Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الروائي وأبطاله... علاقات شائكة بين الواقع والتخييل

الكاتب يفرض سطوته على الشخصيات التي يبتدعها أم هي التي تتحكم به؟

تشارلز ديكنز يحلم بأبطاله: لوحة للرسام روبرت وليم بوس (موقع ديكنز)

بين الكاتب وأبطاله، هناك دائماً علاقة شائكة، محفوفة بالقلق والدهشة، كانت ولم تزَل مساراً للجدل والأسئلة. فبينما ظلت شخوص أجيال من الكتّاب أسيرة المثالية والتنميط، تمردت أجيال أخرى على هذه المثالية وتخلت عن فكرة البطل النموذج، لتحل محلها فكرة البطل الواقعي، الذي يحمل من بشريته جانبيها المضيء والمظلم معاً. وبات التحوّل سمة لبعض الشخوص داخل النص، ثم ازدادت مساحة التشابك بين الكاتب والبطل، لتصبح الحقيقة الوحيدة الثابتة في علاقتهما، أن لا شيء يظل ثابتاً. فليس الكاتب دائماً من يفرض سلطته على شخوصه، بل أحياناً تفرض هي سطوتها عليه وتتحرر من إرادته، لتسلك طريقاً ربما لم يرِده لها. وليست دائماً وليدة التعايش، لكنها أيضاً ابنة التخييل. يستدعيها صانعها بلسان الأنا، وربما يتطلع إليها من خارج النص. وتبقى هذه العلاقة على تعقيدها، المسؤول الأول عن نجاح العمل، وتماسك البناء الروائي، أو كما يصفها الكاتب الفرنسي أوليفيه آدم بمحاولة ضبط مؤشر الراديو، ما إن تبلغ التردد الصحيح حتى يبدأ الاستمتاع.

الرواية ملاذ

علاقة فريدة تربط الكاتب المصري إبراهيم عبد المجيد مع شخوصه، كانت رواية "السايكلوب" إحدى تجلياتها، إذ رصدت تماهي الكاتب مع شخوصه، واستدعاءهم من المتخيل إلى العالم الحقيقي. وهذا الأمر يشرحه عبد المجيد قائلاً: "بينما يتخلص الكاتب من مشاعره القديمة بالكتابة، يحدث معي العكس تماماً، فتخرج الشخوص من عالمها وتلازمني، إلى حد أن ضبطت نفسي مراراً متلبساً بالبحث عنها، ثم أنتبه إلى أنني أنا من صنعتها".

ويعتبر عبد المجيد شخصية "مختار كحيل" بطل رواية "كل أسبوع يوم جمعة"، أكثر الشخصيات التي لازمته وعبرت عالمه الحقيقي إلى الحد الذي دفعه للبحث عنه في شوارع وسط البلد، وفي المبنى الذي قرر له - روائياً- أن يقطنه. ويقول: "اضطررت إلى اللجوء للحبوب المهدئة، من أجل تجاوز كحيل ونسيانه". ويعزو ذلك إلى التشابه الفكري بينه وهذه الشخصية، لا سيما في طبيعة الفهم الوجودي.

وعن رحلته العكسية إلى النصوص، وحضوره عبر شخوصه، يؤكد أن صعوبة قيام الكاتب العربي بكتابة سيرة ذاتية جريئة وحقيقية وكاشفة، تجعل النص الروائي ملاذاً له. ويدلل بتجربته الشخصية، قائلاً: "من حسن حظي أن تجربتي كبيرة ومتغيرة وأن الحياة منحتني فرصاً للحصول على خبرات كثيرة في أماكن مختلفة. وانتقلت هذه الخبرات بالطبع إلى كتاباتي. فكنت ’الطفل كروان‘ في رواية ’طيور العنبر‘.  وفي رواية ’أداجيو‘، تسلل عبر الشخوص، جزء مني ومن تجربتي مع زوجتي الأولى وصراعها مع المرض. وفي رواية ’في الصيف السابع والستين‘، حضر شعوري بمرارة النكسة. وحضر الجانب الأكبر مني، في شخصية ’صابر سعيد‘، بطل رواية ’هنا القاهرة‘ كذلك".

ويؤكد أن الكاتب لا يظهر كشخصية في نصوصه فحسب، ولكن أيضاً يبرز كفكرة، مشيراً إلى صورة المرأة في أعماله، وعلاقات الحب التي كان البطل يتحمّل وحده عبء إخفاقها، بينما تنال المرأة صك الغفران، معللاً ذلك بتقاطع المتخيل مع الواقعي وشعوره الحقيقي بالذنب بسبب تجارب عاشها.

ليست الشخوص وحدها من تمثل خصوصية لدى عبد المجيد. فالكون دائماً في حال من التماهي مع روح الكاتب، ما يجعله يستشرف ما يحدث أحياناً. ويقول: "حين قررت أن يتعرض بطل إحدى رواياتي للاعتقال، من قبل عناصر ’أمن الدولة‘، تعرضت للمصير ذاته أثناء كتابتي للرواية". وعن تجربته الأخيرة مع المرض، وهل ستجد طريقاً عبر شخوصه إلى عالمه الروائي، يقول: "النسيان هو ذاكرتي الحقيقية. ولا يمكنني الكتابة عن تجربة، إلا بعد انقضائها، وعبورها إلى اللاوعي. فلم أنتهج يوماً خطة، ولم أدوّن أبداً ملاحظات".

شخوص حقيقية

تستهل الكاتبة الجزائرية ربيعة جلطي حديثها بما ذهب إليه أرسطو من أن الأرض هي التي تلهمنا التراجيديا، في إشارة منها إلى أن ما ينتجه الكاتب، يكون ثمرة ما عايشه. فالأدب - تقول- ينبت في تربة العقل وحقول الوجدان. لكنها تؤكد في المقابل أن للكاتب جنونه، الذي يحوّل الواقع إلى مادة تخييلية، أكثر إدهاشاً وتأثيراً.

وتضيف: "ليس سرّاً إن قلنا إن غالبية الروايات الأولى للكتّاب عموماً، تكون أقرب إلى السيرة الذاتية وتمتح من تجارب وأحداث، وشخوص عايشها كل كاتب بنفسه". وتتساءل جلطي: "كيف نصدق مقولة أغاثا كريستي: ’الكتب هي ما يهمّ القراء وليس التنقيب في حياة الكتّاب‘، ونحن نلاحظ المتابعين والدارسين والمغرمين بفن السرد في العالم، يقرأون بمتعة كبيرة الروايات المبنية على أحداث واقعية، مثل أعمال غوستاف فلوبير وفيرجينيا وولف وتولستوي، وماركيز الفائز بجائزة نوبل عن أعجوبته ’مئة عام من العزلة‘، التي استلهم أحداثها وشخصياتها من قريته المنسية أراكاتاكا في كولومبيا".

وعن تجربتها الخاصة، تقول ربيعة جلطي: "على الرغم من نزوع غالبية أعمالي نحو الفانتازيا والعجائبية ومستجدات العقل الاصطناعي، كما في رواية ’قلب الملاك الآلي‘، فإن الشخوص عادة ما تحمل أوصافاً وجينات لشخصيات حقيقية، سياسية وتاريخية واجتماعية وحربية، معروفة قليلاً أو كثيراً. لكنها تظل تحتمي بغلالة فنية جمالية، تحفظ سر حقيقتها المطلقة".

وتستشهد بروايتها "الذروة" التي كانت بطلتها "أندلس" تستمع بشغف إلى جدّتها "لالة أندلس"، مؤكدة أنها - من دون قصد منها-  طابقت صورة جدتها لأبيها لالة فاطمة الزهراء، التي كانت تحضر مجالسها في طفولتها.

في المقابل، ترى أن  الصدق الفني ينفخ الروح في الشخصيات. وتذكر أنها في إحدى ندواتها لتقديم روايتها "عازب حي المرجان"، صادفت رجلاً بين الجمهور بسيط الهندام. اقترب منها بعد الندوة. وقال لها بصوت مرتبك: "اسمحي لي سيدتي أن أخبرك بأنني أنا هو الزبير"، بطل الرواية، ثم كفكف دمعة!

استقلال الأبطال

يقول الكاتب العراقي زهير كريم: "من الطبيعي أن تظهر شخصية الكاتب في نصوصه الأدبية، لا سيما نصه الأول بشكل خاص". ويذكر روايته الأولى "قلب اللقلق"، التي حوت الشخصية المحورية فيها "لقلوق" مزيجاً من أفكاره التي يؤمن بها، أحلامه التي لم يحققها، مشاعره الإيجابية والسلبية على حد سواء، انتصاراته وانكسارته، ثم أضفى عليها أفكاراً أخرى، تخص العفونة في رأس السلطة.  ويصف زهير كريم هذا المزج بعملية كولاج معقدة، أثمرت شخصية أحبَّها القارئ.

ويضيف: "أجد نفسي حاضراً بدرجة ما داخل شخصياتي، تتسلل إلى نسيجها خيوط من طفولتي، ذكرياتي، تجاربي، أصدقائي، وأيضاً أولئك الذين أحمل ضدهم مواقف أخلاقية".

وعن تقنيات السرد الذاتي وإحالته إلى التداخل بين الكاتب والراوي، يقول: "يعتمد الكاتب أحياناً ضمير المتكلم، كصيغة لطرح خطابه الأدبي، على نحو يخدم السياق السردي. وهنا يتعاطى القارئ غير الخبير، مع الشخصية المحورية على أنها شخصية الكاتب، بينما الكاتب مختبئ في الحقيقة خلف الراوي. وهو شخصية متخيلة، ولا نعرف بالضبط حجم العلاقة بينهما".

ويؤكد أنه، على الرغم مما تحمله النصوص، من أفكارٍ لا تتولد إلا عن المخيلة، فإن قدرة الكاتب على الخداع والتواري من أجل إقصاء ذاته الحقيقية بعيداً من النص، لن تتحقق أبداً وسيستمر شيء منه في الظهور - طواعية- في شخصياته.

ويضيف: "على الرغم من محاولاتي لأن أجعل شخوص أعمالي منزّهة عن المبالغة، وإبعاد عاطفتي أثناء بناء العمل، فإن الأمر لا يسير دائماً كما أتمنى، بل أقف أحياناً مكتوف اليدين أمام الشخصيات، وأنا أراها تتحرك خارج مخططي السردي، فأتنازل عن سلطتي عليها، وأمنحها الحرية". ويعزو زهير ذلك إلى سمة شخصيات السرد، التي تسعى دائماً إلى الاستقلال عن الكاتب.

في المقابل، يرى أن الكاتب قد يتأثر بشخصية ما نسجها في عمل أدبي وتنعكس التراجيديا التي أحاطت بها داخل العمل على حياته الحقيقية، لا سيما إن كان هناك ما يربط تلك الشخصية بالواقع المعيش.

وعلى الرغم من أنه ينفي بلوغه هذا الحد من التأثر، فهناك كتّاب آخرون توحدوا مع شخوصهم، يُذكر منهم ماركيز، الذي بكى بعد أن أنهى روايته "ليس لدى الكولونيل من يكاتبه"، وحين سألته زوجته أخبرها أن الجنرال قد مات!

الفقاعة والألم

تقول الكاتبة المغربية ريم نجمي: "فهمت بفضل الكتابة معنى التقمص الذي يتحدث عنه الممثلون. ذلك التوحد مع الشخصية، الذي يجعلك تشعر بأحاسيسها، بما تفكر به، إلى درجة أن تلك المشاعر تستمر، حتى بعد انتهاء عملية الكتابة". وتضيف: "عندما كنت أكتب رواية ’تشريح الرغبة‘، كانت الكتابة بالنسبة لي تشبه دخول عالم موازٍ، كأني داخل فقاعة تحجب عني الواقع. لا أبالغ إن قلت إني في عملية الخروج من هذه الفقاعة، كنت أشعر بنوع من الألم. وحين أخرج إلى الشارع، أشعر بأني لا أنتمي إلى هذا العالم، وأني آتية من عالم آخر.  كـ’المندوهة‘ أو ’المجذوبة‘". لكن هذا الأثر - بحدّ وصفها- يحدث فقط أثناء عملية الكتابة، ولا يستمر بعد ذلك.

وترى أن الكاتب إذا كتب عن خبرة ذاتية، ستكون لشخصيته صدقية أكبر، نابعة من تلك التفاصيل، التي تغذي الحدث وترسم الشخصية. لكن هذا لا يعني - في منظورها- أن الكاتب، الذي لا يُظهر بعض ذاتيته في العمل، لا يمنح شخصيته بعداً حقيقياً وصادقاً. فهنا تظهر حرفية الكاتب، وغنى خياله، وقدرته على منح نصه طابعاً صادقاً. وتؤكد أن هذا الأمر يأتي طوعاً مع الخبرة.

الحقيقي والقناع

يقول الكاتب المصري صبحي موسى: "في السرد السِيَري أو الرواية القائمة على السيرة الذاتية، تكون الأمور واضحة. فالكاتب يعرف شخوصه في الواقع، وغالباً لا يجهد نفسه في رسم ملامحهم ولا أفكارهم. أما في السرد الغيري، أو شبه المنفصل عن الكاتب، فالعلاقة دائماً ما تكون ملتبسة. فثمة شخصية لا يمكن أن تكون في حال من الأحوال شخصية المؤلف. لكن المؤلف أعطاها من روحه، وطرائق تعامله في الحياة، بما جعلها نسخة أخرى منه. ولكن في هيئة وزيّ، وربما زمن، وبالتأكيد مكان آخر".

ويكمل: "في روايات كثيرة، كنت أعتمد على البطل المثقف، مثل مدير التحرير في ’حمامة بيضاء‘، أو الفنان التشكيلي  في ’صمت الكهنة‘، أو الصحافي في ’نقطة نظام‘. وهذا التشابه مع الشخصية يسهل البوح، والتماهي مع البطل، وتصريف العالم بسهولة ويسر. في أعمال أخرى، أتماهى مع ما يمكن تسميته بالقناع، مثل شخصية بن لادن في ’أساطير رجل الثلاثاء‘، وشخصية أنطونيوس في ’صلاة خاصة‘".

 ويعتبر صبحي موسى أن أكثر الأقنعة قرباً منه، كانت شخصية "مراد" في رواية "الموريسكي الأخير"، ويشير إلى أن الكاتب حين يتمثل شخصية ما، تتطابق روحاهما، وتصبح تصرفاتها في الرواية، هي تصرفاته في الواقع، مضيفاً: "حين كتبت عن شخصية ’حور محب‘ في ’صمت الكهنة‘، وهوعالم فلك وتنجيم، كنت أستطيع توقّع الأشياء مثله. وكلما توقعت شيئاً حدث. حتى كدت أتصور أنني المسؤول عما يقع في العالم من كوارث".

ويؤكد أن تحوّل الشخوص هو سر ثرائها، أما الشخصيات الثابته، فهي شخصيات نمطية، لا يمكن قبولها - برأيه- إلا في الأدوار الثانوية.

مساحات التخييل

يلجأ الكاتب أحياناً إلى استخدام ضمير المتكلم، أو ما يُسمّى بأسلوب "السرد الذاتي" كوسيلة لتعزيز صدقية النص. لكن الكاتب المصري عثمان مكاوي يؤكد أن هذا الأسلوب محفوف بالمخاطر، لأن عدداً من القراء -على حد قوله - يعتبرون أن ما تقوم به الشخصية في العمل، هو ما يقوم به الكاتب في الواقع! ولا يستطيعون الفصل بين بطل العمل وكاتبه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والمشكلة الكبرى - برأي مكاوي- تحدث عندما تأتي شخصية بأفعال، مثل القتل والسرقة، أو أي فعل ترفضه العادات والتقاليد. وعلى الرغم من إيمانه بأن نضج الكاتب يتزامن مع زيادة مساحات التخييل في النص، فإنه لا ينكر حضوره في أعماله الروائية، خصوصاً في روايته "أعطني الناي"، إذ شارك شخصيته المحورية حبها المستحيل.

مراقبة العالم

يرى الناقد محمد سليم شوشة أن الصوت داخل العمل الروائي، يمثل التحدي الأصعب لأي كاتب وأن الظواهر الموجودة في الرواية العربية، يغلب عليها النمط الكلاسيكي لصوت السرد، والذي يكون بضمير الغائب أو المتكلم. ويعلل غلبة السرد الذاتي، على غالبية نصوص الأدباء الشباب، بقيامهم بنقل حكاياتهم الشخصية، وهم بذلك - على حد قوله- لا يستثمرون طاقات الراوي.

أما بالنسبة إلى فئة المحترفين من الكتّاب، فيرى شوشة أنهم يتعاملون مع صوت السرد، سواء الأنا، أو الراوي العليم، وفق استراتيجية محددة وموظفة لخدمة غايات النص.ويعتبر أن الأصوات المتعددة، من أهم تقنيات الخطاب السردي، التي تبرز كل شخوص البناء بالطريقة  ذاتها. ويؤكد أن صناعة الشخصية ورسم ملامحها، يمثل تحدياً آخر أمام الكاتب وأنه حين ينحصر في تجربته الخاصة، لن يتمكن من تقديم نمط أو نموذج قوي، مثل شخصية "السيد أحمد عبد الجواد"، التي قدمها نجيب محفوظ في الثلاثية، أو شخصية "الشيخ حسني"، التي قدمها إبراهيم أصلان في روايته "مالك الحزين". ويرى شوشة أن عبقرية الكاتب تكمن في إبراز نموذج إنساني، يمثل علامة داخل النص بغض النظر عن مساحته في السرد.

ويعتبر أن مراقبة الحياة تتيح للكاتب انتقاء شخوص، تتحقق لها صدقية التناول، من دون أن يكون الكاتب جزءاً من الحكاية في الواقع الحقيقي، مدللاً بشخصيات نجيب محفوظ التي كان يلتقطها من مراقبة العالم.

المزيد من ثقافة