ملخص
عقود من الدراسات التي تعود إلى الحرب العالمية الأولى، حول استخدام القوة الجوية لفرض التغيير السياسي، خلصت إلى نتيجة ثابتة، وهي أنه يمكن للقصف أن يضعف القدرات العسكرية ويدمر البنية التحتية، لكنه لا ينتج حكومات أكثر تعاوناً مع القوى المهاجمة، إذ تتطلب النتائج الفعالة عمليات سياسية مثل التفاوض وبناء المؤسسات والانتقال الشرعي للسلطة.
على رغم أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يستبعد استخدام القوات البرية في الهجوم على إيران، فإنه لا يبدو متحمساً لذلك، بسبب تجربة القوات الأميركية الصعبة في العراق. وفي حين حقق الرئيس الأميركي نجاحات واسعة حتى الآن بالتخلص من المرشد الإيراني علي خامنئي وتدمير كثير من منصات إطلاق الصواريخ والسفن التابعة للبحرية الإيرانية، ويستكمل تحقيق هدفه بتدمير القدرات العسكرية الإيرانية، لم يعد مؤكداً تمسكه بتغيير النظام في طهران، فما الاستراتيجية التي يمكن أن يتبعها ترمب لتجنب فخ العراق مع ضمان تحقيق النتائج التي حددها في الوقت ذاته؟
آفاق صعبة
على رغم عزوفه عن العمليات العسكرية عالية الأخطار، والسجل المخيب للآمال لمحاولات أميركية مماثلة لتحقيق أهداف استراتيجية في الشرق الأوسط، أصبح دونالد ترمب رابع رئيس جمهوري للولايات المتحدة، يجد نفسه متورطاً في صراع كبير بهذه المنطقة خلال نصف القرن الماضي، فباستثناء الحرب الوحيدة الناجحة، وهي حرب جورج بوش الأب لطرد صدام حسين من الكويت عام 1991 لأن هدفها كان محدداً بدقة، انتهت جهود الآخرين بالفشل أو الفوضى.
فقد انتهت محاولات الرئيس رونالد ريغان لتحقيق الاستقرار في لبنان مطلع ثمانينيات القرن الماضي، بتفجير ثكنات مشاة البحرية الأميركية في بيروت، وأسفرت جهوده اللاحقة لتحرير الرهائن الأميركيين، عن فضيحة إيران-كونترا التي ألحقها بنفسه، أما حرب جورج دبليو بوش (الابن) على العراق عام 2003 فقد كلفت خسائر فادحة في الأرواح وأضراراً جسيمة بالقدرات الاستراتيجية الأميركية ومكانة الولايات المتحدة.
ولم تكن جهود الرؤساء الديمقراطيين أفضل حالاً، فقد فشلت جهود جيمي كارتر في تحرير الرهائن الذين احتجزوا في سفارة الولايات المتحدة عقب اندلاع "الثورة الإسلامية" في إيران، وفشل بيل كلينتون في كبح جماح صعود تنظيم "القاعدة" عبر عمليات قصف جوية، وأطلق باراك أوباما العنان للفوضى في ليبيا، وسمح لسوريا بتجاوز خطه الأحمر في شأن الأسلحة الكيماوية، وكان انسحاب جو بايدن الكارثي من أفغانستان بمثابة إهانة كبرى للولايات المتحدة.
ومع بدء القصف الأميركي – الإسرائيلي على إيران وانطلاق عملية "الغضب الملحمي" الأميركية، ليس من الواضح ما إذا كانت ستحمل آفاقاً أفضل، لكن يمكن التفاؤل بحذر بأن هذا التورط في الشرق الأوسط يمكن أن ينتهي بصورة أفضل من معظم الصراعات السابقة.
تفاؤل حذر
ومع الاعتراف بأن الهجوم الجوي والصاروخي الأميركي يمثل أكبر مغامرة في مسيرة ترمب السياسية، فإن النجاح الذي ينهي ما يقارب نصف قرن من الحكم المتشدد في إيران، أو في الأقل يحد من نفوذه، سيخدم مصلحة أميركا في تأمين مستقبل أكثر اطمئناناً لدول المنطقة التي ترتبط بصفقات بمئات المليارات مع واشنطن، وفي إنهاء التهديدات المستمرة من إيران ووكلائها في المنطقة، وفي ضمان تدفق النفط بأسعار معقولة تسهم في تحييد التضخم عالمياً وفي الولايات المتحدة، كذلك يمكن أن يؤدي تغيير النظام أو حتى تعديله إلى فتح فرص استثمارية مستقبلية للشركات الأميركية، أما الفشل فمن المحتمل بدرجة كبيرة أن يلحق ضرراً لا يمكن إصلاحه بهيبة الرئيس ترمب في الخارج، وقد يفكك تحالفه السياسي ويدمر سلطته في الداخل.
ومن المفترض أن المراحل الأولى من المعركة أبقت ترمب متفائلاً بفضل التنسيق والتخطيط اللذين أديا إلى قتل المرشد علي خامنئي وعدد كبير من القيادات العسكرية والأمنية في الموجة الأولى من الحرب، وبسبب ضعف الدفاعات الجوية الإيرانية التي لم تكن قد تعافت بعد حرب يونيو (حزيران) الماضي التي استمرت 12 يوماً، أصبحت سيطرة أميركا وإسرائيل على الأجواء الإيرانية شبه كاملة، أيضاً أدت الضربات الإيرانية الانتقامية في الساعات الـ48 الأولى إلى إلحاق الضرر بدول الخليج، وشكلت تحالفاً إقليمياً ضد طهران.
رهانات إيران
لكن لا تزال هناك مشكلات خطرة، إذ يرى قادة إيران من السياسيين ورجال الدين والقيادة العسكرية، أن ترمب يفتقر إلى الدعم السياسي اللازم لحرب طويلة ومرهقة، ويأملون في أن تقضي الحرب، على رغم الكلفة الباهظة التي يتكبدونها، على الرئيس الأميركي سياسياً في نهاية المطاف، ولا يعتقدون أن القوات البرية الأميركية ستغزو إيران، ويظنون أنهم إذا استطاعوا تحمل الهجمات الجوية لفترة كافية، سيصمد النظام، كذلك تعتقد القيادة العسكرية الإيرانية تحديداً أن الذخائر والدفاعات الصاروخية الأميركية محدودة، وكلما طال أمد الحرب، ازدادت صعوبة الحفاظ على كثافة الهجوم، وأن التفوق الجوي الأميركي والإسرائيلي سيصبح بلا قيمة استراتيجية كبيرة مع الوقت، لأنه إذا شهد كل يوم هجمات على أهم الأهداف القائمة، فلن تتبقى، بعد فترة طويلة، سوى الأهداف الأقل أهمية.
أيضاً يعلم الإيرانيون أن الأميركيين تركوا العراق وأفغانستان في نهاية المطاف لمصيرهما، وهم يأملون عاجلاً أم آجلاً في أن تتعب واشنطن من انتظامها في إيران، وأن يتمكن حكام النظام من رجال الدين في النهاية من إعادة ترسيخ حكمهم.
أما بالنسبة إلى أخطار التمرد الداخلي، وبحسب ما يقول المتخصص الاستراتيجي في معهد هدسون، والتر راسل، فقد يشعر النظام الحالي ببعض الطمأنينة من الأعوام الـ15 الماضية التي نجح خلالها النظام في إجهاض التظاهرات والانتفاضات بطرق بشعة عبر إطلاق النار على حشود المحتجين في الشوارع والساحات وتنفيذ الإعدامات في المعتقلين.
تجنب فخ العراق
يبدو أن ترمب حاول أن يوازن بين نتيجتين محتملتين، الأولى أن أي اتفاق كان من الممكن أن يتوصل إليه مع قادة إيران، يجب أن يختلف اختلافاً جوهرياً عن الاتفاق النووي الذي أبرمه الرئيس باراك أوباما عام 2015، والذي انسحب منه ترمب عام 2018 وفرض عقوبات الضغوط القصوى على طهران. والثانية أن أي حرب يخوضها في الشرق الأوسط يجب أن تكون أقصر وأكثر نجاحاً بصورة ملحوظة من حربي العراق وأفغانستان، وعندما فشل الإيرانيون في التعاطي الإيجابي مع ما يمكن وصفه بنصر دبلوماسي ساحق يمنع إيران من التخصيب تماماً، اضطر الرئيس الأميركي إلى خوض الحرب.
لكن إدارة ترمب تعتقد أنها قادرة على تجنب فخ العراق عبر استخدام الفارق التكنولوجي الهائل مع الخصم والمعلومات التي تتحصل عليها الاستخبارات الأميركية، وهو ما يتضح من المقارنة الواضحة بين فشل الهجوم الخاطف الذي شنه جورج دبليو بوش على بغداد، في القضاء على صدام حسين خلال الأسابيع الأولى من الغزو الأميركي، بينما حقق ترمب مبتغاه في اليوم الأول للحرب.
كذلك، وجد الرئيس بوش نفسه، بسبب تحفظات بريطانيا في شأن ضرورة وجود أساس قانوني لدخول حرب العراق، مضطراً إلى تبرير الغزو بمعلومات استخباراتية حول أسلحة الدمار الشامل العراقية، التي ثبت قصورها الشديد بعد الغزو، بينما تجاهل ترمب بريطانيا والقانون الدولي ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة تماماً.
اعتمد بوش على القوات البرية لاحتلال العراق، وسرعان ما وجد نفسه مضطراً إلى توفير الأمن هناك وإدارة بلد يزداد عدائية للولايات المتحدة، أما ترمب فعلى رغم عدم استبعاده أخيراً إرسال قوات برية إلى إيران، فإنه يتجنب حتى الآن ذلك، سوى في حال الضرورة القصوى، وقد لا يفعلها أبداً، بخاصة أنه يعلن عزمه في الوقت ذاته تجنب احتلال أميركي لإيران.
التدمير ليس استراتيجية
لكن الدمار الذي أحدثته الحرب في الأيام الأولى وحدها، لا يعني بالضرورة النجاح السياسي، فقد ألقت إسرائيل أكثر من 2000 قنبلة على أهداف إيرانية، أي ما يعادل نصف حمولة القنابل التي ألقيت خلال الصراع الإسرائيلي - الإيراني الذي استمر 12 يوماً في يونيو 2025، وفي الوقت نفسه استهدفت غارات جوية أميركية مكثفة الحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى مواقع الصواريخ الباليستية وأنظمة الدفاع الجوي والسفن البحرية الإيرانية، واستخدمت في بعضها قاذفات "بي-2" الشبحية الاستراتيجية وألقت قنابل زنة 2000 رطل، كذلك تعهد ترمب بأن التدمير الأقصى الحقيقي لم يبدأ بعد، مما ينذر بأن الأسوأ قادم.
غير أن عقوداً من الدراسات، التي تعود إلى الحرب العالمية الأولى، حول استخدام القوة الجوية لفرض التغيير السياسي، خلصت إلى نتيجة ثابتة، وهي أنه يمكن للقصف أن يضعف القدرات العسكرية ويدمر البنية التحتية، لكنه لا ينتج حكومات أكثر تعاوناً مع القوى المهاجمة، إذ تتطلب النتائج الفعالة عمليات سياسية مثل التفاوض وبناء المؤسسات والانتقال الشرعي للسلطة.
لا تستطيع القنابل تحقيق أي من هذه الأمور، بل على العكس، ما تحدثه بصورة مؤكدة حسبما تشير فرح جان، المحاضرة في العلاقات الدولية بجامعة بنسلفانيا، هو الدمار الذي يولد ديناميكيات سلبية مثل خلق فراغات في السلطة والتطرف ودورات الانتقام.
تجارب مفيدة
تؤكد التجارب السابقة للولايات المتحدة ذلك، فمع غزو العراق عام 2003، أطلقت إدارة جورج دبليو بوش عملية "الصدمة والترويع" بهدف صريح هو تغيير النظام. وتحقق الهدف العسكري في غضون أسابيع، بينما لم يتحقق الهدف السياسي إطلاقاً، إذ أدى قرار الولايات المتحدة حل الجيش العراقي، إلى خلق فراغ في السلطة لم يملأه الإصلاحيون الديمقراطيون، بل الميليشيات الطائفية، وفي نهاية المطاف تنظيم "داعش"، كذلك النظام الذي ظهر لاحقاً لم يكن متعاوناً مع المصالح الأميركية، بل كان متأثراً بشدة بإيران.
وعام 2011 قادت إدارة الرئيس باراك أوباما حملة جوية لحلف الناتو في ليبيا، سرعان ما توسعت من حماية المدنيين إلى تغيير النظام، وبالفعل أطيح معمر القذافي وقتل، لكن لم تكن هناك خطة لانتقال سياسي، واستمرت الفوضى وعدم الاستقرار منذ ذلك الحين ولا تزال ليبيا دولة فاشلة إلى الآن.
حتى كوسوفو، التي يشار إليها غالباً كقصة نجاح للقوة الجوية القسرية، لم تجبر 78 يوماً من قصف قوات "الناتو"، سلوبودان ميلوسيفيتش، رئيس جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية، على الانسحاب، لكن ما غير الوضع هو التهديد الحقيقي بغزو بري، إضافة إلى سحب روسيا دعمها الدبلوماسي عن ميلوسيفيتش، وظلت النتيجة السياسية، دولة متنازع عليها وتوترات عرقية مستمرة، لا تمثل حكماً مستقراً كما يروج له دعاة القوة الجوية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
نهج ترمب
ومع ذلك، يبدو أن سلسلة النجاحات العسكرية التي حققها الرئيس بكلفة منخفضة نسبياً خلال ولايته الثانية، غيرت وجهة نظره في شأن التدخلات العسكرية الأميركية واستخدام القوة الجوية في تحقيق أهدافه. وبحسب كبير المحللين في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، دانيال بايمان، فقد أقر ترمب بأن الجيش الأميركي قوي جداً، ويعتقد أنه إذا تجنب العمليات البرية الكبرى، فمن المرجح أن تنجح جهوده.
لكن عندما أشار كبار القادة العسكريين الأميركيين أثناء مواجهات العام الماضي في اليمن، إلى أن إضعاف الدفاعات الجوية للحوثيين قد يستغرق ما يصل إلى 10 أشهر، أبرم ترمب صفقة مع الحوثيين بدلاً من مواصلة العمليات، وبموجب هذه الصفقة، أوقفت الولايات المتحدة حملة القصف، مقابل ألا تستهدف الميليشيات السفن الأميركية، ولم يلتزم الحوثيون وقف الهجمات على السفن الأخرى.
ويبدو أن ترمب استنتج حينئذ أن كلف استمرار العملية، بما فيها الكلف المالية، باهظة للغاية وفقاً لما يقوله الرئيس التنفيذي لمركز الأمن الأميركي الجديد ريتشارد فونتين. ففي حين اعتمد الرؤساء السابقون الذين فكروا في عمل عسكري على مستشاريهم لوضع استراتيجيات من شأنها أن توازن بين الغايات والوسائل لتحقيق نتيجة محددة بوضوح، يتصرف الرئيس ترمب بدافع الحدس بدلاً من أي أيديولوجية صارمة أو عملية تخطيط.
والسؤال الأهم هو ما إذا كان نهج ترمب، بتركيزه على سياسة الإكراه والتهديد المستمرين من خلال الضربات الجوية والصاروخية، سيفضي إلى سلام أكثر استدامة من الاستراتيجيات السابقة؟
إذا لم يسقط النظام
إذا لم يحدث تغيير في النظام الإيراني، وهو أمر يبدو مستبعداً في الوقت الحالي، فإن أي نظام سيصمد عندما يهدأ غبار الحرب، سيرث إيران فقيرة ومعزولة ومحاصرة، إذ لا يرجح أن تستعيد إيران عافيتها سريعاً بعدما تلقت ضربات قوية فترة زمنية طويلة من أقوى جيش في العالم فضلاً عن الضربات الإسرائيلية.
وفي هذه الحال يرجح أن ينطوي نهج ترمب تجاه إيران، كما هي الحال مع نهجه حيال فنزويلا، على تطوير عصري لممارسة القرن الـ19 المعروفة بدبلوماسية البوارج الحربية، حين كانت القوات البحرية للقوى العظمى تستولي على مكاتب الجمارك في موانئ الدخول في الدول الضعيفة التي تتخلف عن سداد ديونها أو تسيء إلى القوى العظمى، ولأن حكومات الدول الضعيفة كانت في ذلك الوقت تعتمد على عائدات الجمارك، فقد وجدت نفسها مضطرة إلى الامتثال للمطالب الأجنبية.
وفي رؤية ترمب للقرن الـ21، عندما يتعلق الأمر بمصدري النفط مثل فنزويلا وإيران، لن تكون هناك حاجة إلى الاستيلاء على مكاتب الجمارك، إذ يكفي وجود أسطول بحري لمنع شحنات النفط من المرور، وحيث يؤدي الامتثال فقط إلى فتح صنبور النفط، بينما تغلقه المقاومة، ولأن إيران تعتمد اعتماداً كبيراً على النفط، ربما يأمل الرئيس الأميركي في أن يمنحه هذا الحصار النفوذ الذي يسعى إليه على طهران.
يمكن وصف هذا النهج بالانتهازي والاستعمار الجديد، لكن هذه الاستراتيجية لا تهدف إلى خنق شحنات النفط، وإذا نظرت فنزويلا وإيران للأمور من منظور ترمب، فسيكون بإمكانهما ضخ وبيع كميات أكبر من النفط في المستقبل مقارنة بما هما عليه اليوم، وبأسعار أفضل.
ومع ذلك، تظل هناك أخطار كثيرة، إذ يشير مقتل عدد من الجنود الأميركيين وخسارة ثلاث طائرات مقاتلة واستمرار الحرب بضراوة، إلى أن الثمن قد يكون باهظاً، لكن بالنسبة إلى رئيس مثل ترمب، قد لا تتاح له فرصة أفضل من هذه.