Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف تكون الفلسفة عزاءً في زمن الإبادة؟

ازاء ما يجري في غزة يقف الفيلسوف عاجزا على الأقل في لحظة وقوع الحدث الوحشي

جدارية في غزة (أ ف ب)

ملخص

منذ أن خطّ الفيلسوف الروماني بوثيوس كتابه "عزاء الفلسفة" أو "العزاء" عام 523، والفلاسفة والشعراء والفنانون يدورون في فلك الأفكار التي طرحها الكتاب، الذي يُنظر إليه بوصفه "آخر عمل غربي عظيم في العصر الكلاسيكي". وقد أبدى مؤرخون عجبهم من استئثار هذا الكتاب باهتمام النخبة الأوروبية عبر قرون عدة.

جسد الفيلسوف بوثيوس العزاء على هيئة امرأة جميلة سميت "سيدة الفلسفة"، مثلت مصدراً للصبر والحكمة للفيلسوف الذي ينتظر حكم الإعدام، بعد أن كان يشغل "قاضي القضاة"، بتهمة الخيانة المزعومة في عهد الملك ثيودوريك الكبير، ملك القوط الشرقيين.

كان الفيلسوف يعيش أحلك أوقاته، وكان اليأس يغشاه، فقد اُهدرت كرامته، وسامه السجن والإقامة الجبرية سوء العذاب، حتى انبثقت السيدة، وأنارت بحكمتها روحه المعتمة، فكانت مقارباتها للموت والحياة والحرية والعدالة والثروة، بمثابة "الطب الروحي" الذي بفضله تجرّع الموت برضا، أو على الأقل بتفهم وإدراك، وهو ما عبّر عنه مونتيني، أحد كبار مفكري عصر النهضة الأوروبية: "التفلسف هو تعلّم كيف نموت".

الحتمية الوجودية للكينونة

بيْد أنّ الموت الشخصي، على فظاعة فكرة الفناء بحد ذاتها، يبقى في إطار الحتمية الوجودية للكينونة البشرية، فهو في نظر فلاسفة "الحقيقة الوحيدة" في العالم، وعليه فإنّ الفلسفة تصلح كعزاء في هذه الحالة الفردية، أو في الحالات الفردية بشكل عام.

أما إذا تحوّل الموت إلى مرحلة التطهير العرقي والإفناء الممنهج، كما يجري في غزة وقطاعها، فإنّ الفلسفة تقف عاجزة، على الأقل في لحظة وقوع الحدث الوحشي الإجرامي أمام الجالسين في شرفة النظّارة. ولا يسعف هذا التعميم المقهور إلا بعض تظاهرات واحتجاجات هناك، كيلا نقول هنا، لأنّ الـ"هنا" خُتم على قلبه وسمعه وأبصاره!

لا مفر من الاتفاق مع "سيدة الفلسفة" بأنّ انتصار الباطل على الحق لا يعني أنّ الباطل على حق، تلك حكمة يواسي المرء بها نفسه، وهو يراقب انشطارات الأمكنة والأزمنة، وتفسخ القيم، وتوالي المجازر، وتجريب أعتى ترسانات الموت التي تفتقر لأي مبرر عقلاني، وتسفر عن مصائب إنسانية لا مطرح للأخلاق في منع تداعياتها وحصر آلامها، وربما تأتي الفلسفة بعد أن يفنى العباد، وتُسوّى بالأرض البلاد، فتحلل مباعث الشر الذي انفلت من عقاله، ومآلات القيم والعيش البشري والأخوّة الإنسانية، ومصائر التسامح، إلى آخر المصفوفة الأخلاقية التي أفنى الفلاسفة أعمارهم وهم يعلون بنيانها الشاهق الذي هدمته الأسلحة الذكية المصنوعة في بلاد تختال فيها نُصُب الحرية وتماثيلها.

حين يرفع الجنود كؤوسهم

"الحكمة ضالّة المؤمن"، قالها أناس ربما يكونون حكماء، لكنهم جانبوا الإنصاف في جعل الحكمة مقتصرة على المؤمن، وكأنّ غير المؤمن ليس جديراً بالحكمة، أو لا تصيبه خيراتها، ولا تهطل عليه أمطارها، فيبقى يابس الروح، شحيح الخيال، والأهم من ذلك يبدو طليقاً يقتل حيث يشاء ويمسح بلدة بسكانها ومستشفياتها ومساجدها وكنائسها ومدارسها برمشة عين، ثم تعود الطائرات إلى عنابرها، والجنود إلى رفع الكؤوس بصحة الحياة.

والحكمة لا علاقة مباشرة لها بالإيمان بالمعنى الديني، لكنها متصلة بإيمان من نوع خاص، يمدّ صاحبه بالعزم على المجابهة، ويسنده كلما أوشك على الترنّح والسقوط. وقد يسعف التاريخُ المرء المعتصم بالحكمة فيمدّه بوقائع تفيده في الصمود، لأنّ قوماً غابرين، مروا بأزمته وربما بأعنف منها، لكنّ تفوقوا على المأساة، وهزموا اليأس، فيسيل ماء هذه القرائن على نفس الكائن كأنه ماء بارد بعد قيظ طويل. هل يعني ذلك أن الفلسفة والحكمة ستنتصران أخيراً؟

حاجة الإنسان لإنتاج العزاء

لعل هذا الأثر الذي تحقن فيه الحكمة شرايين الإنسان، ما يفسّر حاجته إلى رافعة نفسية وروحية لإنتاج العزاء، والتمسك بجدار، ولو غير مرئي، من الصبر على البلوى، والتعويل على بصيص فجر ينبثق من وسط دخان الجثث المحترقة. لهذا يمتلىء الخطاب الشعبي بهذه العبارات التي تردُّ كل شيء إلى قوة كلية بيدها مقاليد الأمور.

وكلما زادت أهوال الناس وزاد قهرهم وانتشر بؤسهم، زاد اعتصامهم بالحكمة، ولو بمعناها الميتافيزيقي. إنهم من دونها عراة لا ستر يقيهم، ولا جدار يردّ عنهم زمهرير الأيام القاسية، وريح السموم.

وفي البلدان التي طغى فيها القادة وتجبّروا، ظل الناس يراهنون على أنّ للظالم يوماً سيلاقي فيه جزاء ما اقترفت يداه الآثمتان، لكنّ ظالمين كثراً وطغاة حطموا الأرقام القياسية في التوحش، ما زالوا طلقاء يعربدون ويقصفون المدنيين. فهل نهتف مع الشاعر الجواهري، كي نستأنس بعزاء الشعر: "باقٍ وأعمار الطغاة قِصارُ، من سِفر مجدك عاطر موّار"؟

حكمة الأمل

الحكمة كما ورد في الأسفار الأدبية، ربما تكون مدعاة إلى انتظار ما لا يأتي أو ما يتأخر، لكنّ ثمة حكمة تستفزّ وتشعل الحرائق وتتمرد على الطاعة، فتثمر أحياناً ثورات تغيّر وتحسّن أحوال البشر، كما كان الأمر في أوروبا التي خرجت من عتمة الجهل والظلام إلى عالم الأنوار والحضارة والمدنية. كانت ثمة حكمة مبهرة حركت الناس في ذلك الزمان، فأرشدتهم إلى سواء السبيل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حكمة الأمل هي التي أحيت نفوس البشر الغارقين في وحل الدم وحرائق المدن، بعد الحرب العالمية الثانية، فحرّضت أرواحهم على اشتقاق درب الصعود والتحدي، فكان لدينا نموذجان عملاقان أنتجا وما زالا الإنسان المعجزة، كما هو الحال في ألمانيا واليابان، اللتين ألهمتا من بعدهما دولاً سارت على الدرب نفسه، فأثمرت حضارة ورقّياً، ولنا هناك وهناك شواهد ماثلة على حيوية الأمل، وإمكان تجسيد حكمة البقاء، في عالم يحث على الإحباط باعتباره أسهل الخيارات.

ولعل الحكمة مرتبطة، أحياناً، بالثقافة، فترفع من شأن كلام فتمنحه أجنحة، أو تجعل الكلام في حيّز القول المحض الذي ينسيه قولٌ لاحق، وهكذا دواليك، وهو أمر "تمتاز" به الثقافة العربية التي يغلب عليها التواكل، وانتظار المعجزة من الغيب، وكأنّ مسؤولية الإنسان في هذه الثقافة أن يواصل الدعاء وهو مستلق لا يلوي على شيء، كأنّ السماء تمطر حلولاً.

لن نغرق في هجاء تلك الثقافة. حسب المرء في هذا الزمان المتقلّب أن يقبض على جمرة حكمة ما، حتى لو كوت كفه، فذلك خير من الاستسلام للعدم، وأكثر منفعة وجدوى من امتداح اليأس، باعتباره المسار الحصري الوحيد في عالم كل ما فيه يتداعى!

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة