ملخص
في فترة لا تتعدى الخمسة أعوام، أصبحت المغربية مريم التوزاني واحدة من أهم المخرجات العربيات. والمقصود من "الأهم" هنا هو امتلاكها حرفة سينمائية تترافق مع الاعتراف "المهرجاناتي" بموهبتها. فالموهبة تحتاج أحياناً إلى من يعترف بها كي تستمر وتتبلور.
بعد مجموعة أفلام قصيرة من إخراجها تلاها دور بطولة في ”غزية" فيلم المغربي نبيل عيوش الذي أصبح في ما بعد زوجها، اقتحمت التوزاني بباكوراتها الروائية الطويلة "آدم" مهرجان كان، قبل أن تعود وتقدم فيه "أزرق القفطان"، وهي كانت لا تزال آنذاك في مطلع الأربعينات.
خلال مقابلة لي معها روت أنها تعلمت كثيراً إلى جانب المخرج نبيل عيوش: "قبل لقائنا، كنت قد أنجزتُ بعض الوثائقيات والأفلام القصيرة، لكن تجربتي الحقيقية والجوهرية انطلقت من العمل معه. كتبنا معاً "غزية"، ومثلت فيه الدور الرئيس، على رغم أن هذا الدور لم يُكتب لي في البداية. أما ’الزين اللي فيك‘، فقد رافقته منذ المراحل الأولى، كنت حاضرة في كل جلسات الكتابة، ثم على البلاتو أثناء التصوير، أراقب، أعاين، وأغوص أكثر في تفاصيل الصناعة السينمائية. رأيت عن كثب كيف يُدير فريق العمل، كيف يتعامل مع الممثلين، وكيف يخلق تلك المساحة الإبداعية بين النص والكاميرا".
وتضيف: "لقد امتصصتُ كثيراً من الخبرة عبر هذا الاشتباك المباشر مع الميدان. كانت تجربة غنية، متعددة الطبقات، أسهمت في تشكيل وعيي الفني وتوسيع أدواتي التعبيرية. هكذا تشكلت حقيبتي السينمائية، لا من خلال التنظير أو الدراسة الأكاديمية، بل من خلال الممارسة والتجريب والعمل جنباً إلى جنب مع مخرج يؤمن بالسينما كفعل إنساني وجمالي في آن واحد".
وفي "آدم" (2019) تناولت التوزاني قضية الأم العزباء في المجتمع المغربي، من خلال حكاية تنسج خيوطها بين شابة حامل (نسرين الراضي) وأرملة (لبنى أزابال) تحتضنها في منزلها وتؤمّن لها مأوى وعملاً في متجرها الصغير. بهذا البناء السردي الحميم، رسم الفيلم ملامح عالم نسائي متكتم، ترغمه التقاليد على العيش في الظل، بعيداً من أعين المجتمع وأحكامه. ويستند الفيلم إلى تجربة شخصية عاشتها التوزاني نفسها، لكنها حولتها إلى نص بصري يعرّي واقعاً مسكوتاً عنه. ويضيء الفيلم على معاناة الأمهات العازبات بقدر ما يفضح منظومة قانونية واجتماعية تمعن في التمييز وتكرس الظلم في حق النساء.
3 أفراد
في ثاني أفلامها الطويلة، "أزرق القفطان" (2022)، أخذت التوزاني من مدينة سلا خلفية للأحداث، يجري توظيفها كمساحة ضرورية لنمو علاقة مركبة بين ثلاثة أفراد تتحرك مصائرهم داخله ببطء. فالدراما كلها تنمو داخل مشغل لخياطة القفطان المغربي، وهو بدوره لا يستخدم كمجرد مكان، إنما كأداة سردية تشارك في رسم ملامح العلاقة بين الشخصيات، بل تحمل دلالات تتجاوز النسيج والغرزة والإبرة. وسنكتشف العلاقة المعقدة بين الزوجين، حليم ومينا (صالح بكري ولبنى أزابال)، وكذلك التوتر الكامن مع يوسف (أيوب ميسيوي)، الشاب الذي ينضم إليهما في الورشة. العلاقة بين الشخصيات الثلاث تتخذ شكلاً غير تقليدي. ولا يعلن الفيلم بصراحة عن هذا المثلث العاطفي، ولا يقدمه في قالب صدامي أو مبتذل. لكنه يلمح، يدور حوله، ويحمله بما يكفي من المشاعر واللبس ليصبح حضوره طاغياً.
مع فيلمها الأحدث "زنقة مالقة" الذي عرض قبل أيام في مهرجان القاهرة السينمائي المنعقد حالياً، تخطو التوزاني خطوة جديدة في مسارها، فتميل بوضوح نحو سينما أكثر نضجاً وإتقاناً في إدارة التفاصيل. ويزداد هذا التحول جلاء مع استعانتها بالممثلة الإسبانية كارمن ماورا، الاسم اللامع الذي ارتبط طويلاً بالمخرج الإسباني بدرو ألمودوفار، من خلال سلسلة أفلام منحتها حضوراً لافتاً في الذاكرة السينمائية.
وماورا لم تعُد في ريعان الشباب، فهي اليوم في الثمانينيات من عمرها، غير أن الفيلم بما يتخلله من رغبة متجددة، يقدمها بوصفها امرأة تتحدى القوالب الجاهزة التي يراد فيها لمن بلغ هذا العمر أن ينسحب من الشغف والحب. وفي هذا السياق، يمكن القول إن ماورا تولد من جديد أمام كاميرا التوزاني التي تلتقطها في مدينة طنجة ضمن تجربة سينمائية تجمع بين ثقافتين يفصل بينهما مضيق إسبانيا والمغرب. وهذا اللقاء المتوهج هو قلب الشرارة التي يصنعها الفيلم، شرارة تتجاوز الجغرافيا نحو ما هو إنساني مشترك.
وهذا التداخل بين ثقافتين وبهذا الانسجام، ما هو سوى تأكيد حاجة الإنسان إلى الرغبة، مهما تقدم به العمر وبلغ مشارف النهايات. فكل شيء يظل ممكناً في أية سن، وهو ما يرينا إياه الفيلم الذي يحتفي بالعمر في أجمل تجلياته، كمساحة تظل قابلة للدهشة والاكتشاف وإعادة التوهج.
تبدو الحكاية في ظاهرها بسيطة، فماريا (ماورا) تعيش في بيتها الطنجاوي العتيق، حين تطلب منها ابنتها (مارتا إيتورا) بيع هذا المنزل والعودة لإسبانيا بسبب حاجتها الملحة إلى المال، غير أن ماريا ستقاوم هذا القرار بشراسة، لتجد نفسها في قصة رومانسية مع تاجر تحف مغربي (أحمد بولان)، بينما تلتقي بين الحين والآخر شقيقتها الراهبة التي تستشيرها في شؤون حياتية وروحية شتى.
طمأنينة الجمهور
الفيلم الذي نال جائزة الجمهور في مهرجان البندقية الأخير، ينتمي إلى نوع من الأعمال التي ترضي المتفرج وتعيد له شيئاً من الطمأنينة، إذ يخرج هذا الجمهور وهو يحمل شعوراً إيجابياً ينسجم مع توقعاته ويسمعه ما يرغب في سماعه، غير أن هذا الميل إلى إرضاء الجمهور لا يخلو من نزعة ديماغوجية، على رغم أن الفيلم يمتلك في المقابل مزايا محمودة، فهو مسلٍّ ورافع للتفكير ويردّ الاعتبار لموضوعه، بل يكلف نفسه أكثر من وظيفة في آن معاً، مما يجعل بعض خطوطه تتبعثر تحت ثقل الحمل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبعدما تناولت في فيلمها السابق علاقة مثلية، تمضي التوزاني هنا إلى ما هو أكثر ندرة على الشاشة، علاقة عاطفية وجسدية بين شخصين تقدما في السن، أشخاص كثيراً ما أهملتهم السينما بحجة أن أجسادهم لم تعُد تحمل طاقة تساعد في الحلم والرغبة. لكنها تقدم هذا بقدر ملحوظ من الحس الأخلاقي والجمالي. وعلى رغم أني لم أقتنع تماماً بأن ماريا عاشت في طنجة فترة طويلة، فإن ماورا تقدم أداء متقناً، فتذوب كلياً داخل دورها وفي محيطها، إلى درجة تمنح الشخصية عذوبة تليق بمسارها الطويل.
تؤمن التوزاني بأن التقدم في السن امتياز إنساني، وأن كل تجعيدة في وجوهنا ليست سوى شهادة حياة عشناها حتى آخرها، بما حملته من أعياد وانكسارات. ومن هذا الإيمان انطلقت لتصوير نوع مختلف من الشيخوخة، شيخوخة متمردة تتفلّت من القيود التي اعتدنا إلصاقها بها، غير أن الفيلم لا يمكن اختزاله في مسألة العمر وحدها، إذ يتجاوز ذلك بالنسبة إلى التوزاني التي تحمل في تكوينها جذراً إسبانياً، وجدت معه ضرورة في تكريم الإسبان الذين اختاروا المغرب وطناً لهم.
وتروي حكايتها بوضوح مؤثر: "عندما ولدتُ، كانت جدتي الإسبانية تعيش بالفعل مع والديّ في طنجة. مثل كثير من الإسبان، كانت قد انتقلت إلى المغرب وهي شابة، وبقيت في المدينة طوال حياتها. لم تتخيل يوماً أن تغادر المكان الذي أحبته. واليوم، ترقد في مقبرة في طنجة، إلى جانب آخرين مثلها ممن اختاروا هذه الأرض وطناً لهم. في طفولتي، كنت أراقب صديقاتها، المتحدرات من الجالية الإسبانية الكبيرة، وهن يحاولن جاهدات التشبث بجذورهن ورفض الاقتلاع منها. أبناؤهن الذين انتقلوا إلى العيش في إسبانيا، ما كانوا يفهمون هذا التمسك، فكانوا يرغبون في أن يلتحقن بهم. وهذا الارتباط العميق أثّر فيّ بشدة، حد إني شعرتُ بحاجة إلى استكشافه. من هنا جاءت شخصية ماريا لتجسد هذا الشغف، وأيضاً تساؤلات أخرى لاحقتني لأعوام".