ملخص
يواجه المستشار فريدريش ميرتس اختباراً استراتيجياً للموازنة بين طموحات ألمانيا كحامية لأوروبا وضغوط الركود الداخلي. فرغم الإنفاق الدفاعي التاريخي والتزام دعم أوكرانيا، يهدد تصاعد شعبية "حزب البديل" اليميني المتطرف استقرار الائتلاف الحاكم. إن استقرار الائتلاف الحاكم بات مرهوناً بالقدرة على تحويل الموازنات الضخمة إلى نمو ملموس وإصلاحات هيكلية، لتحصين الجبهة الداخلية ضد الضغوط القومية وحماية الدور القيادي الألماني من الانهيار المبكر.
قبل فوز فريدريش ميرتس بالانتخابات البرلمانية الألمانية في فبراير (شباط) من هذا العام، واجهت البلاد معضلة مالية: فالركود الاقتصادي الألماني كان يتطلب إصلاحات واستثمارات ضخمة لإنعاش الصناعة، في حين كانت الولايات المتحدة تطالب بزيادة الإنفاق على الدفاع الجماعي. وأدى الخلاف حول كيفية توزيع الموازنة لمعالجة هاتين الأولويتين المتعارضتين في آن واحد إلى انهيار حكومة المستشار أولاف شولتز. ومن أجل تجنب المصير نفسه، اتفق المشرعون في الائتلاف الكبير الذي ترأسه ميرتس، ويضم الاتحاد الديمقراطي المسيحي من يمين الوسط والحزب الديمقراطي الاشتراكي من يسار الوسط، إضافة إلى حزب الخضر، على الاقتراض لتمويل هذين الالتزامين معاً. وفجأة، أصبحت ألمانيا تتمتع بوفرة مالية.
بعد مرور سبعة أشهر، لا تزال حكومة ميرتس عاجزة عن رسم مسار للإصلاح الاقتصادي وإقناع الناخبين بأن الأيام المقبلة ستكون أفضل. وأكدت تحركات ميرتس الجريئة في الإنفاق الدفاعي دور ألمانيا القيادي في أوروبا، لكن على حساب شعبيته الداخلية. فاستنزافه لجزء كبير من رصيده السياسي في القمم الدولية للتعامل مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب والدفاع عن أوكرانيا جعله عرضة لاتهامات بأنه يركز بصورة مفرطة على السياسة الخارجية ويهمل القضايا الداخلية. ويستغل حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) اليميني المؤيد لروسيا القلق الاقتصادي لتحقيق مكاسب في استطلاعات الرأي، منتقداً حكومة ميرتس لتبديدها الثروة الألمانية في بناء "اقتصاد حربي". وعلى رغم أن جهود ميرتس في مجال الدفاع حظيت بإشادة من البيت الأبيض، فإن إدارة ترمب تعمل باستمرار على تقويض مكانته من خلال الضغط لجعل حزب البديل من أجل ألمانيا وأحزاب أوروبية "قومية" أخرى تبدو طبيعية ومقبولة في المشهد السياسي، بحسب ما ورد في استراتيجية الأمن القومي الصادرة حديثاً.
وحكومة ميرتس لا تملك وقتاً طويلاً لاحتواء تصاعد السخط الشعبي. فالتقاعس عن تنفيذ إصلاحات لإنعاش الاقتصاد الألماني وتحقيق النمو قد يعرض الدعم الشعبي لائتلاف ميرتس الوسطي للخطر. وإذا خسر الحزبان الديمقراطي المسيحي والاشتراكي الديمقراطي مزيداً من قاعدتهما الشعبية لمصلحة حزب البديل من أجل ألمانيا، فقد يفقدان أيضاً قدرتهما على تشكيل ائتلافات مستقبلية فاعلة. وإذا عجز الائتلاف الكبير عن اتباع مسار الإصلاح الاقتصادي والنمو، فقد يفضي ذلك إلى انهيار الحكومة قبل الأوان، ويقوض دور ألمانيا القيادي الذي طال انتظاره في أوروبا، مما يلحق ضرراً بمصالح الولايات المتحدة.
لقد تولت أنغيلا ميركل، الزعيمة السابقة لألمانيا والمنافسة الرئيسة لميرتس، منصب المستشارة عام 2005 بعدما همشت ميرتس ومرشحين آخرين. ثم تمكنت من البقاء في السلطة لمدة 16 عاماً من خلال تجنبها الإصلاحات التي قد تحدث اضطراباً. ولكن هذا ليس أسلوباً يمكن لميرتس اتباعه وتحمل تبعاته.
قرارات مالية
تولى ميرتس منصبه وهو يحمل تفويضاً سياسياً لتعزيز القدرات الدفاعية الألمانية وتحسين اقتصاد البلاد. ولتجنب الجدل الدائر حول الإنفاق العسكري والالتزامات الاجتماعية الذي يؤرق حكومات أوروبية عدة، خالف ميرتس توجه حزبه التقليدي نحو الانضباط المالي، وضغط على البرلمان لتخفيف القيود الصارمة المفروضة على الاقتراض الحكومي. وتنص هذه القيود التي فرضت عام 2009، على الحد من سقف الإنفاق في حالة عجز الموازنة عند 0.35 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وبعد وقت قصير من الانتخابات الفيدرالية هذا العام، عدل البرلمان الألماني هذه القيود بما يسمح بإنفاق غير محدود لتمويل الدفاع في حالة عجز الموازنة [أي الاقتراض بلا سقف لتمويل الدفاع]، وتفادي تخفيضات كبيرة في مجالات مثل الرعاية الاجتماعية. ووافق ميرتس كذلك على تخصيص مبلغ غير مسبوق قدره 500 مليار يورو للاستثمار في البنية التحتية المتداعية في ألمانيا.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي الوقت نفسه، سعت برلين إلى الوفاء بالتزامات البلاد تجاه الأمن الأوروبي. فخلال قمة حلف شمال الأطلسي في لاهاي في يونيو (حزيران) الماضي، تعهدت ألمانيا بزيادة الإنفاق الدفاعي إلى خمسة في المئة بحلول عام 2035، على أن يخصص 3.5 في المئة من هذا المبلغ لتغطية المتطلبات الدفاعية الأساسية. واستفاد ميرتس من هامش من المرونة المالية لا يتوافر لأحد من نظرائه الأوروبيين: ففرنسا، على سبيل المثال، مثقلة بالديون أصلاً، في حين أتاحت سياسة كبح الدين العام لألمانيا موازنة أكثر توازناً، بالتالي مجالاً أوسع للمناورة. وتحت ضغط أيضاً من ترمب، أعلن ميرتس بالفعل عن زيادة هائلة في الإنفاق العسكري الألماني، ومن المتوقع أن تفي البلاد بتعهدها تجاه "الناتو" قبل الموعد المحدد بوقت طويل. وتقدر موازنة الدفاع الألمانية التي يرجح أن تبلغ 650 مليار يورو إجمالاً خلال الأعوام الخمسة المقبلة، بأنها الأكبر في الاتحاد الأوروبي. ويخصص نحو 8.5 مليار يورو سنوياً لدعم أوكرانيا.
وساعد ميرتس في تأمين صفقة بيع أسلحة أميركية إلى أوكرانيا بعد أن أنهت إدارة ترمب رسمياً مساعداتها العسكرية. وتوصل إلى اتفاق مع الرئيس الأميركي يقضي بأن تشتري برلين ودول أوروبية أخرى منظومات صواريخ "باتريوت" من واشنطن وترسلها إلى كييف. وفي يوليو (تموز) الماضي، أشاد الأمين العام لـ"الناتو"، مارك روته، بقيادة ألمانيا وتصميمها على ضمان الأمن المشترك لأوروبا.
الشيطان يكمن في التفاصيل
مع ذلك، لا يزال هذا التقدير الكبير بعيد المنال في الداخل. فقبل توليه منصب المستشارية، كان ميرتس يدرك أن الجهود التي عليه بذلها لتلبية المتطلبات الأمنية من جهة والتحديات الاقتصادية الداخلية من جهة أخرى قد تتعارض في ما بينها، وقد تثير رد فعل شعبوياً ضد أجندته. في الواقع، تؤيد غالبية الألمان زيادة الإنفاق العسكري الممول بالدين، لكن كثراً منهم يرغبون أيضاً في أن تستثمر الحكومة، من خلال الدين، في أولويات أخرى مثل الصناعة والرواتب التقاعدية والتعليم.
في الواقع، يشهد نمو الصناعة في ألمانيا ركوداً منذ عام 2019. وقدر مجلس الخبراء الاقتصاديين الألماني بأن الاقتصاد سينمو بنسبة هزيلة تبلغ 0.2 في المئة عام 2025 و0.6 في المئة عام 2026. ومن الواضح أن ألمانيا، القوة الاقتصادية الأولى في أوروبا، تسجل أداءً دون مستوى نظرائها في "مجموعة السبع". وتضررت أيضاً السوق الألمانية المعتمدة على التصدير بسبب تدفق سلع تكنولوجية متقدمة رخيصة ومدعومة من الدولة الصينية، مما يهدد صناعة السيارات الألمانية وملايين الوظائف المرتبطة بها. وأدى نقص الاستثمار المحلي منذ اعتماد سياسة كبح الدين عام 2009، فضلاً عن نظام الرسوم الجمركية الجديد الذي فرضته واشنطن وفائض الطاقة الإنتاجية الصينية، إلى جعل النموذج الاقتصادي الألماني غير صالح للاستمرار.
والآن، مع إصلاح سياسة كبح الدين العام، بات بإمكان الائتلاف الكبير الذي يقوده ميرتس الحصول على موارد مالية كافية لزيادة الإنفاق الدفاعي وإجراء إصلاحات اقتصادية، وهو وضع لم تتمتع به الحكومات السابقة. فتاريخياً، عارض الألمان الإنفاق في حالة العجز. ولذلك، تواجه حكومة ميرتس ضغوطاً لتبرير هذا التغيير في السياسة على نحو أفضل، واستخدام أموالها الإضافية غير المسبوقة استخداماً مجدياً بدلاً من تبديدها.
ويسعى ميرتس إلى تطبيق خطة إصلاح اقتصادي أطلق عليها اسم "أجندة 2030"، تشمل خفض الضرائب وتخفيف القيود التنظيمية، فضلاً عن بعض التخفيضات في مزايا الرعاية الاجتماعية، غير أن هذه الخطة وحدها أثبتت حتى الآن عدم كفايتها لمواجهة حجم المشكلات الاقتصادية التي تعانيها ألمانيا. فهي تعالج المشكلات بأدوات اقتصادية تقليدية بدلاً من التركيز على التحدي الذي تمثله الصين للصناعة الألمانية والأوروبية. إضافة إلى ذلك، فإن الخلافات الداخلية داخل الائتلاف حول كيفية إنفاق أموال صندوق البنية التحتية بقيمة 500 مليار يورو أثارت مخاوف من أن يستخدم أعضاء الائتلاف الإنفاق في حالة العجز كحل موقت للمشكلات المتراكمة والمتوارثة، وكوسيلة لكسب تأييد قواعدهم الانتخابية بدلاً من خلق فرص اقتصادية حقيقية.
لم ينجح ميرتس في إقناع الناخبين بأن المستقبل القريب سيكون أفضل حالاً
وأسهم الإخفاق في تحقيق نتائج ملموسة في ازدهار حزب البديل من أجل ألمانيا المعارض. فعام 2021، وخلال حملة ميرتس الانتخابية لقيادة الحزب، تعهد بخفض التأييد الذي يتمتع به حزب البديل من أجل ألمانيا إلى النصف. أما اليوم، فيحظى الحزب بأعلى مستويات دعم شعبي في تاريخه: إذ أظهر استطلاع رأي أجراه معهد فورسا في ديسمبر (كانون الأول) الجاري، سئل فيه الألمان عن الحزب الذي سيصوتون له، أن حزب البديل من أجل ألمانيا يتقدم على معسكر ميرتس المحافظ. وعلى رغم أن اليمين المتطرف في ألمانيا يؤيد مبدئياً زيادة الإنفاق الدفاعي، فإنه يعارض تمويله من خلال الدين، وقد هاجم حكومة ميرتس بسبب تخفيف القيود المفروضة على سياسة كبح الدين العام. وترتكز آراء الحزب في شأن الإنفاق الدفاعي على مفهوم قومي للقوة العسكرية الألمانية خارج المؤسسات والأطر المقيدة مثل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.
واستطراداً، فإن تخصيص موازنة للدفاع ساعد ميرتس في إدارة علاقته مع ترمب، لكن شخصيات من حركة "ماغا" الأميركية مثل نائب الرئيس جي دي فانس والنائبة الجمهورية عن ولاية فلوريدا آنا بولينا لونا، وجدوا أرضية مشتركة مع حزب البديل من أجل ألمانيا، ويشجعون على تعاون أوثق معه. وهذا يشكل تهديداً حقيقياً لميرتس الذي يفتخر بأنه من أنصار العلاقات عبر الأطلسي، ويسعى جاهداً إلى الحفاظ على مركز ثقل الحركة المحافظة الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية، في مواجهة حزب البديل من أجل ألمانيا المتطرف. وتمثل استراتيجية الأمن القومي الجديدة لترمب التي تحتضن رسمياً الأحزاب القومية المحافظة وتسعى حتى إلى تحفيز تغيير سياسي في دول أوروبية مثل ألمانيا، ضربة إضافية لجهود ميرتس.
خلال ثمانينيات القرن الـ20، حذر فرانز جوزيف شتراوس، الرئيس الأسطوري لحزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي (الحزب الشقيق لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في بافاريا)، من أنه لا يجب السماح للأحزاب اليمينية المتطرفة بأن تصبح جناحاً لتيار المحافظين التقليديين. وينبغي أن يكون حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي بمثابة خط الدفاع الخارجي للحركة المحافظة. ومنذ ذلك الحين تغير الطيف السياسي في ألمانيا، وترسخ وجود حزب البديل من أجل ألمانيا بصورة خاصة كحزب يميني متطرف شديد الراديكالية في أوروبا. وفي مايو (أيار) الماضي، صنف المكتب الاتحادي الألماني لحماية الدستور الحزب على أنه متطرف. ومع ذلك، بات الحزب أنجح حزب يميني متطرف في تاريخ ألمانيا منذ الحرب العالمية الثانية.
صعوبات النمو
يواجه ميرتس معضلة حقيقية. فأخطار انكفاء الولايات المتحدة والعدوان الروسي يتطلبان زيادة الإنفاق الدفاعي والدخول في دبلوماسية مكوكية دولية. ويدرك المستشار حجم الرهانات، وسعى جاهداً إلى برهنة الترابط الوثيق بين السياسة الخارجية والازدهار الداخلي، غير أن تجربة هيلموت كول، مستشار ألمانيا خلال عملية إعادة توحيدها، تظهر أن البراعة في السياسة الخارجية لا تضمن النجاح الانتخابي.
فبعد مرور أول 100 يوم له في المنصب، أصبح ميرتس أقل شعبية حتى من سلفه شولتز الذي كان أول مستشار ألماني منذ عقود يتولى المنصب لولاية واحدة فقط. ووفقاً لاستطلاع أجراه معهد فورسا في أوائل ديسمبر الجاري، فإن 76 في المئة من الألمان غير راضين عن أداء ميرتس كمستشار.
ومن الممكن أن يقع ميرتس أيضاً ضحية لصراع داخلي على السلطة. فكثير من المحافظين يتذمرون من تفكيك سياسة كبح الدين العام، بينما ترغب شريحة من الجيل الأصغر سناً في إصلاح نظام المعاشات التقاعدية، مما يعارضه الحزب الاشتراكي الديمقراطي. وعلاوة على ذلك، فإن بعض أعضاء كتلة ميرتس البرلمانية غير متمسكين بالحفاظ على سياسة "جدار الحماية" ضد حزب البديل من أجل ألمانيا، بل يتطلعون إلى التعاون مع هذا الحزب اليميني المتطرف، وهي فكرة يرفضها ميرتس رفضاً قاطعاً.
وعلى رغم تضارب أولويات يمين الوسط ويسار الوسط، فإن ائتلاف ميرتس ينجح في البقاء متماسكاً لأن أية انتخابات فيدرالية مبكرة قد تقرب حزب البديل من أجل ألمانيا من الوصول إلى السلطة. مع ذلك، حتى من دون انتخابات مبكرة، سيواجه الائتلاف الكبير اختباراً في انتخابات الولايات الألمانية العام المقبل. ويحظى حزب البديل من أجل ألمانيا بدعم قوي في جميع أنحاء البلاد، ويتقدم في استطلاعات الرأي بفارق مزدوج الأرقام في بعض ولايات ألمانيا الشرقية السابقة. وإذا حقق الحزب فوزاً كبيراً في الانتخابات الفيدرالية المقبلة، فسيصبح بناء ائتلاف وسطي أكثر صعوبة. وقد تكون فترة ولاية ميرتس، وكذلك دور ألمانيا القيادي في أوروبا، قصيرَي الأجل.
خير الأمور أوسطها
إن الشروع في إصلاحات صعبة ليس أمراً جديداً على ألمانيا، وغالباً ما جعل ذلك البلاد أقوى. فقد جلب توحيد ألمانيا الشرقية والغربية بعد سقوط جدار برلين مشقات اقتصادية، وأثار مشاعر استياء لدى كثير من الألمان الشرقيين السابقين الذين شعروا بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية. ولاحقت المشاعر المعادية للهجرة ألمانيا خلال تسعينيات القرن الماضي، مما استدعى اعتماد سياسات للاندماج. وفي مطلع القرن الـ21، تناولت "أجندة عام 2010" التي أطلقها المستشار غيرهارد شرودر، تخفيف القيود المفروضة على سوق العمل، ومهدت الطريق لإصلاح اقتصادي.
يتعين على ميرتس الآن الوفاء بوعده بالتجديد من خلال أجندة 2030. وبفضل تخصيص أكثر من تريليون يورو لمشاريع الدفاع والبنية التحتية على مدى الأعوام الأربعة المقبلة، يمتلك ميرتس الموارد المالية اللازمة لإنعاش اقتصاد ألمانيا والحفاظ على توجهها السياسي الوسطي. ويحتاج النموذج الاقتصادي الألماني القائم على التصدير إلى إعادة هيكلة لتحفيز الطلب المحلي في ألمانيا وأوروبا. ويجب كذلك ضخ مزيد من الاستثمارات في القاعدة الصناعية الدفاعية لخلق وظائف تعوض تلك التي تخسرها الصناعات الألمانية التقليدية حالياً بسبب الصادرات الصينية. وبدأ يتضح الآن الحجم الحقيقي للتهديد الاقتصادي الصيني أمام القادة الألمان.
أسهم إخفاق الطبقة التقليدية الحاكمة في تنفيذ وعودها في ارتفاع شعبية حزب البديل من أجل ألمانيا
وألمانيا مؤيدة بطبيعتها للتجارة الحرة، لكنها تحتاج إلى تنسيق أفضل لسياستها الصناعية مع بقية الاتحاد الأوروبي للتحصن ضد أسوأ آثار الرسوم الجمركية الأميركية وفائض الطاقة الإنتاجية الصينية، من خلال البحث عن شركاء تجاريين جدد وبناء منتجين أوروبيين قادرين على المنافسة. ومع تباطؤ النمو الاقتصادي وشيخوخة السكان، لا تستطيع برلين تحمل كلفة الاستمرار في دعم مستويات الإنفاق الاجتماعي الحالية. ولكي تظل ألمانيا قادرة على المنافسة اقتصادياً، يجب عليها رفع سن التقاعد لتخفيف الضغوط على الموازنة. ولا يجوز أيضاً التقليل من شأن الاستثمار في الابتكار والتقنيات المستقبلية مقارنة بالإنفاق الاجتماعي.
لن تؤدي هذه الإصلاحات إلى اختفاء حزب البديل من أجل ألمانيا بصورة سحرية، بل من الممكن أن تعزز قوته على المدى القصير. فمثل غيرها من الديمقراطيات الغربية الراسخة، بات لدى ألمانيا الآن حزب يميني متطرف متجذر في نظامها السياسي، يقضم من شعبية الأحزاب التقليدية. لكن ميرتس وائتلافه يستطيعان تقليص شرعية حزب البديل من أجل ألمانيا من خلال إظهارهم للناخبين أن توفير الأمن الأوروبي والاستثمار في الدفاع الألماني سيطلقان عهداً جديداً من النمو الاقتصادي والقدرة التنافسية. ولإدارة العلاقة عبر الأطلسي مع ترمب وردع العدوان الروسي ومواجهة الضغوط الاقتصادية من الصين وتخفيف المخاوف الداخلية، تحتاج ألمانيا إلى وسطية ميرتس، لا إلى تطرف حزب البديل من أجل ألمانيا.
سودها ديفيد-فيلب هي نائبة رئيس العلاقات الخارجية وزميلة بارزة في "مركز مارشال الألماني في الولايات المتحدة".
ليانا فيكس هي زميلة بارزة لشؤون أوروبا في مجلس العلاقات الخارجية وأستاذة غير متفرغة في جامعة جورجتاون.
مترجم عن "فورين أفيرز"، 23 ديسمبر 2025