ملخص
تتأقلم المطاعم البريطانية والأميركية مع تأثير أدوية فقدان الوزن مثل "أوزمبيك" عبر تقديم قوائم مرنة وحصص أصغر، في استجابة لتراجع شهية الزبائن، لكن على رغم هذا التحول يظل جوهر التجربة الاجتماعية والاحتفالية لتناول الطعام خارج المنزل عصياً على التغيير.
في مطعم "آيلاند" Island (الجزيرة) الجديد للطاهي الشهير توم براون في منطقة "كينغز كروس" وسط لندن، قائمة الطعام مقسمة إلى وجبات أو "جزر" (على سياق اسم المطعم) صغيرة وكبيرة وصغيرة جداً، في لمسة دعابية حول حجم الحصص، تبدو مثل استشراف دقيق للمستقبل.
الشيف، الذي أغلق مطعمه الحائز نجمة ميشلان "كونرستون" Cornerstone العام الماضي ويدير الآن مطعمي "بيرلي كوين" Pearly Queen و"توم براون آت ذا كابيتال" Tom Brown at the Capital إلى جانب مشروعه الجديد، يقول: "أنا أتناول أوزمبيك بنفسي، وأستطيع تفهم عدم الرغبة في الأكل كثيراً. لكننا اكتشفنا أن أسلوب تناول الطعام الخفيف بصورة عامة، والقدرة على تخصيص القائمة بحسب ما تريد، أمر في غاية الأهمية".
لم يجر تصميم المطعم مع أخذ أدوية فقدان الوزن في الحسبان، لكن اتضح أن هذا النوع من قوائم الطعام يناسب جيلاً من الزبائن الذين يأكلون أقل، ويشربون الكحول بكميات أقل، ومع ذلك لا يزالون يرغبون في تناول الطعام خارجاً. ويضيف براون: "من تجربتي الشخصية بعد تناول [الدواء]، تبقى لديك الرغبة في تناول الطعام خارجاً، لكن قد لا تحبذ وليمة من خمسة أطباق كاملة، ربما تكتفي ببعض اللقيمات فقط".
ومع وجود أكثر من 1.5 مليون شخص في بريطانيا يتناولون أدوية "جي إل بي-1" GLP-1 مثل أوزمبيك وويغوفي ومونجارو، فإن هذا التغير في الشهية – أو انعدامها – بدأ يترك أثره في قطاع الضيافة. ففي الولايات المتحدة، بدأت المطاعم بالفعل في الاستجابة لهذا التغيير، في مطعم "كلينتون هول" Clinton Hall في نيويورك، يمكن للزبائن طلب "وجبة مصغرة جداً" تحتوي على برغر بوزن أونصتين (نحو 56 غ) وبطاطس مقلية بوزن 1.5 أونصة (حوالي 42 غ)، وكأس من البيرة بسعة 5 أونصات (نحو 150 مل). كما قدمت سلسلة محال العصائر الصحية "سموثي كينغ" Smoothie King قائمة "تدعم احتياجات مستخدمي أدوية "جي إل بي-1" مكونة من خمسة عناصر، فيما بدأت الحانات في الفنادق بتقديم مارتيني بحجم صغير جداً لأولئك الذين لا يستطيعون تناول الكمية الاعتيادية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولا يقتصر الأمر على التلاعب التسويقي، إذ وجدت دراسة أجرتها وحدة "بلومبرغ إنتليجنس" Bloomberg Intelligence البحثية في أبريل (نيسان) الماضي أن أكثر من نصف مستخدمي أدوية "جي إل بي-1" في الولايات المتحدة باتوا يتناولون الطعام خارج المنزل بوتيرة أقل، وأظهر تقرير شركة "مورغان ستانلي" للخدمات المالية أن 63 في المئة منهم يطلبون كميات أقل بكثير عند الخروج لتناول الطعام.
وتقول كيران جونز، الصيدلانية السريرية في صيدلية أوكسفورد الإلكترونية: "هذا التحول يسلط الضوء على كيف أن الأشخاص الذين يتناولون أدوية لإنقاص الوزن، ويشعرون بالشبع وانخفاض الرغبة في تناول الأطعمة غير الصحية، يميلون إلى اتخاذ خيارات غذائية أفضل صحياً ويأكلون كميات أقل بصورة عامة. بالمثل، يجب على المطاعم في المملكة المتحدة تعديل قوائمها لجعلها أكثر جاذبية، ولا سيما عند تقديم خيارات غذائية صحية".
في لندن، كان مطعم "أوتوز" Otto’s (عند أوتو) أول من قدم هذه الفكرة بصورة صريحة، عندما أطلق في شهر مايو (أيار) قائمة بعنوان "قائمة لشخص واحد، بشهية ضعيفة". ليس هذا ما تتوقعه عادة من المكان: فمطعم "أوتوز" معروف بأطباقه الفاخرة مثل البط المطهو بطريقة الضغط، وسوفليه الكركند الكريمي، وفطائر كريب سوزيت الفرنسية، التي تقدم كلها بأسلوب غارق في البذخ والترف. لكن أوتو تيباس، المشارك في ملكية المطعم يقول إن القرار كان بسيطاً، موضحاً: "عرفت أنني على الطريق الصحيح عندما أخبرت اثنين من زبائننا الأثرياء جداً الذين جاؤوا لتجربة القائمة. كانا سعيدين، ومنذ ذلك الحين صارا يجلبان زبائن آخرين معهما".
وكما هو متوقع، تشمل القائمة الفاخرة للغاية: محار البحر وكبد الإوز الدهني والكركند ودجاج بريس الفرنسي الطري وآيس كريم جوز الهند، ويضيف أوتو: "مكونات فاخرة فقط، كل شيء عضوي تماماً ومنتج طبيعياً في الهواء الطلق".
منذ حديثنا معه، عدل أوتو أيضاً قائمته الفاخرة بالفعل التي تحمل اسم "ما بعد الموت"، محولاً إياها إلى تجربة تقاسم للطعام "مصممة للمشاركة بين شخصين أو أي عدد زوجي من الأشخاص"، خطوة يسميها "قائمة لقيمات صغيرة فائقة الترف".
ولا يزال البرغر المميز يقدم على هيئة حصة فردية، تبلغ كلفة التجربة كاملة 500 جنيه استرليني للفرد، مما يعادل تقريباً ثمن جرعات من أوزمبيك تكفي لشهرين.
يظهر هذا أنه، على رغم كل الحديث عن تقلص الشهية، فإن مستخدمي أدوية "جي إل بي-1" ما زالوا يرغبون في خوض تجربة المطعم الكاملة - الشموع، الأغطية الفضية، وطريقة تقديم الطعام الاستعراضية - لكن فقط بكميات تناسب معدل الاستقلاب الجديد لديهم. نجاح هذا التوجه في مطعم معروف بالإفراط في البذخ مثل "أوتوز"، يشير إلى أن الرغبة في تناول الطعام الفاخر لا تختفي، فالمتعة لا تزال الهدف، لكن تمت إعادة ترتيبها بطريقة مختلفة.
يفهم براون سبب الجاذبية، ويقول "أنت ببساطة تريد أن يحضر الناس ويحصلوا على التجربة التي تناسبهم، إذا كنتم مجموعة صغيرة، ربما تكتفون ببعض اللقيمات أو الأطباق الصغيرة، بينما يتناول الآخرون الجزء الأكبر من الطعام. هذا النوع من المرونة - من دون التقيد بتسلسل تقليدي يبدأ بالمقبلات ثم الطبق الرئيس فالحلويات - هو ما يبحث الناس عنه بصورة عامة".
اعتمد براون هذا التحول في جميع مطاعمه، بما في ذلك "ذا كابيتال" The Capital، إذ كان في البداية يقدم قائمة تذوق فقط، لكنه أدرك بسرعة أن ليس كل زبائنه راغبين في الالتزام بذلك. الآن، هناك قائمة أقصر وقائمة بحسب الطلب أيضاً، ليس استجابة لأوزمبيك تحديداً، بل لتلبية نوع جديد من الزبائن: المهتمين بصحتهم، وأصحاب الوقت الضيق، والميالين لمراعاة التكاليف.
يقول هيو سميثسون - رايت، المتخصص في العلاقات العامة للمطاعم ويتناول الطعام في الخارج بصورة منتظمة: "قائمة طعام جيدة في مطعم جيد بالفعل تقدم شيئاً لكل درجات الشهية، هناك من يرغب في تناول كميات أقل أو أطعمة أخف منذ زمن بعيد، أي قبل ظهور أدوية فقدان الوزن. كل ما يحتاج إليه المرء هو النظر إلى القائمة، والتأكد من أن المرونة التي يجب أن توفرها موجودة بالفعل".
وربما تكمن الحقيقة هنا في أمر أعمق: هل تقوم هذه الأدوية ببساطة بتسريع التغييرات الأوسع في أسلوب تناولنا للطعام؟ براون يوافق هذا الرأي، ويقول: "أصبح الناس يعتنون بأنفسهم أكثر بكثير في عطلة نهاية الأسبوع، ركبت الدراجة من منطقة ’دالستون‘ إلى منطقة ’كينزينغتون‘، وكنت أشعر وكأنني في نادي جري طوال الطريق. كان الجميع في ’دالستون‘ يمشون حاملين بساطاً رياضياً، لقد أنهوا للتو حصة تدريبية، لذا يجب أخذ ذلك في الاعتبار".
ومع ذلك، قد يكون كل هذا مجرد زوبعة في فنجان. فعدد الأشخاص الذين يتناولون هذه الأدوية ما زال يشكل جزءاً بسيطاً من السكان. هل نشهد فعلاً ثورة في عادات تناول الطعام، أم أننا ببساطة نركز اهتمامنا على ما يأكله الأثرياء والنحيلون بطريقة جديدة؟
لا يبدو سميثسون - رايت مقتنعاً تماماً، إذ يقول: "قد يخيل إليك من بعض ردود الفعل أن البلاد بأكملها تتناول أدوية ’جي إل بي-1‘، بينما الحقيقة أنها لا تزال محصورة في أقلية من السكان، فيما تتبع البقية أنماطاً غذائية أقرب إلى ’الطبيعية‘. ومع ذلك، فهي بالفعل تعبر عن تحول ملاحظ في طريقة تناول عدد كبير من الناس لطعامهم، وهذا ما يستوجب من المطاعم الانتباه إليه".
وفي حين بدأ بعض الطهاة مثل براون بالتخلي عن قوائم التذوق التقليدية لصالح صيغ أكثر مرونة، يبقى سميثسون - رايت متحفظاً إزاء ردود الأفعال الأكثر مباشرة. ويعلق قائلاً: "أعتقد أن فكرة ’الترف المصغر‘ قد لا تكون الرهان الصحيح، لأنها تتجاهل النقطة الجوهرية: من يتناولون أدوية ’جي إل بي-1‘ لا يكتفون بتقليل الكمية، بل يبحثون عن خيارات أخف. إذ يجب أن يكون الطعام الذي يختارونه صحياً كي يعمل الدواء بفعالية، ولذلك لا أظن أن شخصاً يستخدم هذه الأدوية سيقول لنفسه ’آه، ما أشتهيه الآن هو قطعة صغيرة من كبد الإوز الدهني!‘ لكن بصفته أداة تسويقية فهو طرح ذكي، وأكاد أجزم أننا سنرى مزيداً من هذه القوائم المصغرة، في الأقل ما دام استمر الصخب المحيط بهذه الأدوية".
ومع ذلك، لا بد أن يترك تقلص حجم الوجبات أثراً في الأرباح، فبحسب جونز، بدأ المستهلكون في الولايات المتحدة ممن يستخدمون أدوية "جي إل بي-1" بالتوجه نحو الوجبات المنزلية والتقليل من طلبات توصيل الطعام والخروج إلى المطاعم. أما في بريطانيا، فيشير براون إلى أنه لم يلحظ بعد تأثيراً كبيراً، قائلاً: "لا أعتقد أن ذلك سيصبح مشكلة للمطاعم من فئة معينة، فكونك تتناول أوزمبيك لا يعني أنك لم تعد ترغب في الاستمتاع بالحياة. المسألة ببساطة أن الدواء يخفف تلك الرغبة في تناول الطعام لمجرد الأكل، لا أكثر".
ويضيف: "ربما يشكل الأمر [مشكلة] بالنسبة إلى المطاعم من الدرجة المتوسطة، تلك التي يقصدها الناس غالباً بدافع سد الحاجة الغذائية أكثر من الاستمتاع، تلك الفئة التي يدخل إليها الزبائن على عجل في وقت الغداء لكون مكاتبهم قريبة، هذه المطاعم قد تشعر بتراجع الإقبال".
لكن بالنسبة إلى بعضهم الآخر، فالأمور تسير كالمعتاد. جيمس روبسون، مؤسس مطعمي "فالو" و"رو" Fallow and Roe، يعلق ساخراً: "يا له من حديث ممثل، أعتقد أن النقاش انتهى". فهو لا يرى أي تغير في الأرقام، ويتابع: "لحسن الحظ، ارتفعت معدلات الإقبال لدينا هذا العام، وبالتالي لم نلمس أي آثار جانبية في عملنا، على عكس الغموض المرتبط بأدوية فقدان الوزن هذه".
ومع ذلك، لا ينفي روبسون تماماً وجود أثر محتمل، مضيفاً "لست متأكداً أن بقاء كثير من الناس أكثر نحافة من دون ممارسة الرياضة، فقط لأن ذلك يمنحهم شعوراً أفضل ويدفعهم إلى شرب كحول أقل، أمر صحي بالضرورة. مع ذلك، من الواضح أن هذه الأدوية ساعدت بعض الأشخاص حقاً ممن يعانون مشكلات صحية حقيقية، وربما تتغلب فائدتها على أضرارها إذا أسهمت في التخفيف من معدلات البدانة عموماً".
ربما إذاً الشهية ليست هي الجوهر، بل طريقة التصرف. كما يوضح براون: "من حيث المبدأ، لن يلغي أوزمبيك حب الناس للذهاب إلى المطاعم والاستمتاع بتجربة الطعام خارج البيت، لأن الأمر أكبر من مجرد طعام. إنه الخروج نفسه، ارتداء أجمل ما لديك، وعيش تفاصيل التجربة بكاملها، لا أعتقد أن ذلك سيتأثر كثيراً".
ومع ذلك، يضيف قائلاً: "ليتني بدأت استخدام [الدواء] قبل 10 سنوات، لقد غير حياتي، أبدو في أفضل حالاتي". وهي نقطة وجيهة، فإذا كنت تحقن نفسك أسبوعياً وتتحمل شعوراً مزعجاً في مقابل هذه "الميزة"، فلا بد أن تكون هناك ثمرة تستحق العناء. فما جدوى إنفاق المال على حقنة توصف بالمعجزة إن لم تخرج لتستمتع بتلك المعجزة؟
إذاً، هل سيغير أوزمبيك طريقة تناولنا للطعام في الخارج إلى الأبد؟ ربما قليلاً، ستصبح القوائم أكثر مرونة، والحصص أكثر دقة، وسيسعى بعض الزبائن وراء المتعة في لقيمات أصغر، لكن من غير المرجح أن يطيح بالمتعة الأساسية المتمثلة في الخروج لتناول وجبة جيدة.
كما يصف سميثسون - رايت الأمر: "لقد عشت بما يكفي لأشهد ظهور صيحات عدة غذائية كبيرة وزوالها، بدءاً من حمية البحر الأبيض المتوسط التي كانت تدعو إلى ’إضافة زيت الزيتون إلى كل شيء‘، مروراً بأيام حمية أتكينز الغنية بالبروتين والخالية من الكربوهيدرات، ووصولاً إلى التحكم الصارم بالسعرات في حمية ’تناول طعام معتدل لخمسة أيام - و500 سعرة حرارية ليومين‘، التي كانت الصناعات الغذائية والمطاعم تتفاعل معها كلها بطريقة أو بأخرى، لذلك أرى أدوية ’جي إل بي-1‘ مجرد موضة أخرى ستمر".
سيكون هناك دائماً من يكتفي بطبق سلطة صغير، وآخر يطلب قطعة لحم بقري مشوي ضخمة تكفي لاثنين. الشهية ليست مجرد استجابة جسدية، بل هي أيضاً شعور عاطفي واجتماعي، وأحياناً موسمي. في بعض الليالي قد نرغب في محارة وكأس مارتيني صغير، وفي ليال أخرى نريد قطعة كعك كاملة.
ويضيف سميثسون - رايت: "حين قال صديقي المقرب ذات مرة، بمحبة، لعمته مارغريت المصابة بالسكري إنه ربما يجدر بها الانتباه إلى وزنها، أجابته قائلة ’حبيبي، وزني يرتفع وينخفض، وعندما يرتفع أكثر من اللازم أتوقف عن الكعك وأمشي قليلاً‘"، ثم أكمل مبتسماً: "أتمنى أن أكون مثل مارغريت"، أليس هذا ما نتمناه جميعاً؟
© The Independent