ملخص
تتحرّك الأحداث بين عدد من الوقائع المفاجئة التي تزيد الأمور تعقيداً، فكلّما اقترب المجرى من مصبّ الحلّ يطرأ عليه ما يزيد الأمور تعقيداً. وبذلك، نكون إزاء رواية مثيرة، تشحن فضول القارئ كلّما أوغل في عملية القراءة
تزجّ مديرة شركة التنظيفات السيّدة جيم ابنة مساعدتها جيمي في إحدى عمليّاتها المشبوهة، في العلاقة بين المديرة والمساعدة، في رواية "كاذبون ساحرون جداًّ" للروائية الأميركية كارين م. ماكمنوس، الصادرة عن الدار العربية للعلوم ـ ناشرون في بيروت، بتعريب غسان شبارو.
ولعل واقعة الزج هذه تترتّب عليها سلسلة من الأحداث المنتظمة في فضاء روائي بوليسي، حافل بالمغامرات، وزاخر بالإثارة والتشويق. وتشترك فيها مجموعة من الشخوص، تتوزّع على ثلاثة أجيال، تنخرط في صراع فيما بينها، يتمظهر في مسارين سرديين، يتوازيان ويتقاطعان ويتكاملان، في إطار النسيج الروائي، ويؤدّيان إلى مصائر معيّنة، تختلف من شخصية إلى أخرى. ولعلّ هذه العمليات هي ما جعل الرواية الأكثر مبيعاً على قائمة نيويورك تايمز.
صراع أجيال
المفارق في هذا الصراع بين الأجيال أنّ جيل الأحفاد هو الأكثر تمسّكاً بالقيم الأخلاقية، يرفض الخطأ أياًّ كان مرتكبه، يحاول البحث عن الحقيقة، يضع الأمور في نصابها، ينتقد سلوكيّات الآباء الخاطئة. بينما نرى جيل الآباء يسدر في غيّه، ولا يتورّع عن ارتكاب الأخطاء والخطايا، والأمر نفسه ينطبق على جيل الأجداد.
ومن خلال هذا الصراع ومجرياته، تتمّ تعرية الطبقة الغنية في المجتمع، المهووسة بالمظاهر، والمتمسّكة بالطقوس، والمهتمّة بصورتها الخارجية بمعزل عمّا يكتنف داخلها من أعطاب، من جهة، وتتمّ إماطة اللثام عمّا تتردّى فيه الطبقة الفقيرة من أوصاب، تُضطرّها إلى القيام بأعمال غير مشروعة كي تتخلّص من أوصابها، من جهة ثانية.
تدور أحداث الرواية، بمعظمها، في مجمّع ساذرلاند في بلدة بيكسبي من ولاية ماين، ذات أسبوع من شهر أغسطس (آب)، خلال الاحتفال بعيد ميلاد الجدّ روس ساذرلاند الذي تُدعى إليه علية القوم. فتستغلّ السيدة جيم التي تتخذ من شركة التنظيفات واجهة لتزييف المجوهرات وبيعها باعتبارها أصلية المناسبة، وتُرسل مساعدتها جيمي في مهمّة تبديل سلسلة ياقوت أصلية تعود لأناليس ابنة صاحب المجمّع بأخرى مقلّدة تعود لها، مقابل أن تفرج عن جيمي، وتساعدها في تأسيس مشروعها الخاص، فتتوجّه الأخيرة لإنجاز مهمّتها الأخيرة، وتصرّ ابنتها كات على مرافقتها.
ومن جهة ثانية، يتوجّه السيد لوك إلى المجمّع بصحبة ابنه ليام، تلبية لدعوة من أناليس التي يفكّر في الزواج بها، ويُخطّط للاستيلاء على ثروتها، وهو صاحب التاريخ في الإيقاع بالنساء. وهكذا، تشكّل أناليس هدفاً مشتركاً لجيمي ولوك، اللذين ربطت بينهما علاقة زواج عابرة لثمانٍ وأربعين ساعة، منذ اثني عشر عاماً، فيلتقيان مجدّداً في المجمّع لأسباب مختلفة.
غير أنّ ريح الأحداث تجري بما لا تشتهي سفينة كلٍّ منهما. ذلك أنّه، خلال الحفل تحصل تطورات غير متوقّعة، فيتمّ قتل باركر ابن صاحب المجمّع المحتفى به، وتُسرق السلسلة الأصلية من صاحبتها، وتتعرّض جيمي لمحاولة قتل، ويُقتل زوجها الأسير السابق باروماك، ما يُخرج الأمور عن مسارها.
مخطّط جهنّمي
يتبيّن من خلال السرد أنّ الأحداث كانت تجري وفق مخطّط جهنّمي وضعته السيدة جيم لتحقيق مجموعة من الأهداف، تتمثّل في الاستيلاء على السلسلة الأصلية، والإيقاع بمساعدتها جيمي، والتخلّص من زوجها السابق باروماك، وتحميلها مسؤولية مقتله، وإلصاق الأعمال المشبوهة بها، وإبعاد التحقيق عن ابنتها مورغان بعد افتضاح أمرها. وهكذا، تصيب عدّة عصافير بمخطّط واحد. وقد استخدمت لتحقيق ذلك مجموعة أدوات، منها جيمي ولوك وباروماك وابنتها مورغان.
غير أنّ خروج الأخيرة عن الدور المقرّر لها، في أواخر الرواية، يسهم في إخراج المخطّط عن مساره، ويقلب الطاولة على الضالعين فيه، فيتمّ القبض على جيم، ويُطرد لوك من المجمّع ويُقتاد إلى التحقيق، ويُقتل باروماك على يد مورغان. على أنّ الطامّة الكبرى التي تشكّل مفاجأة الأحداث تتمثّل في أنّ اناليس هي التي تقف وراء مقتل أخيها باركر في الغابة تصفية لحساب عائلي قديم معه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في هذا المناخ البوليس، تطفو على السطح أحداث إيجابية، تتمظهر في العلاقة الثلاثية بين كات ابنة جيمي، وأخيها غير الشقيق ليام ابن لوك، وأوغسطس حفيد الجد المحتفى به روس. ذلك أنّ نوعاً من الانسجام والتعاون والتواطؤ غير المعلن يقوم بين الثلاثة المنتمين إلى الجيل الثالث في الرواية، يؤدّي إلى المساهمة في تفكيك لغز الجرائم المرتكبة، على أنواعها.
ولعلّ ما سهّل قيام هذه النوع من التعالق مجموعة من نقاط التقاطع بين الشخوص الثلاثة؛ فهم ينتمون إلى المرحلة العمرية نفسها، وكلٌّ منهم يعاني عطباً معيّناً في العلاقة بأسرته، وجميعهم ينتقد تصرّفات الأهل، ويرفض الخطأ، ويجرؤ على المجاهرة برفضه، ولا يتورّع عن ممارسة النقد الذاتي.
والمفارق أنّ هذه الإيجابيات تصدر عن الجيل الأصغر في الرواية بينما يمعن الكبار في ارتكاب الأخطاء والخطايا. ويأتي توطيد الأخوّة بين الأخوين غير الشقيقين كات وليام، من جهة، وتبلور الحب بين كات وأوغسطس، من جهة ثانية، ونموّ الصداقة بين ليام وأوغسطس، من جهة ثالثة، لتشكّل تتويجاً لتلك الإيجابيات، وتفتح الرواية على نهايات سعيدة مفارقة لتلك البائسة التي آلت إليها الشخوص السلبية.
إثارة وتشويق
هذه الأحداث، على تنوّعها واختلافها، تعهد ماكمنوس برويه إلى راويين مشاركين، هما كات وليام، فيقومان بذلك بالتناوب فيما بينهما، في خمس وخمسين وحدة سردية، بعدد 32 وحدة لكات، و23 وحدة لليام، ما يجعلنا إزاء مسلكين سرديين، يبدآن من نقطتين مختلفتين، يتوازيان، ويتقاطعان في نقاط كثيرة، ويتّحدان في نهاية الرواية.
وهكذا، تقوم العلاقة بينهما على التوازي والتقاطع والتكامل، ويُشكّلان معاً المنظور الروائي. أمّا العلاقة بين الأحداث، ضمن السلك الواحد، فهي خطّية سببية بامتياز. غير أنّه، وفي إطار هذه الخطّية السببية، تبرز وقائع مفاجئة لم ترهص بها الأحداث، فتشكّل نقاط تحوّل في مجرى السرد، وتزيد من درجة الإثارة، وتصرف اهتمام القارئ إلى بؤرة أخرى.
وعليه، تتحرّك الأحداث بين عدد من الوقائع المفاجئة التي تزيد الأمور تعقيداً، فكلّما اقترب المجرى من مصبّ الحلّ يطرأ عليه ما يزيد الأمور تعقيداً. وبذلك، نكون إزاء رواية مثيرة، تشحن فضول القارئ كلّما أوغل في عملية القراءة. ونكون إزاء روائية محترفة، تتقن العزف على أعصاب المتلقّي، وتجذبه إلى حقلها المغناطيسي. ولعلّ هذه التقنيات هي ما جعل الرواية تتبوّأ قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في نيويورك تايمز، وبالتالي، تستحقّ القراءة.