ملخص
التزمت الصحافة الأميركية الصمت على علاقات جون كينيدي الكثيرة خارج إطار الزواج، وشاعت التكهنات حول علاقة جمعته بالممثلة الشهيرة مارلين مونرو وبامرأة أخرى هي إنغا أرفاد التي اعتبرها الرئيس الراحل حب حياته، قبل أن يحذره مكتب التحقيقات الفيدرالي من صلاتها بالاستخبارات النازية.
يقدم كتاب "جون كينيدي الشعبي الخاص والسري"، صورة جديدة للرئيس الأميركي الراحل الذي طغت حادثة اغتياله في نوفمبر (تشرين الثاني) 1963 على إرثه السياسي وعلى جوانب كثيرة من حياته الخاصة المعقدة، ما بين الزواج المرتبك من جاكلين والخيانات مع نساء كثر، ومنهن من كن على صلات بالمافيا والاستخبارات النازية.
الكتاب الصادر في يوليو (تموز) 2025 يصف كينيدي بالرجل العبقري الموقر الذي لم يكن يوماً معصوماً من الخطأ أو متجرداً من إنسانيته، بل جمع خليطاً من الصفات في شخصية واحدة وترك بصمات عميقة وخالدة في الولايات المتحدة، ليستند المؤلف جي راندي تارابوريلي في هذه الخلاصة إلى مئات المقابلات على مدى ربع قرن وروايات شفوية من مكتبة كينيدي وملفات الأرشيف الوطني، إضافة إلى وثائق استخبارية وتقارير نادرة من جهاز الخدمة السرية.
ويسلط الكتاب الضوء على علاقات كينيدي مع سيدات كثر قبل وبعد الزواج، إحداهن الممثلة الشهيرة مارلين مونرو التي دخلت معه في علاقة معقدة، وأخرى هي إنغا أرفاد المرأة التي اعتبرها الرئيس الراحل حب حياته، قبل أن تنتهي قصة عشقهما فجأة بسبب مخاوف مكتب التحقيقات الفيدرالي من صلاتها بالاستخبارات النازية.
وعلى الشق السياسي يناقش الكتاب حقيقة الدور المزعوم للمافيا والجريمة المنظمة في صعود كينيدي للسلطة، ويسلط الضوء على الأزمات التي عصفت برئاسته ولماذا شعر بأن أعضاء حكومته قوضوا سلطته خلال أزمة "خليج الخنازير"، وكيف تمكن في نهاية المطاف من إحكام السيطرة على إدارته أثناء أزمة "الصواريخ الكوبية."
علاقة مع مضيفة طيران
خاض جون كينيدي مغامرات جنسية خارج إطار الزواج كانت أخطرها على أسرته ومسيرته السياسية علاقته مع جوان لوندبرغ، العشيقة التي لجأ إليها في أحلك مراحل زواجه، فقد عاشر كينيدي مضيفة الطيران الشابة فحملت منه لكنها قررت إنهاء الحمل، ثم دفع لها كُلف الإجهاض واضعاً بذلك النهاية لتلك العلاقة، ويستذكر بيتر لاوفورد، زوج شقيقته تلك اللحظة، قائلاً إن "كينيدي كان محظوظاً بأن وافقت جوان على إنهاء الحمل، وقد وضعه ذلك على شفير كارثة لن ينساها أبداً".
والتزمت الصحافة الأميركية الصمت على رغم علمها بعلاقات كينيدي خارج إطار الزواج، احتراماً للعرف الساري آنذاك بعدم المساس بالحياة الخاصة للرئيس، شرط ألا تؤثر في واجباته الرسمية أو الأمن القومي، وكان الصحافيون يظهرون مستوى من الاحترام للرئاسة حتى لا يؤثر كشف الفضائح الشخصية في مكانة المنصب لدى الجمهور محلياً أو دولياً.
كانت الخيانات المتكررة طعنة في قلب جاكي التي قدمت تنازلات كثيرة لإنقاذ زواجها والارتقاء كشريكة سياسية حقيقية لزوجها، لكن في أوقات كان سخطها تجاه كينيدي ظاهراً على نحو مهدد لعلاقتهما، ففي عام 1956، أي بعد ثلاثة اعوام من زواجهما، سأل أحد الضيوف خلال مأدبة عشاء في ناد اجتماعي راق في واشنطن جاكي عن رأيها في الزواج من سيناتور، فأجابت "أكبر خطأ في حياتي".
وأدلت جاكي بهذه الإجابة الحادة والمباشرة بعد أيام قليلة من اكتشافها علاقة زوجها بالسيدة لوندبرغ، وفقاً لمقتطف من الكتاب نشرته صحيفة "ديلي ميل"، ولم تبد اكتراثاً لصدمة الضيف من حديثها قبل أن يتدخل زوج والدتها موضحاً أنهما يمران بـ "مسألة عائلية حساسة"، ومضيفاً "لا نتخذ دائماً القرارات الصائبة في الزواج، وجاكي ستتخذ خياراً أفضل في المرة المقبلة".
وقد أثارت تلك الخيانة غضب جاكي التعيسة التي وكلت محامين لبدء إجراءات الطلاق قبل أن تتراجع عن ذلك لحماية أسرتها ومكانتها، وبعد تلقيها من والد زوجها مبلغاً ماليا يعادل اليوم 1.4 مليون جنيه إسترليني لضمان استمرار زواجهما السعيد ظاهرياً، ثم توصل الزوجان النافذان إلى اتفاق يقضي بأن تتقبل جاكي فكرة الخيانة في مقابل ألا يتسبب بإحراجها علناً، وحذرته قائلة "إياك أن تهينني بذلك"، أي بمغامراته الجنسية خارج إطار الزواج، وفق الكتاب.
مغامرات هنا وهناك
منذ لحظة الحمل الخطرة خارج إطار الزواج أعاد كينيدي التفكير في مفهومه للخيانة، وفق لاوفورد، ويشير الكتاب إلى أن كينيدي كان يقول "ليلة هنا مع فتاة وليلة هناك، هذا مقبول على ما أعتقد، لكن علاقة حقيقية، لا، تلك لا تكون إلا مع جاكي ولن أخاطر بزواجي مرة أخرى".
وكانت بعض تلك الليالي هنا وهناك مع جودي كامبل، وهي مطلقة واعدت لفترة وجيزة فرانك سيناترا قبل أن يعرفها إلى جاك بعد إحدى العروض في لاس فيغاس في فبراير (شباط) 1960.
وعلى رغم أن سجلات زوار البيت الأبيض تشير إلى استمرار لقاءاته بجودي بعد انتخابه رئيساً في نوفمبر من ذلك العام، لكن كينيدي نجح في تجنب الدخول في علاقة حقيقية معها لتنتهي تلك اللقاءات في ديسمبر (كانون الأول) 1962 حين نبهه شقيقه روبرت إلى خطر الابتزاز ونصحه بالتوقف عن لقائها، نظراً إلى صداقتها مع زعيم المافيا في شيكاغو سام جيانكانا.
وبعدما قطع كينيدي صلاته بجودي واصلت هي الاتصال به إلى أن هددتها جاكي بأن جهاز الخدمة السرية سيتتبع أثرها، وعندها توقفت جودي عن التواصل به نهائياً، وقال عميل المخابرات الرئاسية أنتوني شيرما: "قلّما مر شيء على السيدة الأولى من دون أن تلاحظه، فهي لم تكن ساذجة أبداً".
وفي مسعاها إلى مراقبة سلوكه اقترحت جاكي توظيف امرأة تعرفها من خلال علاقات عائلية مثل سكرتيرة للرئيس حتى تبلغها بأية مكالمات أو زيارات مريبة، وهكذا أصبحت على دراية كاملة بالزيارات المنتظمة إلى البيت الأبيض التي كانت تقوم بها ماري ماير، المطلقة الشقراء، وشقيقة زوج أحد أصدقائهما المقربين، ووفق الكتاب "فعلى رغم أن جاكي كانت قد طالبت زوجها منذ أعوام بالتحفظ التام لكنها تغاضت عن وجود ماري، لأن جاك أقسم لها أن الأمر لا يتجاوز تقديمها له الجنس الفموي، وكان كثير من النساء في ذلك الزمن لا يعتبرن ذلك جنساً حقيقياً".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وانتهت زيارات ماري ماير للبيت الأبيض بعدما ألقى ناشر صحيفة "واشنطن بوست" فيل غراهام خلال مؤتمر صحافي خطاباً غير مترابط تحت تأثير الكحول، ألمح فيه إلى علاقة كينيدي بها ومازحاً بأنها "المفضلة الجديدة للرئيس"، وفي اليوم التالي خشي كينيدي أن تُنشر تلك التعليقات التي قيلت أمام قاعة مليئة بالصحافيين، وشعر أنه لا يملك خياراً سوى إبلاغ جاكي بما قد ينكشف من فضائح مهينة، فأوضحت له جاكي "انتهى أمر ماري ماير، إما هي أو أنا، اختر"، وهو ما اعتبر خطاً أحمر جديداً من زوجته التي شددت أن استمرار زواجهما خلال العام الباقي في البيت الأبيض أو الأعوام الأربعة التالية يتطلب تغييراً جذرياً، وبعد ذلك اتصلت جاكي بالسيدة ماير محذرة إياها من التواصل مع زوجها.
صحوة "زير النساء"
بحلول مطلع عام 1963 بدأ كينيدي يشعر بالندم تجاه خيانته لزوجته والعلاقات العاطفية خارج إطار الزواج، ويستذكر صديقه السيناتور الديمقراطي جورج ساثرز بوادر تلك الصحوة قائلاً "أتذكره وهو يقول لي 'أنا أحب جاكي، هي كل حياتي' فقلت في نفسي 'حقاً؟ منذ متى؟ منذ متى كانت جاكي كل حياتك؟'"، وأضاف ساثرز مؤكداً حجم التغيير الذي طرأ على تفكيره قائلاً "لقد بات شخصاً آخر وكلنا لاحظنا ذلك، قال لي 'كل خطأ ارتكبته كان ذنبي وحدي، سئمت من أن أكون نسخة ثانية من أبي' وقد عرفت تماماً ما قصد".
ويقصد كينيدي هنا طباع أبيه السيئة الذي عرف بأنه زير نساء، ويبدو أنه أدرك الحقيقة القاسية وهي أن أسوأ خصاله لا تختلف كثيراً عن الخصال الأسوأ لوالده، وترافق مع إدراكه هذا الشعور بالأسى تجاه والدته روز التي تأذت بالخيانات المتكررة، وشعرت لأعوام طويلة بأنها غير مسموعة ولا مقدرة أو محبوبة.
واجه كينيدي منعطفاً آخر في حياته بعد وفاة ابنه باتريك بعد وقت قصير من ولادته الباكرة في أغسطس (آب) 1963، مما أصابه بحزن شديد عمق إحساسه بالذنب المترتب على خيانة زوجته، ويستذكر الكتاب أن كينيدي المتحدر من سلالة معروفة برباطة الجأش كتم دموعه وهو يقول لزوجة شقيقه تيدي إنه يشعر بأنه يُعاقب، وأنه ارتكب أخطاء كبيرة في حياته، وأن الله يأخذ حقه منه الآن، واعترف لها قائلاً "لم أكن أفضل زوج وهذا مؤلم جداً، وأقصد بالمؤلم أنه مخز".
ويقول الكتاب إنه لربما لو منح كينيدي مزيداً من الوقت لكان توصل إلى فهم أعمق لنفسه وعمل على إصلاح ما يمكن إصلاحه مع من يحب، لكن الوقت لم يسعفه لإصلاح ما أفسده في علاقته مع جاكي، والتي على رغم الخيانات المتكررة واصلت دعمه سياسياً والتظاهر بأن رابطة زواجهما متينة، فمع تراجع شعبيته والحاجة إلى حشد الدعم للفوز بولاية ثانية كان كينيدي بحاجة إلى زوجته المحبوبة للظهور معه في التجمعات الانتخابية، في حين شعرت هي الأخرى بأنها قادرة على الإسهام بفاعلية وترك بصمة مع فريق زوجها السياسي، فوافقت على الانضمام إلى زوجها في عدد من الجولات المحلية وآخرها تكساس، حيث تعرض كينيدي للاغتيال في نوفمبر عام 1963.
في سيارة الليموزين المكشوفة وتحت حرارة الشمس الحارقة، كان كينيدي يتأمل الحشود المبتسمة التي تهتف له قبل أن ترديه رصاصتين، الأولى في رقبته والثانية هشمت جمجمته، وبعد سباق محموم نحو "مستشفى باركلاند" وجاكي بزيها الوردي الملطخ بالدماء تقف إلى جانب جثمانه المغطى بملاءة بيضاء على النقالة، وحينها انحنت وأمسكت قدمه بيدها وقبلتها، ثم رفعت الملاءة ونظرت إلى وجهه بدا لها أصغر سناً، وقبلت شفتيه.
اللحظة الأخيرة معاً
وبعد أسبوع من الاغتيال، وفي حديث مع والدتها وأخيها غير الشقيق يوشتا، تذكرت جاكي ليلتها الأخيرة مع زوجها حين نزلا في فندق تكساس بمدنية فورت وورث في الجناح (850) بعد جهد مرهق في الحملة الانتخابية، وفي ذلك اليوم، كما روت، شعرت فعلاً أنها وجدت إيقاعها وأنها أصبحت شريكة سياسية حقيقية لزوجها، وعندما وصلا إلى الجناح كان الإرهاق قد بلغ منهما مبلغاً.
ويستذكر الكتاب أنه نادراً ما كانا ينامان في السرير نفسه، حتى إنه في فندق تكساس كان لكل منهما غرفة نوم متصلة بالأخرى داخل الجناح نفسه، ومع ذلك حققت جاكي رغبة كينيدي بقضاء بعض الوقت معها قبل أن يخلدا إلى النوم، وقال لها وهو يحتضنها "كنتِ رائعة اليوم، كيف تشعرين؟" فأجابته "يا إلهي أنا مرهقة".
ووفق رواية والدتها فقد عادت جاكي لغرفتها ورتبت ثيابها لليوم التالي، الطقم الوردي ذو الياقة الكحلية والقبعة الوردية الصغيرة، وبعد أن سرحت شعرها استعداداً للنوم خلدت للفراش، لكنها عند الثالثة فجراً استيقظت فجأة وذهبت إلى غرفة كينيدي وطرقت الباب بخفة ثم دخلت إلى غرفته وزحفت إلى سريره ومارسا الحب، وبعد ذلك عادت لغرفتها ثم غرقت في النوم من دون أن تدرك أنها، باستخدام عبارتها الرقيقة، كانت هي وجاك معاً كزوج وزوجة للمرة الأخيرة في حياتهما.