ملخص
كانت الخارجية السعودية التي استدعت سفير إيران مع أول استهداف، وصفت الهجوم على السفارة الأميركية بـ"الجبان وغير المبرر"، وهي الواقعة في "حي السفارات" النموذجي على بعد عشرات الأمتار من السفارة الإيرانية ولا يفصل بينهما سوى مربع "ساحة الكندي" الخلابة وسط الحي الذي صمم بتوجيه من العاهل السعودي الملك سلمان عندما كان أمير الرياض، ولا يزال نموذجاً يثير اهتمام الدبلوماسيين ومخططي المدن حول العالم.
قال مسؤول إيراني رفيع لـ"اندبندنت عربية" إن بلاده ملتزمة باتفاق بكين على رغم مزاعم الإخلال به في أعقاب الهجمات التي شنتها طهران على أعيان مدنية في السعودية والخليج.
وقال المسؤول الذي فضل عدم ذكر اسمه "نحن جادون في الرد على العدوان" على أميركا وإسرائيل، إلا أن الهجمات على السفارات والمنشآت الحيوية في السعودية "لا علاقة لنا بها".
ورداً على ما إذا كانت طهران لا تزال متمسكة باتفاق بكين وهي تستهدف المنشآت الاقتصادية والدبلوماسية في مدن سعودية، أضاف "هذا لم يحدث. ايران ملتزمة باتفاق بكين، وتنفي بشدة ما يناقض ذلك".
المحادثات مستمرة
وأبدى المصدر الإيراني قلقه من مساعي واشنطن وتل أبيب لتخريب العلاقة بين الرياض وطهران، محذراً من أطراف زعم أنها تريد "تأجيج العداوة بين البلدين".
وكانت قناة "العربية" نقلت عن مصادر سعودية مطلعة أن الهجوم الذي استهدف السفارة الأميركية في الرياض ومنشآت "رأس تنورة" النفطية كان آتياً من العراق، في إشارة إلى الميليشيات الشيعية التي تُعد من بين أذرع النظام في طهران التي تستخدمها في زعزعة الاستقرار.
وهل لا يزال التواصل بين السعودية وإيران قائماً، لتهدئة التوتر؟ يجيب المسؤول الإيراني "في خضم هذه التطورات الخطرة تستمر المحادثات بين وزيري خارجية إيران والسعودية لمراجعة ودراسة ما يجري في الإقليم وما يجب فعله تجاه العدوان السافر الصهيوني في المنطقة".
وأفاد بأن "هناك اتصالات مستمرة بين وزيري خارجية البلدين في ظل التطورات المتسارعة والخطرة"، معتبراً أن ما وصفه بـ"صمود إيران" في وجه الغارات الأميركية والإسرائيلية، "ليس دفاعاً عن نفسها وحدها، بل هو دفاع عن استقرار المنطقة بأسرها وعن كرامة الأمة جمعاء. فأطماع هذا الكيان لا حدود لها، لا يخفى بأننا اليوم نواجه حرباً طاحنة، ونواجه عدواناً صهيونياً- أميركياً واسعاً يستهدف أرضنا وشعبنا وبنيتنا التحتية".
الرد على استهداف السفارات
ولماذا تقوم طهران من جهتها باستهداف منشآت جيرانها وهي تستهجن تعرضها لمثل ذلك في إيران، عن ذلك رد المسؤول الإيراني على تساؤل "اندبندنت عربية"، قائلاً "نحن لا نستهدف منشآت مدنية، أما الأهداف التي قصفت في مدننا فليست منشآت عسكرية، بل أحياء سكنية ومدارس ومنشآت مدنية، فاستشهد أكثر من 150 طفلة بريئة في مدرسة للبنات". وهي الحادثة التي نددت بها "اليونيسكو" أيضاً.
ولدى مواجهة المصدر الإيراني بتنديد السعودية بالهجمات على الخليج ومدن الرياض والخرج والمنطقة الشرقية، على رغم إبلاغها الجانب الإيراني بأنها لن تسمح بانطلاق أية هجمات من أراضيها أو مجالها الجوي ضد طهران، أجاب "نحن نقدر ذلك".
وقال المحلل السياسي السعودي سعد الحامد إنه لا يفهم كيف تهتم إيران بـ"اتفاق بكين" "وتقوم بانتهاك أبجدياته وسائر الاتفاقات الدولية"، موضحاً أنه لا يمكن تبرير استهداف جارك لأن شخصاً آخر اعتدى عليك.
وكانت الخارجية السعودية التي استدعت سفير إيران مع أول استهداف، وصفت الهجوم على السفارة الأميركية بـ"الجبان وغير المبرر"، وهي الواقعة في "حي السفارات" النموذجي على بعد عشرات الأمتار من السفارة الإيرانية ولا يفصل بينهما سوى مربع "ساحة الكندي" الخلابة وسط الحي الذي صمم بتوجيه من العاهل السعودي الملك سلمان عندما كان أمير الرياض، ولا يزال نموذجاً يثير اهتمام الدبلوماسيين ومخططي المدن حول العالم.
وأكدت الخارجية في أعقاب الاستهداف أنه "يتعارض بصورة صارخة مع جميع الأعراف والقوانين الدولية بما فيها اتفاقا جنيف 1949 وفيينا 1961 للعلاقات الدبلوماسية اللذان يمنحان الحصانة للمباني الدبلوماسية وموظفيها حتى في حالات النزاع المسلح".
وشددت على أن "تكرار هذا السلوك الإيراني السافر الذي يأتي على رغم علم السلطات الإيرانية بأن المملكة أكدت أنها لن تسمح باستخدام أجوائها وأراضيها لاستهداف إيران، سيدفع المنطقة نحو مزيد من التصعيد".
ولاحقاً نفت الخارجية الإيرانية مسؤوليتها عن الاستهداف، مدعية أن "الحديث عن مهاجمتنا للسعودية مجرد اتهامات".
العراق يتعهد كبح ميليشياته
في هذا السياق أكد مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي تلقيه اتصالاً هاتفياً من السيد علي باقري، نائب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، أكد خلاله أن "طهران أبلغت دول الخليج بأنها لم ولن تستهدف السفارات أو الحقول النفطية أو أية مواقع مدنية ضمن عملياتها العسكرية"، مشيراً إلى أن الضربات اقتصرت على القواعد الأميركية، وطلب من العراق اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أية جماعات معارضة (الميليشيات المحسوبة على إيران) من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين العراق وإيران.
وأوضح ضمن تدوينة له اليوم على حسابه في "إكس" أن بغداد تعهدت بمواصلة جهودها الدبلوماسية مع مختلف الأطراف "لاحتواء الأزمة ووقف التصعيد والعودة لمسار الحوار... وعدم السماح لأية جماعات بالتسلل أو اختراق الحدود الإيرانية أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ونص "اتفاق بكين" في جوهره بين السعودية وإيران بوساطة الصين على استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وإعادة فتح السفارات خلال مدة محددة، وتفعيل اتفاق التعاون الأمني الموقع عام 2001، إضافة إلى التأكيد على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والتزام ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ حسن الجوار.
والاتفاق الذي جرى برعاية مباشرة من القيادة الصينية، تضمن كذلك في ما يتردد تعهداً بضبط الخطاب الإعلامي، وتفعيل قنوات الاتصال السياسي والأمني، وفتح الباب أمام تعاون اقتصادي تدريجي إذا توافرت بيئة مستقرة. وقد اعتُبر حينها تحولاً مهماً في مسار التوتر الإقليمي، إذ أعاد رسم معادلة التواصل بين القوتين الإقليميتين بعد أعوام من القطيعة والتصعيد.
ماذا لو شارك الخليج في الحرب؟
تجد دول الخليج نفسها اليوم في قلب صراع حاولت طويلاً تجنبه، بعدما تحولت المواجهة الأميركية ـ الإسرائيلية مع إيران إلى واقع عسكري طاول مدنها وبناها الحيوية.
ويشير رئيس هيئة الصحافيين السعوديين عضوان الأحمري إلى أن بين الهواجس التي بدأت تتردد في الخليج على وقع الحرب الدائرة، تساؤل حول "ماذا لو شاركت دول في هذه الحرب ثم انسحبت أميركا وأعلنت نجاح عملياتها العسكرية وتركت الخليج في مواجهة مع إيران"؟
ماذا لو شاركت دول الخليج في هذه الحرب ثم انسحبت أميركا وأعلنت نجاح عملياتها العسكرية وتركت الخليج في مواجهة مع إيران؟ pic.twitter.com/3VWnEaQmdY
— عضوان الأحمري (@Adhwan) March 3, 2026
فالدول الغنية بالطاقة التي بنت تحالفاتها الأمنية مع واشنطن واستضافت قواعد عسكرية أميركية وأنفقت مليارات الدولارات على التسليح طلباً للحماية من طهران ووكلائها، تواجه الآن، وفق "نيويورك تايمز" السيناريو الذي خشيت منه لأعوام، صواريخ وطائرات مسيّرة تضرب محيطها، وقلق يخيم على مدنها الاقتصادية والسياحية، واحتمال اضطراب الاستثمارات وحركة الأعمال.
ومع إطلاق إيران نحو 1500 صاروخ ومسيّرة باتجاه السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت وعمان، وجدت هذه الدول نفسها محاصرة بين شريك أمني رئيس يقود الهجوم وخصم إقليمي يرد بقوة، في معادلة تهدد استقرارها وأمنها الاقتصادي في آن واحد، والمنطقة بصورة عامة.
ويقول المحلل في مركز أبحاث الخليج البروفيسور صالح الخثلان لـ"اندبندنت عربية" إن أفضل خيار أمام دول مجلس التعاون هو "التعامل مع الهجمات كأضرار جانبية متوقعة في حرب كهذه، وكلفة لا بد منها كضريبة لموقع الخليج الجيوسياسي"، مشيراً إلى أنها "كلفة مقدور على تحملها مقارنة بحرب واسعة"، ويعتقد بأن سلوك دول المجلس حتى الآن يعكس هذا التوجه، فـ"على رغم أنها استهدفت بمئات الصواريخ والمسيّرات، فإنها لا تزال تتعامل بكل هدوء وحكمة فائقة".
ويخلص الخثلان إلى أن دول المجلس "دول بناء وتنمية وسلام"، ولذلك فهي "لا يمكن أن تسمح لعقليات طائشة، سواء في إيران أو أميركا أو إسرائيل بأن تؤثر في أولوياتها"، في إشارة إلى تمسكها بخيار الاستقرار وتجنب الانجرار إلى مواجهة مفتوحة من الممكن أن تعصف بمكتسباتها التنموية.