Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المستوطنات ورحلة الألف ميل تحت ظل إيديولوجية التوسع

أبرز أهدافها خريطة ديموغرافية بأكثرية يهودية مطلقة في مقابل أقل ما يمكن من العرب

شكل صعود اليمين نقطة فاصلة في وضع وتثبيت المستوطنات والمشروع الاستيطاني في إسرائيل (اندبندنت عربية)

ملخص

بعد انتهاء حرب عام 48 وإعلان قيام دولة إسرائيل، تميزت التجمعات السكانية بما عُرف بالمستوطنات الزراعية والـ "كيبوستات"، وبعد بلورة فكرة التهجير والاستيلاء على الأرض واصلت إسرائيل إقامة الـ "كيبوستات" حتى بدأ مشروع الاستيطان في المدن المهجرة أو التي استولت عليها الدولة الإسرائيلية وطردت سكانها الفلسطينيين الأصليين.

قبل السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 سُئل وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش عن "حدود إسرائيل الكبرى التي ما زلتم تخططون لها"؟ فرد من دون تلعثم أو تفكير دمشق.
واليوم وبعد أكثر من عامين من الحرب باتت منطقة واسعة في الجنوب السوري ضمن السيطرة الإسرائيلية، والتخطيط الحالي هو ضمها ضمن خطة تقسيم سوريا، وفي الضفة الغربية تبحث في إسرائيل حالياً في اجتماعات خاصة يعقدها الـ "كابينت" الموسع مقترحات عدة بينها نزع السيادة الفلسطينية عن الخليل وضمها لإسرائيل، وتوسيع مستوطنات القدس والضفة، وضم مناطق فلسطينية للسيادة الإسرائيلية، وتجاوزت إسرائيل توسيع استيطانها في المناطق الفلسطينية C الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية باتجاه منطقتي A و B، وهي خطوة تشكل تقدماً سريعاً وكبيراً نحو تحقيق حلم الصهيونية واليمين الإسرائيلي في إقامة "إسرائيل الكبرى" أو "أرض إسرائيل الكاملة"، كما يطلق عليها بعضهم.

من الـ "كيبوتسات" الى المستوطنات

البدايات كانت بعد انتهاء حرب عام 48 وإعلان قيام دولة إسرائيل، وتميزت التجمعات السكانية بما عُرف بالمستوطنات الزراعية والـ "كيبوتسات"، وبعد بلورة فكرة التهجير والاستيلاء على الأرض واصلت إسرائيل إقامة الـ "كيبوتسات" حتى بدأ مشروع الاستيطان في المدن المهجرة أو التي استولت عليها الدولة الإسرائيلية وطردت منها سكانها الفلسطينيين الأصليين، ووفق الشريعة اليهودية (الهلاخا) فإن رؤية "أرض إسرائيل الكاملة" تستند في معناها الضيق إلى حدود "أرض إسرائيل"، أراضي الانتداب البريطاني حتى عام 1921، أي أراضي دولة إسرائيل بعد حرب الأيام الستة وقبل اتفاق السلام مع مصر.
ويرى الباحث في شؤون "أرض إسرائيل" موشيه أورئيل أن "كثيراً من الإسرائيليين والحركات التي أقيمت لدعم مشاريع الاستيطان يستخدمون مصطلح 'أرض إسرائيل الكاملة' ضمن خريطة تقع بين الأردن والبحر وسائر الحدود الأمنية لدولة إسرائيل التي تحت سيطرتها، خصوصاً عندما يكون الحديث في مواجهة آراء تشكك في هذه الحدود".
ولاحقاً وبعد رسم حدود إسرائيل انتقل إسرائيليون للسكن في أماكن خارج "الخط الأخضر" التي لم تُعرف كجزء من دولة إسرائيل، بدافع ضمها لدولة إسرائيل، بحسب أورئيل الذي تابع "لقد قادت هذا المسار مجموعات صغيرة بحيث انتقلت من داخل الخط الأخضر إلى خارجه وجذبت معها كثيرين، وهذه كانت نقطة الانطلاق للاستيطان في الضفة وكريات أربع والخليل"، مضيفاً "في البداية كانت مجموعة مستوطني الخليل معدومة الوسائل ولا تملك سوى معرفة قليلة بطرق العمل الممكنة، وقد تعرض قادة هذه المجموعات لكثير من الأسئلة الصعبة ومنها هل هناك مبرر للاستيطان دون موافقة حكومات إسرائيل وفرض حقائق على الأرض، أم يجب الانتظار للحصول على موافقة؟ وما هو الموقف الصحيح تجاه عرب الخليل؟ وغيرها من الأسئلة".

ويقول الباحث الإسرائيلي إن "المستوطنين تلقوا دعماً كبيراً من مختلف الحكومات وحركات استيطانية وصهيونية، ولولا هذا الدعم ما كان هناك إمكان للبدء بمشروع الاستيطان في الخليل، وكذلك الإلهام الفكري الذي دفع وشرعن مشروع الاستيطان كله، على رغم الإشكال في فرض وقائع على الأرض دون قرار حكومة منتخبة".

ويضيف أورئيل "في الخليل تحديداً فرض المستوطنون رأيهم على من يمكن تسميتها الغالبية العاقلة في إسرائيل وصولاً إلى القرار الذي اتخذه الكنيست الإسرائيلي حول إقامة 'كريات أربع' خلال فترة حكم حزب العمل".

"أرض إسرائيل الكاملة"

وبحسب تعريف الحركة الصهيونية لـ "أرض إسرائيل الكبرى أو الكاملة"، فهو مصطلح جيو- سياسي وأيديولوجي في تاريخ شعب إسرائيل والحركة الصهيونية وأيضاً في سياسة دولة إسرائيل، ويشير إلى "أرض إسرائيل" بحدود تاريخية وفق ما تصفها مصادر توراتية أو تاريخية، وأصبح هذا المصطلح شائعاً بعد حرب عام 1967، حين كان طموح إسرائيل فرض سيادتها على الأراضي الواقعة خلف "الخط الأخضر" التي انتقلت إلى سيطرتها.
وأيديولوجية "أرض إسرائيل الكاملة" يتبناها بشكل عام اليمين الإسرائيلي، واليوم يربط هذا المصطلح بالمشروع الاستيطاني الذي هدفه استيطان يهودي في مناطق هضبة الجولان وغور الأردن والضفة وقطاع غزة، وبعد شهرين من حرب عام 1967 كان التعبير العلني الأول لوزير الدفاع آنذاك موشيه ديان حول مستقبل المناطق بقوله إن "إسرائيل ستمسك بها حتى توقيع اتفاقات سلام"، وتزامناً قدم نائب رئيس الحكومة يغئال ألون إلى الحكومة خطته لحل الصراع، وفي مركزها أن الحدود الشرقية لإسرائيل ستكون نهر الأردن، ومنح حكم ذاتي للفلسطينيين في الضفة.

وفي نهاية سبتمبر (أيلول) من ذلك العام أقيمت أولى المستوطنات، وفي نهاية عام 1967 تبنى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القرار (242) الذي نص على دعوة إلى سلام في حدود معترف بها وآمنة، وانسحاب إسرائيلي من كل المناطق التي احتلت في حرب الأيام الستة.

وفي الموازاة أقيمت في إسرائيل الحركة من أجل "أرض إسرائيل الكاملة" وهدفها استيطان كل أجزاء الأرض التي حُررت، وضمت مثقفين وشخصيات عامة من الذين تبنوا فكرة ضم الأراضي إلى دولة إسرائيل، وكانت الحركة "فوق-حزبية" ومن بين مؤسسيها شخصيات سياسية ومعظمهم من قدامى حركة العمل، ودعا أعضاؤها إلى التمسك بأرض الضفة وقطاع غزة والجولان والاستيطان فيها.

وفي عام 1968 أقيمت مستوطنة "ناحال كاليا" في غور الأردن كجزء من مفهوم الأمن في "خطة ألون"، وقد أعلن رئيس الحكومة آنذاك ليفي أشكول أن "نهر الأردن هو الحدود الأمنية لدولة إسرائيل"، وبعد ذلك وفي الأعوام التالية أقيمت في المناطق مستوطنات أخرى عدة جرى تحويلها لاحقاً إلى مدن.

وفي عام 1974، وفي خطوة لتعزيز الاستيطان أقيمت حركة "غوش ايمونيم" وهدفها إقامة مستوطنات في كل أجزاء "أرض إسرائيل"، وحتى الانقلاب السياسي في إسرائيل عام 1977 حين صعد "الليكود" إلى الحكم ووجهت مشاريع هذه الحركة وغيرها من المجموعات الناشطة والحركات بمعارضة من الحكومة، وجرى هدم كثير من المستوطنات، لكن صعود اليمين شكل نقطة فاصلة في وضع وتثبيت المستوطنات والمشروع الاستيطاني، فالحكومة التي شكلها مناحيم بيغن قررت الاعتراف بالمستوطنات الواقعة خلف "الخط الأخضر"، ورسم وزير الزراعة آنذاك أرييل شارون خطة واسعة النطاق للاستيطان خلف "الخط الأخضر"، وفي ذلك العام وحده أقيمت 15 مستوطنة جديدة، وفي عام 1977 وصل عدد المستوطنات في الضفة إلى 38.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

القومية والتهجير

الخبير في شؤون الاستيطان مدير مركز القدس للشؤون الاقتصادية والاجتماعية زياد الحموري حذر من "القرارات التي تتخذها الحكومة الإسرائيلية الحالية لتوسيع منطقة نفوذ إسرائيل وفرض السيادة على مناطق واسعة في الضفة"، مضيفاً أن "لهذا الاستيطان هدف واحد ومعلن وهو الاستيلاء على كل شبر من الأرض والسعي قدر الإمكان إلى السيطرة عليها وإلغاء ملامحها الفلسطينية، وفي المقابل ابتداع الخطط المباشرة وغير المباشرة للتهجير".
وتابع الحموري أن "ما شهدته الضفة بعد 'اتفاقات أوسلو' من خطط تنسف هذا الاتفاق جعلتهم اليوم يتحدثون بأنهم نجحوا في تصفية فكرة الدولة الفلسطينية، فالمنطقة C التي تشكل 60 في المئة من أراضي الضفة باتت اليوم في مركز أهداف الحكومة الحالية ومشاريع السيطرة عليها".

كما لا يضع الحموري ما تنفذه إسرائيل في الضفة من تفريغ المخيمات من سكانها تحت ذريعة "القضاء على التنظيمات المسلحة"، خارج مخطط الاستيطان وصولاً إلى "أرض إسرائيل الكبرى"، ويعتبر "أنه هجوم خطر وسافر على المخيمات لتفريغها من أهلها، فمنذ أشهر طويلة أصبحت مخيمات جنين وطولكرم ونابلس وغيرها خالية من سكانها، وهذه خطوة أولى أمام الخطوة الأكبر المخطط أن تُنفذ خلال المراحل المقبلة وصولاً إلى ضمها لإسرائيل وإعادة ترسيم حدودها ضمن ما يسمى أرض إسرائيل الكبرى".

ويوضح الحموري أن "أرض إسرائيل الكبرى هي التمدد الداخلي اليوم للاستيطان من مناطق A و B وC  والتي وفق أبحاث مختلفة لمخططات إسرائيلية ستصبح جزءاً من إسرائيل، إذ ستضم جميع المستوطنات الموجودة إلى سيادة إسرائيل، مما يعني انتزاع مساحات شاسعة من الأرض الفلسطينية التي أقيمت عليها المستوطنات، وهي مستوطنات حتى اليوم تدرج غير قانونية، وستنتزع من السيادة الفلسطينية وتصبح تحت السيادة الإسرائيلية".

ومنذ عام 1967 طوعت الحكومات الإسرائيلية جهودها لسن قوانين تشرع استمرار احتلالها والسيطرة على أكبر مساحة من الأرض لبناء المستوطنات، وتحقيق هدفها الأسمى وهو "خريطة ديموغرافية بأكثرية مطلقة لليهود وأقلية للعرب".

ونجحت إسرائيل على مدى تلك الأعوام في التهام أكثر من 50 في المئة من الأرض الفلسطينية في مختلف المناطق والقدس بخاصة، ووضعت مخططاتها لمنع وجود بنى أساس لإقامة الدولة الفلسطينية والتوصل إلى اتفاق حول مساحة تلك الدولة وعاصمتها في أي اتفاق مستقبلي، مما يوصل وفق ما يؤكد الحموري إلى استنتاج مفاده أن "إقامة الدولة من الناحية الواقعية أمر مستحيل، إذ إن تداخل المستوطنات وإقامة الشوارع الرحبة منع التواصل بين أحياء البلدة الفلسطينية الواحدة والتواصل في ما بين البلدات الفلسطينية التي أصبحت شبه معزولة".

خرائط بانتظار التنفيذ

على مدى عشرات الأعوام عملت حركات يمينية وصهيونية على دعم الاستيطان في مختلف مناطق الضفة، وكثفت من بنائها في أعقاب عملية الانفصال عن غزة أو معركة "فك الارتباط" التي قررها رئيس الحكومة السابق أرييل شارون ونفذها عام 2005، فالمستوطنون الذين جرى إخلاؤهم من هناك تحولوا إلى نواة نشطة لتكثيف الاستيطان وبينها البؤر الاستيطانية على الأراضي الفلسطينية وفي الجبال ومناطق شاسعة تقع تحت السيادة الفلسطينية، واتخذت بعض الحكومات الإسرائيلية قرارات بتفكيك بعض المستوطنات، لكنها بمعظمها دعمت الاستيطان وكرست له الموازنات الهائلة، بل ووضعت وحدات خاصة من الجيش والشرطة لحراسة المستوطنين.

والحكومة الحالية التي يترأسها بنيامين نتنياهو وبعض الوزراء وأعضاء من أحزاب الائتلاف الحاكم، كثفت دعم المشاريع الاستيطانية، حتى إن نتنياهو ووزير ماليته سموتريتش عرضا خرائط المشاريع الاستيطانية في الضفة، والتي في نهايتها ستسهم في توسيع منطقة حدود إسرائيل بما يضمن لها عدم توفير أرض أو مناطق فلسطينية يمكن من خلالها إقامة الدولة الفلسطينية، ولا حتى أحياء متواصلة داخل مدينة القدس، وتحديداً القدس الشرقية التي من المفترض أن تصبح عاصمة للدولة الفلسطينية العتيدة، بينما الأنظار الإسرائيلية تبقى محدقة نحو القدس الموحدة كعاصمة لدولة "إسرائيل الكبرى".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير