ملخص
يشاء فيلم "استيقظ أيها الرجل" (Wake Up Dead Man) أن يستهل الجزء الثالث من سلسلة الغموض (Knives Out) بحوار فلسفي ذي طابع ديني، حين يقرر أحد رؤساء المعهد الكهنوتي "تأديب" الأب جود دوبلينتيسي (جوش أوكونور)، وهو ملاكم سابق لم يتخل عن نزقه، عندما لكَمَ "شماساً" (Deacon) وهو خادم في الكنيسة المسيحية، يساعد الكاهن في الخدمات الدينية والقداسات.
خلال جلسة التأديب، يخبره الكاهن بأنّ الكنيسة بحاجة إلى مقاتلين لمواجهة العالم: "الكاهن راعٍ، والعالم ذئب"، لكنّ الأب جود يرفض هذا المفهوم، مؤكداً أنّ العمل الحقيقي للكاهن ليس محاربة العالم، بل احتضانه، وذلك "لإظهار غفران المسيح ومحبته لأشخاص مكسورين مثلي".
بهذا الميل إلى أنسنة الحكاية والارتقاء بخطابها، نترقب أحداث الفيلم الأميركي الذي أطلق في مهرجان تورنتو السينمائي الأخير، ثم طرح على منصة نتفليكس منتصف الشهر الماضي، محققاً إقبالاً جماهيرياً مميزاً، ونائلاً ثناء فنياً واسعاً؛ بفضل براعة المخرج رايان جونسون الذي نقل فكرة الغموض من المستوى "الأغاثا كريستي" الذي يستلطفه المخرج، إلى أفق الإبهار الفني، والتشويق الذي يغلف مسار التنامي الدرامي بسياج من الأسئلة التي خصها في الجزء الثالث بطابع ديني كنَسي فلسفي بدا كما لو أنه هو الحكاية ذاتها، وليس جريمة قتل الكاهن ويكس (جوش برولين)، ولعل جونسون (من يدري) قصد ذلك حقاً!
سياق كوميدي وآخر فلسفي
ما خفف من غموض الفيلم وعنفه أنه جاء في سياقين مكملين واحدهما الآخر، الأول فكاهي هزلي برداء الكوميديا السوداء، والثاني فلسفي ديني يتصدى بحماسة لقضايا الخير والشر والقيامة وجدوى الإيمان. كما أنه يتناول قضايا أخلاقية بلغة مباشرة. ولا يتحفظ في تقديم اعترافات المونسنيور ويكس (المزيفة) بخصوص إدمانه على الاستمناء في شكل مباشر وصريح، مما ينزع، للحظة، الغلالة الكثيفة المتصلة بفكرة القداسة، ويؤنسن الأخطاء.
الأب جود يظهر في زي متزمت، لكنه في قرارة نفسه وفي جوهر ممارساته يبدو أكثر تسامحاً وانفتاحاً، كأنه يقترح برنامج عمل على الكنيسة، قائماً على تحديد الرؤية، ونقل الإيمان من دائرة العقاب والثواب وأروقة السياسة، إلى فضاء الخلاص، والعناية بالقلوب المعذبة، ومساعدة المحتاجين والفقراء والتائهين، المملوءة قلوبهم بالظلام والعدم. وهنا يبدو الأب جود أقرب إلى المسيح، منه إلى الزعيم الروحي المحكوم بالتوازنات والتفاوضات وصراع القوى. وهنا أيضاً ينفتح سؤال الأب جود على أفق من الجدل: هل الكاهن صليبيّ يحارب قوى العلمنة؟ أم ممرّض ميداني يعتني بالضائع والمنبوذ والمرفوض؟
فيلم يسير على مهل
كان هذا في بداية الفيلم، أي قبل الولوج إلى أحداث الجريمة، وهذه تقنية تحسب لمصلحة إدارة الفيلم وذكائه، وعدم استعجاله في إفشاء سر الحكاية منذ اللحظات الأولى. وهذا ما كان حققه في الجزء الأول من السلسلة (Knives Out) 2019 ، الذي يتقصى تفاصيل وفاة مؤلف كتب حقق أعلى المبيعات (كريستوفر بلامر). وتعتقد الشرطة أنّ وفاته انتحار، لكنّ المحقق بينوا بلانك (دانيال كريغ) يشتبه في وجود جريمة. ويتولى التحقيق أيضاً في الجزء الثاني من السلسلة "بصلة زجاجية" (Glass Onion) 2022، حيث يتولى بلانك قضية جديدة تدور حول الملياردير التقني مايلز برون وأصدقائه المقربين الذين يُدعون خلال جائحة كوفيد-19 إلى جزيرة يونانية يملكها برون، وفي تلك الأثناء تكتشف جثة يُتهم الجميع بالمسؤولية عن مقتلها.
في فيلم "Wake Up Dead Man" يتصدى بلانك لجريمة ضحيتها راعي كنيسة "سيدة الثبات الدائم" في شمال ولاية نيويورك، خلال "يوم الجمعة العظيمة"، فيشرع في فك رموز مقتل الكاهن الذي يستريح هنيهة من إلقاء عظته، فيدخل إلى غرفة جانبية ثم يسمع صوت سقوطه، وتُشاهد الدماء تسيل منه بسبب غرس أداة مدببة على هيئة "رأس شيطان" في جسده.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومثلما حدث في الجزءين السابقين يُتهم الجميع بالمسؤولية عن الجريمة التي يتخلل التحقيق فيها محطات عن دهاليز السلطة والمال، والمعاني العقلية للإيمان، والطرق التي تؤدي إلى التبرؤ من الشر، وهي مهمة تبدو مستحيلة في نظر المحقق الذي يوصف بأنه "مهرطق" ويبدي أفكاراً إلحادية لا يمتنع الأب جود عن الاستماع إليها ومناقشتها.
ما يميز الأجزاء الثلاثة من هذه السلسلة العميقة والممتعة، أنها تعيد الاعتبار لسينما الغموض والجريمة، وتبنيه على أسس فكرية عميقة لا تتوخى الإبهار السطحي والآكشن المفتعل، ولا اللجوء للمطاردات وسفك الدماء، كما تفعل ذلك الغالبية العظمى من الأفلام التي تنتسب إلى هذه الفئة.
بمعنى أنّ ما منح هذه السلسلة الحفاوة والمتابعة والتقدير أنها توقر عقل المشاهد وخياله، وتغمره بالأسئلة حول المعضلات التي تشغل ذهنه، بدءاً من الإيمان وليس انتهاء بتوحش السلطة، والجنوسة والتمييز العنصري، ونزعات النقاء العرقي التي تبشر بها وتنهمك في الترويج لها "الترامبية" في الولايات المتحدة، وسواها من الأنظمة السياسية في أوروبا التي يهيمن عليها اليمين الفاشي، مستغلاً الدين على نحو براغماتي خادش للإيمان.
مخرج التفاصيل الدقيقة
المخرج رايان جونسون لا يعتني، وحسب، بالأفكار النقدية التي قام ببثها في أفلامه الثلاثة من هذه السلسلة، بل يبدي عناية فائقة بالأطر الفنية والتفاصيل الدقيقة التي تجلت في الفيلم الأخير بفخامة في صناعة المسرح الذي تدور فيه أحداث مقتل الكاهن ويكس. لقد شيّد معمار فيلمه استناداً إلى الكنيسة التي أعاد بنائها بصرياً، بحيث تكون شريكاً في بطولة العمل، إذ بدا حاضراً الاهتمامُ الخلاق بالضوء والظل، والاجواء الطبيعية المحيطة بالكنيسة، وملاحق البلدة وبيوتاتها ومحالها مثل الحانة المكتظة برموز شيطانية ذات إسقاطات دينية.
أما أكثر ما يلفت الانتباه في "Wake Up Dead Man" فهو الأداء التمثيلي المبهر الذي ظهر كأوركسترا تتناغم فيها الآلات وتتآلف فيها الأصوات، فينبعث منها صوت فريد في احترافيته وأصالته، وهذا يعكس رؤية مخرج مشغول بالفن لا بالفوضى اللونية والرقمية والصراخ المفتعل. وهذه البراعة الأدائية تنطبق على الكاهن حتى المزارع، والساقي في الحانة "الشيطانية". وضم طاقم التمثيل كلاً من دانيال كريغ، جوش أوكونور، غلين كلوز، جوش برولين، ميلا كونيس، جيريمي رينر، كيري واشنطن، أندرو سكوت، كايلي سبيني، داريل ماكورماك، وتوماس هايدن تشورش.
وفي ضوء الجماليات المأهول بها هذا العمل، فإنه يخرج عن الأطر الضيقة للتصنيف باعتباره فيلم غموض أو جريمة، لأنه في الأساس يتجلى كفيلم روائي سردي متعدد الطبقات يجعل الجريمة والغموض جزءاً من تكوين الطبيعة البشرية، وتجلياً للقيم المتعارضة والوثبات المتناقضة والارتدادات التي لا يقوى على تفسيرها النظر المتسرع. بل هي تحتاج إلى مهارة استثنائية نجح المخرج رايان جونسون في منحها روحاً وثابة، وأزال الغبار الكثيف الذي علق طويلاً بأفلام الغموض والإثارة.