Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الملك لير" في الـ80 يستعيد شبابه في مصر

الفنان يحيى الفخراني في صيغة اخراجية ثالثة من نص وليم شكسبير

حضور يحيى الفخراني بث طاقة إيجابية في ممثلي العرض (مواقع التواصل)

ملخص

قدم الفنان المصري الكبير يحيى الفخراني عرضه المسرحي " الملك لير" للبريطاني وليم شكسبير، على المسرح القومي بالقاهرة، إخراج شادي سرور. وهي المرة الثالثة التي يقدم فيها الفخراني هذا النص، بعد تقديمه من قبل مع المخرج الراحل أحمد عبدالحليم والمخرج الشاب تامر كرم.

قبل أن يبدأ الفنان المصري الكبير يحيى الفخراني بروفات مسرحية" الملك لير" للكاتب والشاعر البريطاني وليم شكسبير، ثار جدل واسع وأسئلة كثيرة، لماذا يعيد الفخراني تقديم " لير" للمرة الثالثة. كانت الأولى عام 2001 مع المخرج الراحل أحمد عبدالحليم والثانية عام 2019 مع المخرج الشاب تامر كرم، أما الأخيرة فجاءت مع المخرج شادي سرور لفرقة المسرح القومي، وبين الأولى والثانية قدم الفخراني مسلسلاً تلفزيونياً "دهشة" عن النص نفسه.

ما الجديد الذي يمكن للفخراني إضافته، بعدما قدم بنجاح لافت نسختيه السابقتين، ولماذا لا يقدم نصاً آخر، وهل يستطيع وهو في هذه المرحلة العمرية (80 سنة) الوقوف على المسرح ثلاث ساعات، يصول ويجول كما كان يفعل سابقاً، وغيرها من الأسئلة التي لم تثنِ الرجل عن العمل في صمت حتى ظهر العرض إلى النور، ليتفاجأ من يريد مشاهدة " الملك لير" بأن عليه الانتظار ليس أقل من أسبوعين ليحصل على مقعد، حتى لو في الصفوف الخلفية أو في " البنوار".

قد يبدو الإقبال على مشاهدة مسرحية يقوم ببطولتها فنان بحجم الفخراني أمراً طبيعياً، نجم كبير وله جمهور عريض، وأياً كان مستوى العمل الذي يقدمه، فمشاهدته على المسرح متعة في حد ذاتها.

مسرحية النجم

كان على المخرج شادي سرور أن يضع كل هذه الأسئلة في ذهنه وهو يستعد لتقديم العرض، وكان عليه أيضاً أن يتجنب الوقوع في شرك "مسرحية النجم" هذا النوع من المسرحيات الذي يقود فيه النجم، المخرج والعرض بأكمله، وتكون له الكلمة العليا في تفاصيله كافة، وما على المخرج إلا أن يستجيب، صاغراً، لكل تعليماته وطلباته.

ولعل من شاهد العرض يدرك أن مخرجه لم يقع في هذا الشرك وتحكم في تفاصيل عرضه، وربما ساعده في ذلك أنه يتعامل مع فنان متحقق وصاحب تاريخ، وليس من أولئك النجوم الذين لا يتركون مساحة لغيرهم، وينفردون بكل شيء، وهو أمر يعود، أولاً وأخيراً، لوعي النجم وثقافته، وأيضاً طبيعته الشخصية وسلامه النفسي.

 

وبدا واضحاً أنه عرض "الملك لير" لا عرض يحيى الفخراني الذي لم يستأثر بكامل المساحة، مما يحسب له بالتأكيد، وبث حضوره طاقة إيجابية في ممثلي العرض فشاهدنا أداء تمثيلياً رصيناً ومتقناً، فضلاً عن عناصر العرض الأخرى التي اختيرت بعناية لتكتمل الصورة بما يليق بعراقة المسرح القومي ونص شكسبير، وكذلك مكانة بطل العرض.

منذ رفع الستار، يدرك المشاهد أنه بصدد صورة مسرحية على قدر عالٍ من الثراء والفخامة، ستوظق في خدمة دراما العرض، فالديكور (حمدي عطية) استغل إمكانات المسرح القومي، فتعددت مناظره، سواء من خلال القطع الديكورية سهلة التغيير، أو من خلال الشاشات على الجوانب أو في العمق، أو من خلال الإسقاط من علِ، وكأننا بصدد مزيج سينمائي مسرحي يتطلب تنفيذه وإدارته دقة واحترافية شديدتين، وتجلت الاحترافية كذلك في الاستعراضات (ضياء شفيق)، بخاصة خلال مشاهد المعارك والمبارزة بالسيوف التي جاء تنفيذها على قدر عالٍ من الإتقان والإبهار، وذلك كله على وقع موسيقى (أحمد الناصر) لا تعمل كمجرد خلفية تبطن الحدث، بل تشارك أيضاً في صناعته بصعودها وخفوتها وتوتراتها المراعية لطبيعة المشهد والمشاركة في التعبير عنه.

حكاية الملك العجوز

يكاد المهتمون بالمسرح يحفظون حكاية "لير" عن ظهر قلب، ذلك الملك العجوز الذي قرر أن يستريح من مهمات الحكم ويقسم مملكته بين بناته الثلاث، ويعطي كلاً منهن جزءاً بحسب ما تبديه تجاهه من حب، وعلى رغم أن أصغرهن كانت أكثرهن صدقاً ومحبة، ولأنها لا تجيد النفاق أو الادعاء، وأعلنت أنها تحبه فقط لأنه أبوها، بينما تبارت الكبرى والوسطى في تدبيج العبارات العاطفية وبالغتا في إظهار ما تدعيانه حباً لوالدهما، فقد تقاسمتا المملكة، بينما حرمت الصغرى من كل شيء، لتتوالى الأحداث ويكتشف الملك العجوز عقوق ابنتيه اللتين حظيتا بكل شيء، ثم واجهتا عطاءه بالجحود والقسوة، وأن الصغرى فقط هي من تقف إلى جانبه، بل تضحي بنفسها من أجله لأنها كانت تحبه بصدق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى رغم أن هناك خطاً ثانياً يتعلق أيضاً بعقوق الأبناء، متمثلاً في غلوستر، ذلك النبيل الوفي، المحب للملك والمضحي من أجله والذي وشى به ابنه غير الشرعي إدغار، مما أدى إلى فقده عينيه، فإن النص لا يقتصر فقط على هذه الفكرة، إذ يطرح، ولو من طرف خفي، فكرة الاستبداد التي تجعل صاحب السلطة متيماً بالمديح والتبجيل، مما يصيبه بالعماء ويصم أذنيه عن سماع نصيحة الأوفياء المقربين، فيكون مصيره الضياع والجنون، وتلك كانت مأساة الملك لير ومأساة كل حاكم مستبد، ومن هنا يستمد النص ديمومته وبقاءه صالحاً لكل عصر.

 الرد مسرحياً

أدى يحيى الفخراني دور الملك لير، مستنداً إلى علاقته الوثيقة بالنص من ناحية، ومن ناحية أخرى إلى خبراته الطويلة والمتراكمة التي تشعر مشاهده، نظراً إلى ذوبانه في الشخصية، كأن الملك لير بعث من مرقده، فلا تستطيع الفصل بين الشخصيتين، وأثبت بحيويته على المسرح أن باستطاعة الفن منح الممثل، مهما بلغ من العمر، طاقة تجدد شبابه وتعيده لسنوات الصبا، ليرد عملياً، وبقدرة فنان راسخ وعتيد، على من تساءلوا كيف سيقوم بدور الملك لير مجدداً وهو في هذه المرحلة العمرية المتقدمة.

 

وأداء الفخراني جاء بليغاً وملهماً، لا حركة أو إيماءة أو طبقة صوت مجانية أو في غير موضعها، كله بحساب وموظف في خدمة المشهد، فهو منغمس كلياً في الشخصية ومتوحد معها، أعلى بكثير من درجة المكر، وهو أمر ليس غريباً أو جديداً على فنان واعٍ، يذاكر الشخصية جيداً، ويلم بأبعادها كافة حتى يصبح هو وهي كلاً واحداً.

وانسحب تأثير الفخراني على من حوله، هم بالتأكيد موهوبون، وبعضهم صاحب خبرة مسرحية طويلة، لكن الوقوف أمام ممثل كبير يتطلب مزيداً من الإجادة، مما بدا واضحاً في أداء طارق الدسوقي (قام بدور غلوستر) مستدعياً كل خبراته، وواعياً بطبيعة ذلك النبيل الوفي والمحب للملك، والمغدور من ابنه غير الشرعي إدموند (أحمد عثمان) ذلك الممثل الشاب الذي أجاد التلوين في أدائه بدهاء شديد، وكان مقنعاً في أكاذيبه وألاعيبه، وغونرل (أمل عبدالله) التي تعد عودتها للمسرح من أهم مكاسب هذا العرض، قامت بدور الابنة الكبرى العاقة لأبيها، وريغان الابنة الوسطى للملك (إيمان رجائي) وإيريل كنت (حسن يوسف) وإدغار الابن الشرعي لغلوستر (تامر الكاشف) ودوق كونروال (محمد العزايزي) وكورديليا الابنة الصغرى الوفية لأبيها الملك (لقاء علي) والمهرج (عادل خلف).

تظل مأساة "الملك لير" ملهمة لكثير من المخرجين، سواء في المسرح أو السينما أو التلفزيون، فهي نص لا يسقط بالتقادم، ويظل يحيى الفخراني واحداً من أبرع الممثلين المصريين الملهمين للأجيال الجديدة، فنان لا يسقط بتقدم العمر، بل يزداد جمالاً وبهاء.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة