ملخص
يتفرّد الفيلم في تقديم الكارثة بوصفها مواجهة سياسية وثقافية، لا مجرد مأساة إنسانية. فالهجوم الذي تعرّض له السيناتور سميث من الصحافة البريطانية والنخب البحرية لم يُضخّم درامياً، بل عُرض كما كان: سخرية مقصودة لتقويض المساءلة وحماية المصالح. ويظهر إصرار سميث لا كشخصية مثيرة للجدل، بل كتهديد حقيقي لنظام كامل.
بعد أكثر من قرن على غرق السفينة "آر أم أس تايتانيك" في أعماق المحيط الأطلسي، لا تزال هذه المأساة تلقي بظلها الثقيل على الذاكرة الجماعية والخيال السينمائي. يأتي فيلم "غير قابلة للغرق" Unsinkable: Titanic Untold ليقارب القصة من زاوية مختلفة، هادئة في ظاهرها لكنها جذرية في جوهرها.
فبدلاً من إعادة تمثيل الاصطدام بالجبل الجليدي أو الانغماس في الاستعراض البصري، يوجّه الفيلم عدسته إلى ما بعد الكارثة: لحظة المحاسبة السياسية، والبحث عن المسؤوليات، والأسئلة المقلقة التي طُرحت حين وصل الناجون إلى اليابسة. وبهذا، يتجاوز المقارنة المباشرة مع فيلم جيمس كاميرون الملحمي Titanic، لا بمنافسته في الحجم، بل بإعادة تعريف ما يمكن أن يكون عليه فيلم عن السفينة.
بموازنة متواضعة إلى حدٍ يكاد يكون مقصوداً، يحوّل صُنّاع الفيلم القيود الإنتاجية إلى خيار جمالي. النتيجة عمل درامي يعتمد على اللغة والشهادات والتوتر الأخلاقي، لا على المشاهد الضخمة. فإذا كان فيلم كاميرون يتناول الكارثة كتجربة معيشة، فإن Unsinkable يتعامل معها بوصفها ملفاً: أدلة تُفحَص، وأسئلة تُجادَل، وحقيقة تُسيَّس وتُطمَس أحياناً.
يركز المخرج كودي هارتمان في عمله، على تحقيق مجلس الشيوخ الأميركي الذي أُطلق فور وقوع الكارثة. تدور القصة حول السيناتور ويليام ألدن سميث، الذي يجسده كوتر سميث بحزم واضح، وهو يترأس جلسات الاستماع لتحديد ما إذا كان غرق السفينة قضاءً وقدراً أم نتيجة أخطاء بشرية.
يرافقه مساعدته ماغي مالوي (جاين ويسنر)، والصحافية الاستقصائية ألين ريكارد (فيونا دوريف)، التي تفتح تحقيقاً موازياً يتجاوز محاضر الجلسات الرسمية إلى عوالم النفوذ والمصالح.
وتظهر كارين ألين في دور زوجة السيناتور، مضيفة بعداً إنسانياً هادئاً إلى قلب الدراما السياسية. ويشارك في الأدوار المساندة كل من سام توريتش بدور ج. بروس إسماي، وبريندان غريفين بدور تشارلز لايتولر، وهما من الشخصيات الحقيقية التي مثلت أمام التحقيق.
المصداقية
تتمثل إحدى أبرز نقاط قوة الفيلم في إحساسه العالي بالمصداقية. فجزء كبير من الحوار، المقتبس من مسرحية Titanic to All Ships للكاتبة إيلين إنرايت هودجيتس، يحمل إيقاع اللغة الرسمية لمحاضر الكونغرس.
وبدلاً من أن يبدو ثقيلاً، يمنح هذا الأسلوب الفيلم طابعاً شبه وثائقي، يجعل جلسات الاستماع أقرب إلى إعادة إحياء للتاريخ منها إلى مشاهد تمثيلية. هناك متعة خاصة في الاستماع إلى هذا الحوار: لياقة لغوية تخفي عداءً، ودقة قانونية تدور حول غضب أخلاقي مكبوت.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
والأهم أن الإطار التحقيقي الذي يقدمه الفيلم ليس اختراعاً درامياً، بل انعكاس أمين لما جرى فعلاً. فقد انعقد تحقيق مجلس الشيوخ برئاسة ويليام ألدن سميث كما يصوّره الفيلم تماماً، بدءاً من جلساته الأولى في فندق والدورف أستوريا في نيويورك، ومن ثم انتقاله لاحقاً إلى واشنطن العاصمة.
وقد استُدعي ناجون ومسؤولون كبار في شركة "وايت ستار لاين"، بينهم إسماي ولايتولر، للإدلاء بشهاداتهم تحت القسم. كذلك فإن كثيراً من الأسئلة الحاسمة في الفيلم مأخوذة حرفياً من السجلات الرسمية.
والأسئلة التي سخر منها الإعلام البريطاني آنذاك - حول قوارب النجاة، وتصميم السفينة، وتمارين الطوارئ، والاتصالات اللاسلكية - ثبت لاحقاً أنها كشفت إخفاقات جوهرية. يعكس الفيلم بدقة حجم العداء الذي واجهه سميث، بخاصة من الأوساط البحرية البريطانية، في صورة صراع بين الحقيقة والهيبة القومية. وعلى رغم إدخال شخصيات خيالية لتوسيع المنظور السردي، فإن جوهر التحقيق يبقى تاريخياً ودقيقاً.
قرن على الشاشة
لفهم ما يقدمه Unsinkable، لا بد من وضعه ضمن السياق السينمائي الطويل لقصة تايتانيك. فقد تناولت السينما هذه المأساة مراراً، وكل مرة عكست مخاوف عصرها وحساسيته.
من فيلم Saved from the Titanic (1912) ، الذي صُوِّر بعد أسابيع فقط من الغرق وبطولة إحدى الناجيات، إلى فيلم Titanic (1943) الذي استُخدم كأداة دعائية نازية، وصولاً إلى A Night to Remember (1958)، الذي يُعد من أكثر الأعمال دقة واحتراماً تاريخياً.
ومن ثم يأتي فيلم جيمس كاميرون Titanic (1997) ليعيد صياغة القصة لجمهور عالمي، جامعاً بين إعادة بناء تقنية مذهلة وقصة حب ملحمية، ليصبح النسخة الشعبية الأشهر من الحكاية. وتلت ذلك أعمال أخرى، مثل Raise the Titanic (1980) والمسلسل التلفزيوني Titanic (2012) لجوليان فيلوز، التي ركزت على الاستعراض أو الصراع الطبقي أو الميلودراما.
ما يميز Unsinkable عن كل هذه الأعمال، رفضه جعل الغرق نفسه محور الحكاية، واختياره التركيز على الغرف المغلقة حيث نوقشت المسؤوليات وتعرّضت للمراوغة.
دراما سياسية متخفية
يتفرّد الفيلم في تقديم الكارثة بوصفها مواجهة سياسية وثقافية، لا مجرد مأساة إنسانية. فالهجوم الذي تعرّض له السيناتور سميث من الصحافة البريطانية والنخب البحرية لم يُضخّم درامياً، بل عُرض كما كان: سخرية مقصودة لتقويض المساءلة وحماية المصالح. ويظهر إصرار سميث لا كشخصية مثيرة للجدل، بل كتهديد حقيقي لنظام كامل.
وتأتي شخصية الصحافية ألين ريكارد، على رغم كونها خيالية، لتؤدي دوراً محورياً في توسيع زاوية الرؤية. فمن خلالها، يستكشف الفيلم كيف تنتقل المعلومات خارج أروقة السلطة، وكيف يعمل النفوذ في الظل بقدر ما يعمل في العلن. أما الخيوط المرتبطة بنظريات المؤامرة، فتُطرح بحذر، بوصفها انعكاساً لقلق عصر كامل من سطوة رأس المال والصناعة.
لا يقدّم الفيلم التاريخ في قالب مريح. فقوارب النجاة التي أُطلقت نصف فارغة، والسفن القريبة التي لم تستجب، والانقسامات الطبقية التي حددت فرص النجاة، كلها تُعرض كحقائق ثابتة، لا كعناصر صادمة. وحتى صورة الفرقة الموسيقية التي واصلت العزف تُعالج بحذر، مع الاعتراف بقيمتها الرمزية من دون تجاوز ما هو مؤكد تاريخياً.
تأتي مشاهد الاسترجاع إلى ليلة الغرق مقتضبة وبسيطة بصرياً، وقد تكشف أحياناً حدود الموازنة، لكنها تخدم الفكرة الأساسية: الكارثة لم تعد بحاجة إلى إعادة تمثيل. الرعب الحقيقي يكمن في ما تلاها.
قد يفتقر العمل إلى البذخ البصري والرومنسية التي اعتادها جمهور أفلام تايتانيك، لكنه يعوّض ذلك بجدية فكرية ووضوح أخلاقي. يذكّرنا بأن الكوارث لا تنتهي عند لحظة الاصطدام أو الغرق، بل تستمر في الشهادات والإنكار والإصلاحات والذاكرة. فيلم كودي هارتمان لا يسأل كيف غرقت تايتانيك بقدر ما يسأل: لماذا سُمح لها أن تغرق، ومن حاول أن يمنع الحقيقة من الغرق معها.
إنه فيلم يتعامل مع التاريخ لا كأسطورة أو قصة حب، بل كجدل مفتوح، جدل لا يزال صداه مقلقاً حتى اليوم.