ملخص
ترتفع مؤشرات الأسواق في المتوسط بصورة مطردة إضافة إلى تركز قيمة المؤشرات داخل بضع شركات كبرى، غالبها شركات تكنولوجيا
مع كثرة الحديث، ليس فقط في الإعلام وإنما في دوائر المال والأعمال والاستثمار عن فقاعة الذكاء الاصطناعي واحتمال انفجارها مسببة انهياراً في الأسواق، تتباين الآراء حول الفقاعة وأيضاً حول تبعات انفجارها.
هناك شبه إجماع بين كل المراقبين للأسواق على أن غلياناً في قيمة الأصول يحدث خلال العامين الأخيرين، ويقارن غالب المعلقين الوضع الحالي بالأوضاع التي سبقت انفجار فقاعات أخرى في السوق والاقتصاد.
ترتفع مؤشرات الأسواق في المتوسط بصورة مطردة إضافة إلى تركز قيمة المؤشرات في بضع شركات كبرى، غالبها شركات تكنولوجيا.
هناك أيضاً ضخ لمئات المليارات في شركات ناشئة مرتبطة بتطور الذكاء الاصطناعي على أمل أن تحقق تلك الشركات عائدات وأرباحاً كبيرة بسرعة. ولأن تحقيق ذلك مرتبط بتبني غالب قطاعات الاقتصاد للذكاء الاصطناعي، فإنه إذا لم يحدث ذلك سيبدأ المستثمرون في محاولة إنقاذ أموالهم، وهو ما يمكن أن يفجر فقاعة غليان قيمة الأصول.
بكل المعايير المعروفة من تجارب سابقة في الأسواق والاقتصاد، يكاد يكون هناك شبه إجماع على أن أسعار أسهم الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي تشهد غلياناً ومبالغة في قيمتها مقابل الأساسات الحقيقية، إنما خلال الوقت نفسه يصعب، أو يكاد يستحيل، على أي من المحللين أو الاقتصاديين توقع متى تنفجر الفقاعة.
تباين الآراء
تنقسم الآراء بين مجموعة صغيرة لا ترى أصلاً أن هناك فقاعة، سواء في الذكاء الاصطناعي أو غيره، وهؤلاء ممن أرجوا انفجار فقاعة مشتقات قروض الرهن العقاري التي أدت إلى الأزمة المالية خلال 2008–2009 إلى عوامل أخرى.
ويعد هؤلاء أن غليان قيمة الأصول، مهما كانت حدته، هو تحرك ضمن الدورات العادية للارتفاع والانخفاض استناداً إلى العرض والطلب، بالتالي، فالتصحيح الهبوطي غالباً ما يكون بقدر الصعود المبالغ فيه، لكنه يظل في النهاية تصحيحاً في دورة للأسواق أو الاقتصاد يعقبه استقرار ثم ارتفاع.
وهناك من يرى أن الغليان واضح، وإقبال المستثمرين على ضخ المليارات في شركات تكنولوجيا ناشئة يغالي في قيمتها السوقية دون سند من قيمتها الحقيقية، وإن كان هؤلاء ضمن تحليلهم يرصدون تكون فقاعة إنما لا يتوقعون انفجارها بما يؤدي إلى انهيار الأسواق، فعدد من هؤلاء يرى أن ما يحدث لأسهم الذكاء الاصطناعي هو "صدى فقاعة"، أي غليان ينتهي بعملية تصحيح حتى لو كانت حادة. لكن ذلك في النهاية سيعني العودة للاستقرار مع وصول الأسعار إلى ما يساوي القيمة الحقيقية – الأساسات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
فريق آخر يرى أن ما يحدث في قطاع الذكاء الاصطناعي يعد نوعاً من "الفقاعة العقلانية"، وهو مصطلح لعالم الاقتصاد الكندي/الأميركي أندرو مايكل سبنس الحاصل على جائزة نوبل عام 2001.
واستخدم الاقتصادي المعروف محمد العريان ذلك المصطلح ضمن مقالة له بصحيفة "نيويورك تايمز" قبل أسبوع، إذ يرى العريان أن "من المنطقي القلق من أن التقييمات المبالغ فيها لشركات الذكاء الاصطناعي تعني فقاعة يمكن أن تنفجر وتسبب كارثة".
لكنه خلال الوقت ذاته لا يستبعد أن "نكون في فقاعة عقلانية يمكن أن تنقل الاقتصاد إلى وضع أفضل، عكس فقاعات جنونية أخرى في التاريخ".
إذا كانت الفقاعات تحدث نتيجة تصرف "غير عقلاني" من المستثمرين مثل فقاعة الزنبق في هولندا مطلع القرن الـ17، فإن فقاعة الذكاء الاصطناعي قد تكون فقاعة عقلانية – بمعنى أن هذا التطور التكنولوجي سيستمر ويترسخ محدثاً تحولاً في الاقتصاد، حتى لو شهدت أسهم شركاته تصحيحاً عميقاً. وفي هذه الحال، قد يكون إقبال المستثمرين على ضخ المليارات في الذكاء الاصطناعي مفيداً، حتى لو خسر بعضهم نتيجة التصحيح في السوق عند نقطة ما.
عوامل فقاعة الذكاء الاصطناعي
ضمن مقاله، يخلص محمد العريان إلى أن الفقاعة قد لا تنفجر لأن المستثمرين يغالون في قيمة الذكاء الاصطناعي بل لثلاثة عوامل يمكن تلخيصها كالتالي:
العامل الأول، هناك سباق محموم بين الشركات لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، وفي مثل هذا السباق لن ينجح الجميع وبخاصة مع زيادة الحاجة للأموال لتلبية ارتفاع رواتب المهندسين من النخبة وكلفة مراكز البيانات وارتفاع كلفة الطاقة المطلوبة. وبينما يمكن لشركات كبرى مثل "مايكروسوفت" أو "غوغل" أن تعتمد على مصادر أخرى للدخل لديها، لن تستطيع شركات أخرى الاستمرار لأنها تعتمد على التمويل بالديون والاقتراض، الذي يمكن أن يصبح شحيحاً.
والعامل الثاني، الوقوع في فخ السراب وهو ما يميز المرحلة الوسيطة من أية فقاعة – أي نشوة المستثمرين وتجاهل الأخطار. فهناك شركات تضع علامة "ذكاء اصطناعي" على برامج وخدمات موجودة ومعروفة، وهو ما يجذب المستثمرين عديمي الخبرة.
ويشبه ذلك إلى حد كبير ما حدث مع فقاعة شركات الإنترنت، إذ كانت شركات ناشئة تضيف "دوت كوم" إلى اسمها لتجذب المستثمرين المغامرين الذين يغالون في قيمتها، بينما أساساتها في الحقيقة لا تساوي شيئاً.
دخول أطراف وهمية في السوق
العامل الثالث، أية تطورات خارجية يمكن أن تضر بالشركات، على سبيل المثال أية تعديلات مفاجئة في اللوائح والقواعد والقوانين، أو دخول أطراف وهمية في السوق، أو تعطل سلاسل إمداد الذكاء الاصطناعي نتيجة تطورات جيوسياسية، وذلك إضافة إلى عدم التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي كما هو مأمول.
في النهاية، يمكن القول إنه على رغم شبه الإجماع على غليان قيمة الأصول ومؤشرات الفقاعة في مجال الذكاء الاصطناعي، فإن هناك قدراً كبيراً من المستثمرين ما زالوا يضخون الأموال في أسهم شركات التكنولوجيا بوتيرة عالية.
ليس معنى ذلك أن الأسواق تتجاهل الفقاعة، بل إنه مع استحالة توقع متى تنفجر يغامر كثر بالشراء على أمل تحقيق مزيد من الأرباح، حتى لو قاموا بتصفية مراكزهم مع أول إشارة تصحيح.
ومن المهم أيضاً الإشارة إلى أنه سواء كانت هناك فقاعة أم صدى فقاعة، وسواء حدث انفجار أو تصحيح عميق، فإن الذكاء الاصطناعي كتطور تكنولوجي باق معنا ولن ينتهي.