننسى أبداً أن ترمب في الأصل رجل عقارات. بالنسبة إليه، تبدو غرينلاند مجرد قطعة أرض شاسعة خالية تنتظر أن تُطور لتصبح مشروعاً كبيراً وجميلاً لترمب، إذ يحقق الجميع أرباحاً طائلة - تماماً مثل "صفقاته" المفترضة الأخرى في فنزويلا وأوكرانيا، أو خطة ماراغزة (غزة) الملغاة لإنشاء ريفييرا فلسطينية، والتي كانت أميركا ستسيطر عليها أيضاً. ويمكن ملاحظة نمط واضح هنا: سياسة خارجية تُدار لأغراض تجارية، ذات طابع بلطجة واضح.
فكيف سيحقق مبتغاه؟ بالطريقة نفسها التي قد يستولي بها رجل عصابات على موقع قيم من بائع لا يرغب في بيعه. إنه يسمع الدنمارك الصغيرة تترجى قائلة "غرينلاند ليست للبيع". لكن ترمب لا يقبل بالرفض. هذا لا يعني أنه سيرسل جنوده - أو في الأقل ليس في البداية. لقد قدم عرضاً لشراء غرينلاند، تماماً كما اشترت أميركا ألاسكا، أو مثل صفقة شراء لويزيانا خلال القرن الـ19. أو، في الواقع، كما حدث خلال عام 1917 عندما أقنعت واشنطن الدنمارك، مرة أخرى لأسباب تتعلق بالأمن القومي - الخوف من احتلال ألماني - ببيع جزر الهند الغربية الدنماركية، التي تعرف الآن باسم جزر فيرجن الأميركية، واشتهرت أخيراً بفضل إبستين. لكل شخص ثمنه، أليس كذلك؟
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
قد يكون حديث البيت الأبيض عن عدم استبعاد استخدام القوة العسكرية مجرد وسيلة لإقناع الدنماركيين وحلفائهم الأوروبيين بالتوصل إلى صورة من صور ترتيبات "الارتباط الحر" لغرينلاند بالولايات المتحدة، تزامناً مع تحريض الحركة الانفصالية المحلية عبر وعود الحصول على الجنسية الأميركية التي لا تُقدر بثمن على ما يبدو والثروة. كل هذا يذكرنا بأساليب الابتزاز التي تمارسها المافيا. وتكمن الحيلة في إقناع الأوروبيين بأن حلف الناتو نفسه سينتهي إذا ما استخدمت الولايات المتحدة القوة لتحقيق مرادها في غرينلاند، بالتالي الضغط عليهم من أجل إبرام تسوية سلمية لتجنب مثل هذه الكارثة. ومن بين الاحتمالات الأخرى إبرام اتفاقات إعادة تأجير تحمي السيادة اسمياً، كما حصل في الاتفاق الأخير بين المملكة المتحدة وموريشيوس في شأن جزر تشاغوس. والمجال مفتوح أمام الحلول المبتكرة.
لكن ترمب سيواصل ببساطة الضغط على المستأجرين المزعجين لمغادرة العقار في غرينلاند حتى يحصل على مراده. ومن الممكن استخدام العقوبات والرسوم الجمركية والتهديدات بسحب القواعد الأميركية من أوروبا، والانحياز بصورة أكثر صراحة إلى روسيا ضد أوكرانيا، وتقديم الضمانات البيئية الزائفة، كل ذلك لإجبار الدنماركيين والغرينلانديين والأوروبيين الآخرين على التنازل عن الجزيرة. وإذا فشلت كل هذه المحاولات - ونظراً إلى أنه شخص متهور - فقد يطلب من رؤساء أركانه وضع خطة أخرى يفترض أنها رائعة للقيام بانقلاب غير دموي.
كانت أميركا تميل دائماً إلى التغاضي عن الأعراف والاتفاقات الدولية عندما يتناسب ذلك مع مصالحها. لم تشهد الولايات المتحدة أبداً عصراً ليبرالياً ذهبياً وضعت فيه القانون الدولي وحقوق الإنسان في مقدمة سياستها الخارجية - ليس خلال حروب فيتنام وأفغانستان والعراق، وليس بالتأكيد وسط المؤامرات العديدة التي وضعتها للإطاحة بقادة منتخبين ديمقراطياً ولكن غير مناسبين لمصلحتها أو اغتيالهم في أميركا الجنوبية والوسطى وأفريقيا وآسيا. ولخص الرئيس الأميركي السابق ليندون جونسون الموقف تجاه الديكتاتوريين من أمثال مادورو أو صدام أو القذافي بقوله "قد يكون هذا الرجل حقيراً، لكنه حقيرنا نحن"، إلا إذا أصبحوا، مثل صدام أو نورييغا، غير ذلك.
ويمثل ترمب تجسيداً أكبر وأكثر شراسة وخطورة لنفس النزعة الاستثنائية الأميركية، وهو الآن يتجاوز الحدود في إظهارها. تتخلى أميركا عن عدد من الأصدقاء والحلفاء القدامى لدرجة أنها قد تستيقظ يوماً ما في عالم يواجه تحالفاً صينياً-روسياً، بينما يقف الأوروبيون والهنود على الحياد تجاه مصالح أميركا في أحسن الأحوال. على رغم أن الولايات المتحدة لا تزال قوة عظمى، فإنها لا تزال قادرة على تجاوز حدود قوتها - كما فعلت مراراً وتكراراً في حروبها التي لا تنتهي. وبتصرفها هذا، تخاطر بفقدان المكانة المهيمنة التي تمتعت بها لأكثر من قرن.
بحلول ذلك الوقت، سيكون دونالد ترمب رحل بصورة أو بأخرى. لكنه قد يبقى في الذاكرة باعتباره الرجل الذي استولى على تلك الجزيرة الكبيرة والجميلة في القطب الشمالي - والتي أعيدت تسميتها بطبيعة الحال "ترمبلاند".
© The Independent