ملخص
تحتفل دول الخليج في منتصف شهر رمضان من كل عام بليلة تعرف باسم "القرقيعان"، وتختلف تسميتها من منطقة إلى أخرى.
وسط أوضاع غير مألوفة لدول اعتادت حياة مستقرة، يعيش سكان الخليج وحكوماته واقعاً مختلفاً عقب التطورات العسكرية المفاجئة في المنطقة، مما انعكس على تفاصيل الحياة اليومية، بدءاً من احتفالات الأطفال مروراً بالفعاليات العامة وصولاً إلى الدراسة والعمل.
فالأجواء التي اعتادها سكان الخليج في منتصف شهر رمضان بدت هذا العام مختلفة، إذ تزامنت احتفالات "القرقيعان" مع هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة شهدتها المنطقة، مما فرض حالاً من الحذر وأدى إلى اتخاذ إجراءات احترازية في عدد من الدول الخليجية.
ومع تصاعد التوترات عقب الضربات الإيرانية، أعلنت حكومات خليجية سلسلة إجراءات موقتة شملت تعليق بعض الفعاليات الجماهيرية التقليدية مثل احتفالات "القرقيعان" وإخلاء بعض المرافق وتحويل الدراسة إلى نظام التعليم عن بعد، إضافة إلى تقييد الأنشطة البحرية والبرية في بعض الدول.
لا لـ"القرقيعان" هذا العام
تحتفل دول الخليج في منتصف شهر رمضان من كل عام بليلة تعرف باسم "القرقيعان"، وتختلف تسميتها من منطقة إلى أخرى.
و"القرقيعان" موروث تقليدي تشتهر به مناطق ساحل الخليج العربي ويحتفل به الأطفال خصوصاً، وينطلق الاحتفال عادة بعد صلاة المغرب، فتتركز الفعاليات ضمن الأحياء والساحات، ويتجول الأطفال في مجموعات بين البيوت مرتدين الأزياء التقليدية لجمع الحلوى والمكسرات.
لكن هذه الاحتفالات تقام في أماكن مفتوحة، مما دفع بعض الدول الخليجية المتضررة من الضربات الإيرانية إلى مطالبة مواطنيها بعدم السماح للأطفال بالخروج للاحتفال بهذه الليلة.
ودعت كل من الكويت وقطر عبر بيانات رسمية صادرة عن وزارتي الداخلية، إلى تجنب إقامة أو تنظيم الفعاليات خارج نطاق المنزل، بما في ذلك فعاليات "القرقيعان"، مع التأكيد أن هذه الإجراءات احترازية وموقتة ومرتبطة بالظروف الأمنية الراهنة.
إخلاء البحر والمخيمات في الكويت
وفي الكويت، أعلنت وزارة الداخلية خلال بيان رسمي منع النزول إلى البحر للحداق "الصيد" ومنع قوارب النزهة من الإبحار بصورة موقتة وحتى إشعار آخر، كإجراء احترازي يهدف إلى الحفاظ على الأرواح وتفادي أية أخطار محتملة.
وناشدت الوزارة رواد المخيمات البرية تأجيل وجودهم في المخيمات خلال هذه الفترة إلى حين استقرار الأوضاع، حرصاً على سلامتهم وسلامة أسرهم.
وأكدت وزارة الداخلية أن هذه التدابير احترازية وموقتة، مشيرة إلى أن الأجهزة المعنية تتابع المستجدات أولاً بأول، وداعية الجميع إلى التزام التعليمات ومتابعة الأخبار عبر المصادر الرسمية في الدولة.
التعليم عن بعد حتى إشعار آخر
على صعيد آخر، حولت كل من الإمارات والبحرين والكويت وقطر نظام التعليم إلى التعليم عن بعد مع بداية الأسبوع الدراسي، عقب بدء الضربات الإيرانية في المنطقة.
وامتدت الاجراءات الى المؤسسات التعليمية، ففي البحرين اعلنت وزارة التربية والتعليم تحويل الدراسة إلى نظام التعلم عن بعد بدءاً من الأول من مارس (آذار) الجاري وحتى إشعار اخر كإجراء احترازي للحفاظ على سلامة الطلاب.
واتخذت وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي في الإمارات قرار تحويل الدراسة إلى نظام التعلم عن بعد ابتداء من أول من أمس الإثنين إلى اليوم الأربعاء، على أن يعاد تقييم الوضع وفق البيان.
وكذلك اعتمدت قطر نظام التعليم عن بعد لرياض الأطفال والمدارس والجامعات اعتباراً من الأول من مارس الجاري وحتى إشعار آخر، بوصفه إجراء احترازياً وتنظيمياً.
وفي الكويت، أعلنت وزارة التربية استمرار تحويل الدراسة إلى نظام التعليم عن بعد حتى إشعار آخر لجميع المراحل الدراسية والأنظمة التعليمية المختلفة، مؤكدة أنها تتابع تطورات الوضع بالتنسيق مع الجهات المختصة لاتخاذ ما يلزم من قرارات وفق المستجدات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بين القلق ومحاولات الحفاظ على التقاليد
وفي أحد أحياء العواصم الخليجية التي اعتادت أن تمتلئ مساء منتصف رمضان بأصوات الأطفال وأهازيج "القرقيعان"، بدت الشوارع هذا العام أكثر هدوءاً من المعتاد.
وتقول إحدى الأمهات إن أطفالها كانوا ينتظرون هذه الليلة منذ بداية الشهر، وقد أعدوا أكياس الحلوى وملابسهم التراثية كما يفعلون كل عام، لكن الأخبار المتلاحقة عن الصواريخ والطائرات المسيّرة دفعت العائلة إلى إلغاء الخروج والاكتفاء بالاحتفال داخل المنزل.
ويروي بعض السكان أن ليلة "القرقيعان" كانت دائماً مناسبة ينتظرها الأطفال بشغف، لكنها هذا العام جاءت في ظل أجواء إقليمية متوترة فرضت على العائلات موازنة الفرح بالحذر.
ويشير بعضهم الآخر إلى أن هدوء الأحياء وغياب تجمعات الأطفال أعاد للأذهان ما حدث خلال جائحة كورونا قبل أعوام، حين اختفت هذه المظاهر الشعبية موقتاً بسبب الإجراءات الصحية، وبقيت الاحتفالات حينها محصورة داخل المنازل.
ويرى مراقبون أن استهداف دول الخليج في هذا التوقيت يعكس محاولة إيرانية لتوسيع نطاق الضغط الإقليمي ورفع كلفة المواجهة، عبر تهديد الممرات الاقتصادية ومناطق إنتاج الطاقة، إضافة إلى التأثير في الاستقرار العام بالمنطقة، في وقت تبرز هذه التطورات كيف يمكن للأزمات الجيوسياسية أن تمتد تأثيراتها إلى أبسط تفاصيل الحياة اليومية في المجتمعات.
النشأة وتعدد المسميات
وعن نشأة "القرقيعان"، يوضح المؤرخ والباحث في تاريخ الخليج العربي الدكتور علي الدرورة أنه "مناسبة دينية واجتماعية متوارثة بدأت نشأتها في صدر الإسلام تحديداً في المدينة المنورة، وكان من أهم أهدافها اعتياد الطفل المسلم على التواصل الاجتماعي، ونقلت هذه المناسبة إلى القاهرة ودمشق والقدس نظراً إلى هجرة الصحابة للتبليغ بتعاليم الإسلام".
ويكشف الدرورة عن تعدد مسميات هذا الاحتفال بين دول الخليج وتوقيته، فيطلق عليه "حق الليلة" في دولة الإمارات، وتكون هذه الليلة في الـ15 من شهر شعبان بهدف استقبال شهر رمضان.
بينما تحتفل بقية دول الخليج به في الـ15 من رمضان، وفي قطر والبحرين يسمى "القرنقعوة"، و"القرقيعان" و"حل وعاد" و"ليلة الطلبة" و"الناصفة" و"الكريكشون" في الكويت والسعودية، أما في سلطنة عمان فيطلق عليه "القرنقشوة".
وبين رغبة المجتمعات في الحفاظ على تقاليد منتصف رمضان وحسابات السلامة في لحظة إقليمية مضطربة، جاء "القرقيعان" هذا العام أقل ضجيجاً، وأقرب الى احتفال داخل الجدران يراقب الخارج من خلف النوافذ.