Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فيلم "سامية" يروي نهاية أحلام عداءة صومالية في البحر

الرواية الإيطالية "لا تقولي إنك خائفة" تنتقل إلى السينما مع المخرجة الألمانية ياسمين شامديرلي

إلهام عثمان تؤدي دور العداءة الصومالية في فيلم "سامية" (ملف الفيلم)

ملخص

 قبل إنجاز فيلم "سامية"، عرف عديد من المشاهدين عن قصة العداءة الصومالية سامية يوسف عمر، عبر رواية بديعة عنوانها "لا تقولي إنك خائفة"، للصحافي الإيطالي جوزبه كاتوتسيلا.

لعل أكثر ما حقق النجاح لهذه الرواية كونه يستند إلى قصة حقيقية مؤثرة انتهت بفاجعة. إذ غرقت شابة صومالية وهي تحاول الوصول إلى إيطاليا لتحقق حلمها بالمشاركة في أولمبياد لندن، مما جعل الرواية تأخذ شكل سيرة غيرية تروي قصة إنسانية تستدرج فضول أي متابع للأدب والسينما.

 اختارت المخرجة الألمانية ياسمين شامديرلي نقل حكاية سامية إلى الشاشة، لتصل بالصوت والصورة إلى جمهور مختلف، وتقدم قصة شابة قوية واجهت قسوة الحرب وقمع الجماعات المتطرفة، حين تمسكت بأحلامها حتى اللحظة الأخيرة من حياتها. وبذلك كتبت سامية يوسف عمر اسمها في التاريخ من دون أن تدري أن العالم بأسره سيعرف قصتها، لا بتحقيقها رقماً قياسياً كما كانت تطمح، إنما بحكاية حياتها وموتها المأسوي، في بطولة تجسدت في إرادتها وإصرارها وتمسكها في حق الحلم.

طفولة تروي تاريخ الصومال

 تفتتح ياسمين شامديرلي فيلم "سامية" بمشهد من التسعينيات، مستخدمة مقطعاً حقيقياً من الأرشيف التلفزيوني يوثق لحظة سقوط نظام حكم محمد سياد بري عام 1991. يؤدي هذا المشهد دوراً تمهيدياً يرصد التحولات السياسية والاجتماعية في الصومال، ويضع الشخصيات في سياق واقعها المضطرب، قبل انطلاق حكاية سامية من سنوات عمرها الأولى، حين راودها حلم بأن تصبح أسرع فتاة عداءة في العالم بعد فوزها بسباقات مع أقرانها، تفوقت فيها حتى رفاقها الذكور.

 يعرض الفيلم لقطات للطفلة وهي تركض في قريتها، تعبر الأزقة الضيقة بين البيوت والدكاكين، وصولاً إلى ساحة بيتهم، حيث يتعرف المشاهد على أمها ووالد يشجع ابنته ويفاخر بها. ولكن المفارقة هنا، تكمن في أن مشاهد الطفولة تعكس في الوقت نفسه واقع الحياة اليومية للأهالي في فترة التسعينيات، وتوثق آثار الثورة على الشعب الصومالي، وما ترتب عنها من فوضى وانعدام للأمان وتحول جذري في طريقة تفكير الجيل الجديد وتعامله مع المرأة بذكورية تلغي حضورها الاجتماعي وتدعو إلى إبقاء الفتيات في البيت. تضمنت تلك المشاهد حوارات غير مباشرة تشير إلى أن الصوماليين كانوا أكثر انفتاحاً في مرحلة سابقة، قبل أن يسود الانغلاق والتطرف، وقد انتقل الحكم من نظام ديكتاتوري إلى سيطرة جماعات متشددة. يروي الأب لأطفاله قصة حبه لوالدتهم، وما يجهلونه عنها، تلك الأيام التي كان فيها رياضياً، ويحدثهم عن شغف زوجته القديم بممارسة كرة القدم، مؤكداً أن زمنهما كان مختلفاً ولم يكن هنالك حرج في أن تركض فتاة أو تلعب كرة القدم.

 على امتداد 96 دقيقة من الفيلم، تتناوب المشاهد بين حاضر سامية وذاكرتها عبر مشاهد فلاش باك. نراها أحياناً شابة ترتدي عباءة سوداء، خلال رحلة هربها من الصومال، وأحياناً أخرى تظهر سامية الطفلة في رحلة اكتشافها لهوايتها وكيف تحول شغفها بالركض إلى هاجس وجودي للحياة.

يتابع المشاهد مراحل نضجها والتمرد الذي ميز مراهقتها في مقاومة كل من حاول إقناعها بالتخلي عن حلم الوصول إلى حلبات السباق. وعلى رغم قسوة الظروف، التزمت سامية بتدريباتها المتواضعة، فقد كانت تتسلل ليلاً إلى ملعب فارغ بعيداً من أنظار المسلحين، وتتمرن بحراسة من أفراد عائلتها كي تحافظ على لياقتها البدنية. واضطرت فوق ذلك للركض بحجاب شرعي يعوق حركتها، كما كانت تعتمد على غذاء بسيط، يفتقر إلى البروتين ولا يلبي حاجات شابة رياضية، ولم تكن تملك حتى حذاءً جيداً للركض. لا شك أن صعوبة هذه الظروف كانت السبب الأساس لخسارتها في أولمبياد بكين عام 2008، غير أن وقوفها هناك في أكبر ملاعب العالم منحها الأمل بالعودة أقوى لعلها تفوز يوماً ما.

 أما الممثلة إلهام محمد عثمان التي أدت دور سامية في مرحلة الشباب، فهي لم تؤد دورها ببراعة وحسب، بل ما كان مدهشاً في شأنها هو ذلك الشبه بينها وبين العداءة الحقيقية، في ملامحها ولون بشرتها وقامتها، إلى حد يصعب معه التمييز بينهما من بعيد. حتى إن بعض المشاهدين في قاعة سينما "مغرب" في وهران، تساءلوا عند بداية العرض عما إذا كانت الشخصية على الشاشة هي الممثلة أم سامية نفسها، فيما لم يستوعب البعض الآخر القصة إلا بعد نهايتها، ولم يعرفوا أن الممثلة تجسد دوراً مؤثراً لقصة شابة رياضية عاشت هذه المآسي فعلاً، وكانت واحدة من ضحايا الحروب الأهلية التي وصلتنا حكايتها عبر الأدب والسينما.

سامية من النص إلى الصورة

 لا ينتهي الجدل بين القراء عند تحويل رواية معروفة إلى عمل سينمائي، فهنالك من يرى أن قراءة كتاب ورقي تتيح مجالاً أوسع لحرية التخيل في رسم ملامح الشخصيات وأماكنها، بينما تفرض رؤية المخرج خيارات محددة، من اختصار بعض الحوارات الأحداث إلى اختيار الممثلين الذين يجسدون الشخصيات الروائية. وكثيراً ما يؤمن القراء أن من النادر أن تتفوق الصورة على النص، وأن الرواية تفقد خصوصيتها وحميميتها وسحرها بعد عرضها في مشاهد مصورة، وقد يسيء الفيلم حتى إلى سمعة الرواية إن قدم بصورة ضعيفة. وتتضاعف المسؤولية على صناع الفيلم حين يعملون على سير غيرية وقصص حقيقية، فالأمر هنا لا يتعلق بشخصية متخيلة وحسب إنما بقصة إنسانة حقيقية. ولهذا مثل العمل تحدياً كبيراً للمخرجة ياسمين شامديرلي التي اختارت لعنوان الفيلم اسم العداءة الصومالية، بينما اختار الكاتب جوزيه كاتوتسيلا عبارة "لا تقولي إنك خائفة"، وهي جملة ترد في الفيلم كما ترد في الرواية، في حوار بين سامية ووالدها أثناء سيرهما ليلاً نحو الملعب لتتدرب، إذ يوقفهما مسلحون ثم يسمحون لهما بالمرور بعد استجوابهما، وعندما تبدي سامية خوفها منهم، يقول لها الوالد: "لا تقولي إنك خائفة، وإلا فإن ما ستخافينه سيكبر حتى يهزمك".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 لعل نهاية فيلم "سامية" كانت أكثر ما انتظره قارئ رواية "لا تقولي إنك خائفة"، لأن جوزبه كاتوتسيلا اختار نهاية متخيلة لقصة حقيقية، وصاغ لسامية مصيراً مختلفاً يمنحها نهاية سعيدة، فنجت في الرواية ووصلت بسلام لتحقق حلمها بالمشاركة في أولمبياد لندن. وربما أراد بذلك أن يمنحها مجداً حرمها الواقع من الوصول إليه، أو ليخفف من حدة كآبة النص وسوداويته، ويواسي القارئ بجرعة أمل بعد ما عاشته البطلة من معاناة.

وعلى عكس ذلك، اختارت المخرجة ياسمين شامديرلي نهاية مطابقة لقدر بطلتها، كي تنقل قصتها كما حدثت. فبعد أن قفزت سامية من المركب الذي تعطل محركه، غرقت وهي تحاول الوصول إلى المركب الإيطالي، حيث ختمت المخرجة الفيلم بمشهد مؤثر، تغمض فيه سامية عينيها في أعماق البحر ثم تفتحهما لتجد والدها الذي قتل في تفجير في مدينتهم، فيقتربان بعضهما من بعض من أجل عناق اللقاء.

 هكذا انتهت قصة سامية يوسف عمر التي قالت لوالدها وهي طفلة: "يوماً ما يا أبي سأصبح أسرع عداءة في مقديشو بأكملها". وعلى رغم مأسوية النهاية، تلهم القصة الفتيات بالقوة والإيمان بالحلم وملاحقته. وقد عرض فيلم "سامية" في مهرجانات تريبيكا والقاهرة وميونيخ، ولقي تفاعلاً كبيراً وتصفيقاً مطولاً بعد مشاركته في مهرجان وهران السينمائي، ليفوز بجائزة الوهر البرونزي في مسابقة أفضل فيلم روائي طويل.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما