Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بعد تأجيل استحقاقات الأمازيغ... هل يتكرر سيناريو أزواد مالي في ليبيا؟

برزت مخاوف من أخطار التفكك المحتملة بعد الاعتراف بـ"أرض الصومال"

يشكل الأمازيغ مكوناً رئيساً من مكونات التركيبة الاجتماعية الليبية وينتشرون في كثير من المناطق (أ ف ب)

ملخص

"القضية الأمازيغية في ليبيا تتشارك وترتبط مع المسألة الأمازيغية في كل المنطقة المغاربية، إلا أنها عانت اضطهاداً ممنهجاً خلال الحقبة ’القذافية‘ في مجالاتها الهوياتية والثقافية واللغوية".

تعيش ليبيا منذ سقوط نظام الرئيس السابق معمر القذافي عام 2011، حالاً من الانقسام السياسي والأمني والاقتصادي، لتنشأ حكومتان متنافستان على الأرض واحدة في الغرب وأخرى في شرق البلاد، انقسام لم تنجح كل المساعي الأممية والمحلية في تجاوزه.

وبعد الاعتراف بـ"أرض الصومال"، برزت مخاوف من أخطار التفكك المحتملة، ولا سيما مع تواصل تأجيل استحقاقات المكون الأمازيغي في ليبيا. خطر حذر منه رئيس اللجنة التنفيذية لمؤتمر الأمازيغ وكبير المستشارين في الأمم المتحدة إبراهيم قرادة، بخاصة أن ليبيا تتربع في محيط مغاربي وأفريقي تتوافر فيه جميع العناصر التي قد تؤجج الاشتعال، من بينها إعلان رمزي من مجموعة مهجرية لانفصال منطقة القبائل الأمازيغية في الجزائر وتجدد مسألة الصحراء الغربية بين الحكم الذاتي والاستفتاء على الاستقلال واستمرار صراع حركة أزواد الطارقية الاستقلالية في مالي، إضافة إلى التوترات والفوضى في كل من النيجر ومالي وبوركينا فاسو، فضلاً عن عودة نشاط تنظيمي "داعش" و"القاعدة".

من حصار المكون إلى تكاملية الكتلة

ويشكل الأمازيغ مكوناً رئيساً من مكونات التركيبة الاجتماعية الليبية، وينتشرون في كثير من مناطق البلاد، غير أن تركيزهم بمعظمه في الشمال الغربي والجنوب الغربي، تحديداً في زوارة ويفرن ونالوت وجادو وكاباو وغات غدامس وأوباري زتندميرة والبركت، وعانوا على امتداد الحقبات السياسية كافة التي مرت بها ليبيا تهميشاً لحقوقهم المدنية والسياسية.

ويحذر قرادة من مواصلة تأجيل استحقاقات المكون الأمازيغي في ليبيا، مما أدى إلى مزيد من تفكك الدولة الليبية المجزأة أصلاً، وفق قوله، إذ تحول التنوع من مصدر ثراء إلى عامل صراع، مما أسهم في بروز مخاوف في البلاد من انحراف هذا الأمر عن مساره وحذوه حذو حركة أزواد مالي، بخاصة أن منطقة جبل نفوسة الأمازيغية غنية بالموارد النفطية، مما يجعلها منفتحة على خطر تمدد خطوط التهريب والإرهاب نحوها.

ويقول رئيس اللجنة التنفيذية لمؤتمر الأمازيغ ضمن تصريح خاص إنه "في ظل هذا المشهد المعقد محلياً وإقليمياً ودولياً، فإن المراهنة على سياسات كسب الوقت والمماطلة تفتح الباب أمام تطورات مفاجئة قد تشبه أحداث عام 2011، إلا أنها ستكون أكثر حدة وصعوبة نظراً إلى تزعزع قبضة الدول المركزية وتصاعد التنافس الدولي، فيأتي ذلك ممزوجاً بإخفاقات التغيير السابقة وخيبات ضياع الفرص وإحباطات تدني مستويات المعيشة واتساع الفجوات الطبقية".

ويرى أن كل هذا يحدث في واقع سياسي يشمل "جيل زد" بزخمه الشبابي وأساليبه المبتكرة، فهو ليس متسلحاً بشبكات التواصل الاجتماعي وحسب، بل بأدوات الذكاء الاصطناعي أيضاً، مما يجعل وسائل المعالجة التقليدية قاصرة، وقد تؤدي إلى نتائج عكسية. ولفت إلى أنه لم يعُد هناك سبيل سوى استيعاب المطالب وتلبيتها لضمان الاستقرار وتواصل الأجيال، والإجابة عن الأسئلة الكبرى المؤجلة، وفي مقدمتها صياغة الهوية الوطنية الجامعة وتعزيز المشاركة السياسية وفتح الآفاق الاقتصادية وانتهاج العدالة الاجتماعية في شعوب تمثل الغالبية الشبابية كتلتها الحيوية.

وينوه قرادة إلى أن القضية الأمازيغية لا يمكن اختزالها في نطاق مصطلح "المكون"، فهي تختلف عن مسألة المكونين الطارقي والتباوي، والأصح أن الحضور الأمازيغي هو "الكتلة الأمازيغية" The Amazigh Mass نظراً إلى تعدد الأبعاد المتعلقة بها، فمن دون المقاربة الموضوعية والتعامل المتفهم مع أبعاد الكتلة الأمازيغية ستظل قضيتهم عنصر عدم استقرار وعنصر توتر في ليبيا، يؤثر ويتأثر بالمحيط المغاربي الواسع.

ويرى أن القضية الأمازيغية في ليبيا تتشارك وترتبط مع المسألة الأمازيغية في كل المنطقة المغاربية، إلا أنها عانت اضطهاداً ممنهجاً خلال الحقبة "القذافية" في مجالاتها الهوياتية والثقافية واللغوية، عندما أنكر نظام القذافي أمازيغية الأمازيغ عبر تعريب أصولهم وحاضرهم وملاحقة مثقفيهم ومناضليهم إعداماً واغتيالاً وسجناً وتضييقاً في ليبيا والمهجر، نظراً إلى المقاومة الرافضة لمنهجه التعريبي، مما جعل أمازيغ ليبيا في مقدمة صفوف معارضة نظام القذافي ومن المبادرين لقيام انتفاضة الـ17 من فبراير (شباط).

ويستدرك المتحدث ذاته قائلاً إن ما بعد انتفاضة فبراير وحتى عام 2014، عاشت الكتلة الأمازيغية مرحلة مميزة استعادوا فيها الروح الوطنية الأمازيغية وكرسوا الشراكة الوطنية مع العرب شركائهم في الوطن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

التهميش

ويقول قرادة إنه منذ عام 2014، ظهرت مؤشرات بل محاولات لعودة الاضطهاد والإقصاء، لذلك قاطع الأمازيغ انتخابات مجلس النواب وانتخابات هيئة الدستور عام 2014، وانعكس هذا في إخراج مسودة دستور جائرة بحق الأمازيغي، مع إصرار الحكومات المتتالية على تقزيم التمثيل الأمازيغي وتسطيحه في وزارات صغيرة أو مستحدثة "خالية الدسم". وهنا كان من الضروري العودة للمصطلح الذي كما هو معروف في فقه اللغة، يحمل ويعكس محتواه، فتصنيف الأمازيغ وحصرهم في "المكون الأمازيغي" بدلاً من "الكتلة الأمازيغية" سحب منهم عوامل ديموغرافية وعددية وثقافية وهوياتية ومذهبية، بالتالي سياسية وتنموية.

ويتابع في حديثه أنه من غير المنصف تحديد المكونات في ليبيا بثلاثة هي الأمازيغ والطوارق والتبو، وفصلها عن العرب، فضلاً عن سحب مكون الطوارق من الأمازيغ، كما هي الحال في الجزائر، مع تقدير خصوصية الطوارق الصحراوية.

 كذلك جرى استبعاد البعد المذهبي المتمثل في "الإباضية" (مذهب إسلامي عند الأمازيغ في شمال أفريقيا وموجود أيضاً في سلطنة عمان) الذي انعكس في طمس الاعتراف بـ"الإباضية" من الوجود الرسمي.

وهذا العزل بين العرب والأمازيغ هو مدخل لتعقيدات سياسية مستقبلية قد تتصاعد كما حدث أخيراً في مناطق القبائل الجزائرية والريف المغربية وأزواد المالية، وهناك خشية من أن تدفع هذه السياسات والممارسات إلى نشوء حركات مطلبية قد تتطور إلى صراعات، خصوصاً في ظل تكاثر الصراعات الإثنية والطائفية والقبلية في الجوار الشرق أوسطي والأفريقي، ونوه قرادة إلى أن هذا الاحتمال أكثر رجحاناً في ليبيا، بالنظر إلى حال الانقسام السياسي وضعف الدولة المركزية والتفتت المجتمعي والتعصب القبلي وانتشار السلاح والتدخلات الأجنبية، وأمثلة السودان ومالي واليمن ليست بعيدة جغرافياً ولا زمنياً.

المسؤولية السياسية

ويلاحظ قرادة أن خطورة الوضع تزداد مع ميل الحكومات إلى مطراف مجتمعية ضدّ أخرى وجاذبية المناطق الأمازيغية كبؤرة تنافس وصراع. فالنطاق الأمازيغي من منطقة زوارة الساحلية، مروراً بجبل نفوسه وعبوراً بالحمادة الحمراء حتى واحة غدامس وامتداداً إلى غات "الطارقية"، هي رقعة جغرافية شاسعة ذات إمكانات نفطية وغازية ومعدنية كبيرة، مما يدعو كثيراً من القوى المحلية والإقليمية والدولية إلى السعي للتحكم فيها. وفي الوقت ذاته، يعد هذا النطاق طريق الذهب بعدما كان طريق القوافل لأنه أحد الممرات الرئيسة لتجارة وتهريب السلع والسلاح والوقود من الشمال إلى الجنوب، وقناة تجارة المخدرات وتهريب البشر (الهجرة غير النظامية) من الجنوب إلى الشمال. وهي بذلك منجم ذهب ومصدر ثراء للعصابات عابرة الحدود التي تتقاطع في جوار الجنوب الليبي مع الجماعات الإرهابية ("القاعدة" و"داعش" وغيرهما). وكلها عناصر تزيد من الأخطار، لذا يتطلب التعامل مع الملف الأمازيغي مراجعة عاجلة لتطويق أية انزلاقات غير مرغوبة التي إن انفلتت يصعب تطويقها في ظل وجود أطراف إقليمية متربصة بليبيا والمنطقة المغاربية.

وينوه قرادة إلى أن هذا الخطر لا يقتصر على ليبيا وحدها، بل يمتد إلى محيطها الإقليمي والأفريقي، حيث تسمع أصوات انفصالية أو مطالبات بالحكم الذاتي في منطقة القبائل في الجزائر والريف المغربي وأزواد في مالي، مع ملاحظة وجود مشترك أمازيغي- طارقي في بعض هذه الحركات، فضلاً عن دعوات متفرقة تتعلق بـ"دولة التبو" الصحراوية، مبيناً أن معظم هذه الحركات تفتقر حالياً إلى مقومات تطبيقية قوية على الأرض، باستثناء حالة أزواد في مالي التي تمتلك تنظيماً وحضوراً إقليمياً بارزاً.

وفي ضوء هذه المعطيات، ومع التسليم بأن خرائط العالم وتوازناته ليست ثابتة عبر التاريخ، يرى كبير مستشاري الأمم المتحدة أن الوعي الوطني والمسؤولية السياسية أصبحا شرطين وجوديين لا ترفاً سلطوياً، وهو أمر لا يتحقق عبر المقاربات الأمنية المتسرعة أو الخطابات الإعلامية التعبوية، بل من خلال سياسات شاملة قائمة على إدراك تنفيذي عميق، يركز على تعزيز حقوق المواطنة وترسيخ المشاركة السياسية وتبني حكم محلي فاعل وتوطيد التشارك الاقتصادي والتنمية المستدامة.

ويتابع أن امتلاك هذه الرؤية الشاملة والمتماسكة هو ما يمكن الدول الهشة مثل ليبيا من مواجهة أخطار التفكك المحتملة وحماية وحدتها في مواجهة تحديات الداخل وضغوط الخارج. فالمسألة أكبر وأخطر من المعالجات الجزئية أو التكتيكية، إذ إن عواصف السياسة الدولية عاتية، وتتطلب استعداداً استراتيجياً دائماً، بعيداً من التبسيط أو المماطلة أو الاستخفاف.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير