ملخص
العنوان، على رغم دقته الزمنية الظاهرة، لا يحيل إلى سنة بقدر ما يحيل إلى حالة ذهنية. فالوثائقي الذي تعرضه "نتفليكس" لا يشتغل على التقويم، بل على المزاج الثقافي الذي تشكل بين فضيحة ووترغيت، وانتهاء حرب فيتنام، وتآكل السردية الأميركية بوصفها قصة تقدم أخلاقي متماسك.
لا يتعامل فيلم Breakdown: 1975 مع السينما بوصفها أرشيفاً جمالياً، بل باعتبارها وثيقة خوف. فبدلاً من أن يقدم سرداً احتفالياً عن عام استثنائي في تاريخ السينما الأميركية، يقترح المخرج مورغان نيفيل قراءة أكثر قلقاً وأقل طمأنينة، قراءة ترى في منتصف السبعينيات لحظة نادرة تجرأت فيها السينما على مواجهة ما لم يكن المجتمع مستعداً للاعتراف به. ليس السؤال الذي يطرحه الفيلم ما إذا كان 1975 عاماً عظيماً، بل ما إذا كانت تلك الجرأة ممكنة أصلاً خارج سياق انهيار شامل في الثقة والمعنى.
العنوان، على رغم دقته الزمنية الظاهرة، لا يحيل إلى سنة بقدر ما يحيل إلى حالة ذهنية. فالوثائقي الذي تعرضه "نتفليكس" لا يشتغل على التقويم، بل على المزاج الثقافي الذي تشكل بين فضيحة ووترغيت، وانتهاء حرب فيتنام، وتآكل السردية الأميركية بوصفها قصة تقدم أخلاقي متماسك.
في تلك اللحظة، لم تعد السينما مطالبة بطمأنة جمهورها أو إعادة إنتاج أساطيره، بل سمح لها، لفترة قصيرة، بأن تكون مرتبكة، عدائية، وغير متصالحة مع نفسها.
جودي فوستر
اختيار جودي فوستر راوياً لهذا التاريخ ليس تفصيلاً شكلياً، بل قراراً دلالياً. صوتها لا يأتي من خارج التجربة، بل من قلبها. بوصفها جزءاً من Taxi Driver، أحد أكثر أفلام المرحلة تطرفاً في مساءلة العنف والعزلة والانهيار الأخلاقي.
تتحول فوستر إلى شاهد متورط لا إلى معلق محايد. هذا التورط يمنح الفيلم صدقيته الأساسية، ويذكر بأن هذه الأعمال لم تكن تمارين نقدية باردة، بل مغامرات فنية ووجودية لفنانين فقدوا يقينهم بأن النظام قادر على إنتاج معنى مقنع.
لا تشترك الأفلام التي يستحضرها Breakdown: 1975 فقط في موضوعاتها السياسية، بل في بنيتها السردية:Chinatown لا ينتهي بالعدالة، بل بالهزيمة Network، لا يقترح إصلاح الإعلام، بل يعري تواطؤه، One Flew Over the Cuckoo’s Nest ، لا يحتفل بالتحرر إلا عبر الفقدDog Day Afternoon ، يحول الجريمة إلى مأزق أخلاقي بلا بطل.
هذه ليست مصادفات أسلوبية. السرد نفسه فقد ثقته بفكرة الحل، وكأن الحكاية الأميركية لم تعد قادرة على إقناع نفسها بنهايتها السعيدة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يدعم نيفيل هذه الفكرة من خلال مونتاج كثيف من اللقطات الأرشيفية والتعليقات، بمشاركة مارتن سكورسيزي، وإلين برستين، وجوان توكسبري، وأوليفر ستون، ويسلي موريس، وريك بيرلستاين وغيرهم، مما يضع الأفلام في سياق انهيار ثقافي أوسع.
ما يتشكل أمامنا هو صورة لصناعة سينما فقدت، موقتاً، ثقتها بوصفاتها الجاهزة، فسلمت زمام المبادرة لصناع أفلام ذوي رؤى شخصية وغالباً مقلقة. تراجع النظام الاستوديوي القديم لم ينتج فوضى مباشرة، بل أنتج مخاطرة.
تناقض
مع ذلك، يظل الفيلم مسكوناً بتناقضه الداخلي. فإذا كان عام 1975 يمثل تحرراً إبداعياً، فهو أيضاً العام الذي بدأت فيه نهايته. Jaws يحضر هنا كثقل رمزي، لا لأنه يفتقر إلى القيمة الفنية، بل لأنه أعاد فرض النظام.
فيلم الحدث الضخم قدم وضوحاً، وفرجة، وانتصاراً على الفوضى. الشر يمكن تسميته، تحديد موقعه، والقضاء عليه. على المستوى الصناعي، أعاد فيلم المخرج ستيفن سبيلبيرغ القدرة على التنبؤ. وعلى المستوى الثقافي، كشف عن عدم ارتياح عميق تجاه المرآة القاتمة التي كانت الأفلام الأخرى ترفعها.
هنا يصبح Breakdown: 1975أكثر إثارة للاهتمام من حجته الظاهرة. الفيلم ليس مجرد حنين إلى عصر الجرأة، بل يحمل نقداً ضمنياً للجمهور بقدر ما ينتقد الصناعة.
أحد الأسئلة غير المحسومة التي يدور حولها نيفيل هو ما إذا كان المشاهد الأميركي يريد فعلاً أفلاماً تتحداه، أم أنه تقبلها موقتاً إلى أن جاءت بدائل أكثر طمأنينة.
فوز Rocky لاحقاً بأوسكار أفضل فيلم على حساب Network وAll the President’s Men لا يقدم هنا كحادثة عرضية، بل كخيار ثقافي.
في المقابل، يتناول الفيلم تعقيد العلاقة بين التاريخ والسينما. إدراج أعمال من 1974 و1976 تحت مظلة 1975 قد يبدو ضعفاً تحليلياً، لكنه يكشف مأزقاً أعمق. التاريخ الثقافي لا يتحرك بخطوط مستقيمة، والسينما، كما السياسة، تعمل بزمن مؤجل.
النصوص تكتب قبل الانفجارات، والأفلام أحياناً تستبق الانهيار بدلاً من أن تعكسه. ارتباك الفيلم، في هذا المعنى، ليس خطأً محضاً، بل عرضاً جانبياً لموضوعه.
ما يبقى بعد مشاهدة العمل ليس مجرد قائمة بالأفلام المميزة، بل إحساس بالخسارة. ليست خسارة المهارة الفنية وحدها، بل خسارة الإذن. الإذن بصناعة أفلام تتحدى السلطة، من دون أن توفر حلاً سحرياً أو نهاية مطمئنة.
تلك الفترة القصيرة كانت استثناءً، لحظة سمحت فيها السينما بأن تنطق بالقلق، بالغضب، وبالغموض الأخلاقي، قبل أن يعاد ضبطها بواسطة رغبة جماعية في الطمأنينة والترفيه المريح.
يتركنا الفيلم مع سؤال أكبر: هل نريد فعلاً سينما تتجرأ على قول ما لا يقال؟ هل ما زلنا قادرين على الاحتمال، على مواجهة الصور التي لا تهدئ، على مشاهدة أبطال مضطربين أو نهايات مفتوحة؟ ربما لم تختف هذه السينما لأنها مستحيلة، بل لأنها لم تعد مرغوبة.
وفي النهاية، يكمن جمال Breakdown: 1975 في كونه مرآة، لا لمجرد الماضي، بل لحاضرنا. إنه تذكير بأن السينما التي اعترفت لم تهزم فنياً، بل أقصيت ثقافياً، وأن ما فقدناه ليس فقط فناً، بل شجاعة جماعية كانت تقبل أن ترى نفسها بلا أقنعة، بلا ضمانات، وبلا خلاص مفترض.