ملخص
إعادة تفعيل "خدمة العلم" في الأردن ستبدأ مطلع العام المقبل وستخصص الموارد اللازمة له من بند النفقات الطارئة وكذلك في موازنة عام 2026، وسيجري توضيح جميع التفاصيل المتعلقة بالبرنامج الذي سيطبق بالتدرج خلال الأسابيع المقبلة ويستهدف 6 آلاف شاب ممن أتموا 18 سنة، موزعين على ثلاث دفعات تضم كل دفعة 2000 مكلف يجري اختيارهم إلكترونياً.
بعد أكثر من ثلاثة عقود على تعليقها، أعلن ولي العهد الأردني إعادة العمل بخدمة العلم الإلزامية مما فاجأ الأردنيين الذين تساءلوا عن أسباب وتوقيت هذا القرار، إذ إن توقيته حساس ولا سيما في ظل ما تعيشه المنطقة من توتر متصاعد، وبخاصة أنه جاء بعد أيام قليلة على تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول ما أطلق عليه رؤية "إسرائيل الكبرى" التي أثارت موجة واسعة من الغضب الأردني والعربي.
وفي كلمة مؤثرة من مدينة إربد شمال البلاد، أكد ولي العهد أن هدف إعادة التجنيد الإجباري هو تمكين الشباب الأردني من الدخول بصورة مباشرة في الدفاع عن الوطن، وليست هذه المرة الأولى، ففي مايو (أيار) الماضي أطلق الأمير الحسين بن عبدالله تصريحات مشابهة أكد فيها ضرورة إعادة خدمة العلم ليكون الجيل الجديد منضبطاً ومرتبطاً بأرضه.
رسائل عدة
وبحسب متابعين فإن القرار الأردني يعكس رسالة واضحة للداخل والخارج بأن المملكة لن تتهاون في تعزيز قدراتها الدفاعية والاستعداد لأية سيناريوهات محتملة، مع تمكين جيل الشباب من اكتساب خبرات عسكرية وأساس في حماية السيادة الوطنية، كما يحمل القرار رسائل ردع وتعبئة وطنية نتيجة الخطاب التوسعي الإسرائيلي في المنطقة.
وأشار ولي العهد الأمير حسين بن عبدالله إلى أنه أوعز للحكومة منذ مدة بالعمل مع شركائها لتطوير "برنامج خدمة العلم" الذي سيخضع لسلسلة من الإجراءات وفق جدول زمني واضح، ليُعلن عن تفاصيله.
ووفق مراقبين فإن إعلان ولي العهد الأردني هو أول رد رسمي على تصريحات نتنياهو وفيه رسائل للإسرائيليين وحلفائهم الغربيين، أولها استعداد الأردن للدفاع عن نفسه والاستجابة لمطالب الشارع والتلويح بأن مبررات تجميد هذا التجنيد، وهو اتفاق وادي عربة عام 1994، لم يعد قائماً، وأن هذا الاتفاق خضع للمراجعة.
استنفار حكومي
بدوره قال رئيس الوزراء جعفر حسان إن إعادة تفعيل "خدمة العلم" سيبدأ تنفيذها مطلع العام المقبل وستخصص الموارد اللازمة له من بند النفقات الطارئة وكذلك في موازنة عام 2026، وسيجري توضيح جميع التفاصيل المتعلقة بالبرنامج الذي سيطبق بالتدرج خلال الأسابيع المقبلة، لافتاً إلى أن الحكومة سترسل إلى البرلمان وبصفة عاجلة مشروع التعديلات اللازمة على "قانون خدمة العلم" والخدمة الاحتياطية فور انعقاد الدورة البرلمانية المقبلة.
فيما قال وزير الاتصال الحكومي والمتحدث الرسمي باسم الحكومة محمد المومني، إن الحكومة والقوات المسلحة الأردنية تعملان منذ فترة على إنجاز مشروع وطني لإعادة تفعيل "خدمة العلم"، موضحاً أن البرنامج الجديد يسعى إلى إعداد مزيد من الشباب الأردني المنضبط والمرتبط بأرضه من خلال منظومة متكاملة تعيد الروح لمفهوم الخدمة الوطنية.
وبيّن المومني أن البرنامج سيبدأ بتطبيقه على مجموعة من الشباب عام 2026 ليشكلوا الدفعة الـ 54 من دفعات الخدمة الإلزامية، مع التوجه إلى التوسع التدريجي خلال الأعوام اللاحقة، بهدف صقل شخصية الشباب الأردني بدنياً وفكرياً وثقافياً، وتعزيز الهوية الوطنية وترسيخ قيم الانضباط والصبر والعمل الجماعي عبر الدخول في بيئة مؤسسة الجيش الأردني.
استهداف 6 آلاف شاب
وكشف وزير الاتصال الحكومي محمد المومني ومدير الإعلام العسكري في القوات المسلحة الأردنية العميد مصطفى الحيارى عن تفاصيل برنامج "خدمة العلم" بصيغته الجديدة والمتدرجة، إذ يستهدف 6 آلاف شاب أردني مواليد عام 2007 الذكور ممن أتموا 18 سنة، موزعين على ثلاث دفعات تضم كل دفعة 2000 مكلف يجري اختيارهم إلكترونياً.
ووفق التفاصيل فسيبقى المكلفون داخل المعسكر وسيحصل كل فرد منهم على مخصص مالي مقداره 140 دولاراً شهرياً، فيما شدد المومني على أنه "لن يكون هناك استثناء لأي أحد في برنامج خدمة العلم، سواء كان ابن وزير أو نائب أو سفير".
إستراتيجية شاملة
يعتقد نقيب الصحافيين السابق راكان السعايدة أن إعادة تفعيل "خدمة العلم" خطوة في مكانها، بخاصة إذا جاءت في سياق إستراتيجي وطني شامل يعالج الخلل في البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية، ويرى أن عودة التجنيد الإلزامي تظهر استيعاب المملكة وتقديرها للأخطار، بغض النظر عما إذا جاءت متأخرة أو في وقتها، داعياً إلى ربطها بإجراءات إضافية للمواجهة طويلة المدى، مثل إيجاد بدائل جذرية للغاز والمياه المستوردة من إسرائيل، ومعالجة الإشكالات السياسية الداخلية وتوحيد الصف الوطني وتقويته لمواجهة أخطار وجودية حقيقية، عدا عن البدء في إجراءات علنية لمحاربة الفساد بكل أشكاله ودعم الجيش والأجهزة الأمنية والاستعانة برجال دولة على قدر عال من الكفاءة والقدرة على صناعة القرار واتخاذه، إضافة إلى تبني إستراتيجية إعلامية جديدة والعمل مع العرب والغرب لردع إسرائيل ومنعها من التقدم في مخططاتها.
من التفعيل الى التجميد
يشار إلى أن مطلب إعادة العمل بـ "قانون خدمة العمل" قديم وكثيراً ما رددته أحزاب وقوى سياسية عدة، بخاصة المعارضة منها وبرلمانيون تحت قبة البرلمان، فتاريخياً كرس "قانون التجنيد الأردني" لعام 1976 الخدمة الإلزامية للذكور فوق 18 سنة لمدة عامين، وجرى تعليق التجنيد الإلزامي عام 1994 من دون إلغاء القانون، مما أبقى الباب مفتوحاً لإعادة التفعيل في أي وقت.
وشهد عام 2011 عودة للمطالبة بإحياء "خدمة العلم" على أن تُسمى "خدمة الوطن"، وكان يفترض أن تكون مدة الخدمة 12 شهراً يجري خلالها منح المكلف مبلغاً شهرياً مقداره 100 دينار (140 دولاراً) يتلقى فيه المكلفون تدريباً عسكرياً مدته ثلاثة أشهر.
وفي عام 2020، وفي محاولة من الحكومة لإعادة صياغة شكل ونوع الخدمة العسكرية الإلزامية، أعلنت برنامج خدمة وطنية موجه للذكور غير الملتحقين بالعمل أو الدراسة بعمر بين 25 و29 سنة لمدة 12 شهراً، بينها ثلاثة أشهر من التدريب العسكري، بينما باقي المدة تخصص للتدريب المهني والتقني، لكن هذا البرنامج لم يُفعل بشكل واضح وتراجع لاحقاً إلى مرحلة التجميد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
القدرات العسكرية الأردنية
ويقدر عدد جنود الجيش الأردني بـ 170 ألف عنصر منهم 65 ألفاً من قوات الاحتياط، وتتوزع هذه القوات بين القوات البرية والقوة الجوية ووحدات بحرية، في حين تقدر نفقات الدفاع الأردنية بما بين 2.4 و 2.6 مليار دولار عام 2024، تمثل قرابة خمسة في المئة من الناتج، وفق بيانات البنك الدولي.
وتنشط القوات العسكرية الأردنية في حماية الحدود الشمالية وكبح التهريب من جنوب سوريا، بما في ذلك اعتراض طائرات مسيرة محملة بالمخدرات، وقد طورت عمّان منذ عام 2023 قدرات رصد واعتراض وهجمات استباقية محدودة ضد شبكات التهريب داخل سوريا، ضمن إطار الدفاع عن النفس، بينما تحظى القوات الخاصة الأردنية بسمعة مهنية عالية إقليمياً، وتعد ركيزة من ركائز مكافحة الإرهاب والرد السريع عالمياً. ويظهر مؤشر (Global Firepower) ترتيباً متوسطاً للأردن لعام 2025 في المرتبة الـ 75 عالمياً من حيث الجهوزية القتالية.
وكذلك تمتلك القوات الجوية الأردنية 260 طائرة حربية بينها 46 مقاتلة و74 هجومية، إضافة إلى طائرات الشحن العسكري وطائرات التدريب، إضاقة إلى 134 مروحية بينها 47 هجومية، مع 1321 دبابة و2547 مدرعة و461 مدفعاً ذاتي الحركة و72 مدفعاً ميدانياً و88 منصة إطلاق صواريخ متعددة.
مكاسب محتملة
وأظهر استطلاع رأي أجراه "مركز الدراسات الإستراتيجية" في الجامعة الأردنية أن الغالبية العظمى من الأردنيين (72 في المئة) يعتقدون أنه يجب إعادة العمل بـ "خدمة العلم"، بينما يرى 47 في المئة منهم أنه لا يجب أن تقل مدة الخدمة عن عامين.
ويعتقد مراقبون أن لجوء الأردن لتفعيل التجنيد الاجباري يمنحه القدرة على التعبئة البشرية المنظمة ورفد منظومة الدفاع بقوة بشرية مدربة تدريباً أساسياً ويمكن استدعاؤها عند الطوارئ وتقوية الاحتياط، قائلين إن الدمج ما بين التدريب العسكري والمهني سيزيد انضباط فئة الشباب ويربط الخدمة بسوق العمل ويخفف البطالة ويخلق جاهزية مدنية عسكرية، فضلاً عن رفع منسوب الثقة والهوية الوطنية في مواجهة طروحات توسعية إقليمية مثل خطاب "إسرائيل الكبرى".
لكن في المقابل يطرح آخرون تحديات متوقعة في طريق تنفيذ عودة التجنيد الإلزامي وأبرزها الكلفة والموارد، إذ إن أية خطة ستتطلب بنية تدريب وإيواء وتجهيز إضافية لاقتصاد يعاني منذ أعوام، كما أن سحب فئات عمرية من سوق العمل قد يؤثر في قطاعات معينة وحيوية.
صدام حتمي
ويؤكد المحلل السياسي حسن براري أن "الصدام بين الأردن وإسرائيل ليس احتمالاً بعيداً بل أمر حتمي ومسألة وقت لا أكثر، كنتيجة طبيعية للمجتمع الإسرائيلي وبنيته الفكرية والسياسية ولطبيعة مشروعه الاستعماري"، مؤكداً أن "إسرائيل لا تعيش إلا في قلب التناقض وعلى افتعال الأزمات، وأن استقرارها مشروط بزعزعة استقرار محيطها، وبعد أن نجحت في إحداث تغيير جيوسياسي في المنطقة باتت تعلن إسقاط الأردن من نظريتها الأمنية، ولذلك فلن تكون المواجهة على المدى القريب وإنما على المدى المتوسط".
لكن الخبير العسكري نضال أبو زيد يرى في تصريحات نتنياهو الأخيرة ضد الأردن ودول عربية "بروباغندا" سياسية واستثماراً انتخابياً داخل معسكر اليمين الإسرائيلي المتطرف أكثر من كونها برنامجاً عملياً قابلاً للتنفيذ، وبحسب أبو زيد فإن "لدى نتنياهو استحقاق انتخابي العام المقبل ولذلك يستخدم الخطاب الشعبوي والمبالغات الأيديولوجية لتغذية نزعة التوسع الاستعماري".
ويطالب أبو زيد الأردن بتعزيز أدواته الإعلامية والدبلوماسية بما يكفل مجابهة الخطاب الإسرائيلي المتشدد بخطاب أردني أكثر صلابة واندفاعاً، مذكراً بمعارك الجيش الأردني مع إسرائيل في القدس واللطرون والجفتلك وباب الواد وصولاً إلى الكرامة.
هل تحتل إسرائيل الأردن؟
يجيب الكاتب والمحلل السياسي ماهر أبو طير على سؤال يؤرق الأردنيين حول ما إذا كانت إسرائيل تنوي احتلال الأردن بعد تصريحات نتنياهو الأخيرة، ويقول إن "تل أبيب الغارقة في غزة منذ عامين وغير مؤهلة عسكرياً وسياسياً واقتصادياً وبشرياً لاحتلال دول أخرى، بخاصة مع وجود أزمة لديها تتمثل في الضفة الغربية و'فلسطين 1948' واشتباكها مع 7 ملايين فلسطيني على الأرض"، مضيفاً أن إسرائيل ربما تلجأ لسيناريو تفجير الحدود الغربية للأردن مع فلسطين، ومحاولة فرض مخطط التهجير من الضفة لإغراق الأردن سكانياً واقتصادياً وأمنياً، أو تفجير الحدود الشمالية مع جنوب سوريا من خلال إنشاء دويلات تابعة لها في جنوب سوريا، ومن ثم محاولة إحداث الفوضى عبر فئات محلية بديلة في الأردن، أو بسبب أية عوامل اقتصادية أو أزمات أمنية قد تجري صناعتها.