ملخص
شكل إغلاق صحيفة "الإخوان" في الأردن ضربة موجعة للذراع الإعلامية للجماعة، بينما يرى مراقبون في الواجهات المدنية أسلوباً جديداً للتحايل على الحظر. وذلك خلال وقت تمضي فيه واشنطن نحو تصنيف الجماعة إرهابية.
تسارعت الإجراءات الأمنية والقانونية التي تتخذها السلطات الأردنية ضد جماعة "الإخوان المسلمين" المحظورة، إذ رُصدت ثلاث خطوات بارزة خلال الأيام الماضية، تعكس توجه الدولة الحازم نحو تعزيز مكافحة أنشطة الجماعة.
وقالت الأجهزة الأمنية الأردنية إنها أوقفت عدداً من الأشخاص الذين كانوا مجتمعين في منزل أحدهم داخل مدينة إربد شمال المملكة، لمناقشة موضوعات تتعلق بجماعة "الإخوان المسلمين" المحظورة. وأوضحت أنهم أحيلوا إلى القضاء لإجراء المقتضى القانوني بعد مشاركتهم في الاجتماع الذي جرت الدعوة إليه بطريقة منظمة، وكان تحت أعين ورقابة الأجهزة المعنية. ورصدت الأجهزة الأمنية منذ حظر الجماعة تحايلاً على قرار الحظر بالاجتماع تحت ذرائع مختلفة، وعلى رأسها عقد اللقاءات والاجتماعات في منازل كوادر منتظمة بعمل الجماعة المحظورة، تحت صيغة "مناسبات اجتماعية".
خطوات متلاحقة
لكن هذه الخطوة لم تكن الوحيدة في سياق استراتيجية حكومية تهدف على ما يبدو لاجتثاث "الإخوان" في الأردن، حيث منعت السلطات أكثر من مرة ترخيص تظاهرات واحتجاجات وفعاليات في الشارع يعتقد أن الجماعة المحظورة تقف وراءها، حتى وإن نُظمت تحت تسميات أخرى مثل "الملتقى الوطني". وأوضحت وزارة الداخلية أن هذه الإجراءات تأتي في إطار تطبيق قانون الاجتماعات العامة، الذي يشترط الحصول على إذن مسبق من الوزارة لتنظيم أية تجمعات. وأكدت الوزارة أن "أية تجمعات تنظم من دون إذن مسبق ستعد غير قانونية، بغض النظر عن التسميات المستخدمة".
حظر صحيفة "الإخوان"
في الموازاة، أطلقت رصاصة الرحمة على آخر وأهم منبر إعلامي للجماعة، وهي صحيفة "السبيل" التي انطلقت كصحيفة أسبوعية عام 1993 قبل تحولها إلى يومية.
وقررت السلطات الأردنية إغلاق صحيفة "السبيل" التي تعد الناطقة الرسمية باسم إخوان الأردن، وذلك بعد رصد مخالفات قانونية ارتكبتها الصحيفة، من بينها عدم الإفصاح عن هوية الممولين، وتراكم خسائر تفوق ضعف رأس المال، والإخفاق في تقديم الموازنات السنوية للجهات المتخصصة.
وأحيلت الصحيفة إلى التصفية الإجبارية، مما اعتبره مراقبون ضربة قوية للذراع الإعلامية للجماعة المحظورة.
إجراءات قانونية
وتدافع الحكومة الأردنية عن قراراتها بالقول إنها قانونية، فيما يعد أنصار "الإخوان" أنها تهدف لتفكيك شبكات الجماعة الاقتصادية والإعلامية.
في السياق، أحالت دائرة مراقبة الشركات في الأردن شركة تعمل في أمن المعلومات إلى القضاء، بعد ثبوت ارتباطها بالجماعة المحظورة، وعدم التزامها بالإفصاح عن هوية المستفيد الحقيقي، إلى جانب ارتكابها مخالفات صريحة لقوانين الشركات والشفافية المالية.
وبحسب ما ذكرت وكالة الأنباء الأردنية الرسمية (بترا)، فإن نشاط الشركة، وفق ما رشح من التحقيقات، يتقاطع بوضوح مع محاولات الجماعة استخدام التكنولوجيا وأمن المعلومات كأدوات بديلة للنفاذ إلى الفضاء العام بعد الحظر، مستغلة الفجوات القانونية وتعدد واجهات العمل.
وكان وزير الداخلية الأردني مازن الفراية، أعلن خلال أبريل (نيسان) الماضي، "حظر جميع نشاطات جماعة ’الإخوان المسلمين‘ المنحلة"، واعتبارها "جمعية غير مشروعة"، بما يعني قانونياً أن كل من يروج لأفكار الجماعة أو ينخرط في أنشطتها، بات عرضة للمساءلة القضائية.
إثر ذلك بدأت النيابة العامة باستدعاء عدد من المتورطين في التستر على أملاك الجماعة، وذلك عقب انتهاء المهلة التي منحتها لجنة حل الجماعة. واعتقل عدد كبير من القيادات الإخوانية.
وسلطت هذه التطورات الضوء على ظاهرة الواجهات المدنية لجماعة "الإخوان المسلمين"، والتي تعني محاولة الاختباء أو التمويه خلف جمعيات خيرية، أو شركات إعلامية، أو مراكز بحثية، أو حتى شركات تكنولوجية تعمل في قطاع الأمن السيبراني، إذ أغلقت السلطات الأردنية أيضاً مركز دراسات تابع للجماعة، وثلاث جمعيات خيرية بارزة يترأسها قياديون في الجماعة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من الأصول إلى الواجهات
ووفق رصد دقيق أجرته "اندبندنت عربية" فإن السلطات الأردنية كثفت حملتها ضد جماعة "الإخوان المسلمين"، عبر تفكيك البنية الاقتصادية، وما بدأ بتجميد الأصول تطور إلى تحرك أوسع يستهدف الشركات والجمعيات الخيرية المشتبه في ارتباطها بالجماعة المحظورة. فبعدما كان تركيز الحكومة منصباً على الحسابات البنكية والعقارات، أصبح البحث يجري الآن في سجلات الشركات وبيانات التراخيص، وسجلات المنظمات غير الحكومية.
وتحولت دائرة مراقبة الشركات إلى صلب التحرك القانوني ضد الجماعة، إذ حولت شركات إلى الادعاء العام بتهمة مخالفة القوانين، لكن السبب الحقيقي وفق مناصرين للجماعة هو ارتباطها بشبكة "الإخوان" الاقتصادية.
أما وزارة التنمية الاجتماعية فتقوم هي الأخرى بدور هادئ لكنه محوري، إذ تعمل على رصد كل الجمعيات الخيرية المخالفة والمرتبطة بالجمعية. ويقول مراقبون إن هذه الكيانات تعمل كواجهات ناعمة، توفر التمويل والشرعية لجماعة "الإخوان المسلمين" المحظورة.
تنظيم إرهابي
تأتي كل هذه التطورات بموازاة ما أعلن عنه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، أن الولايات المتحدة تعمل على تصنيف جماعة "الإخوان المسلمين" كتنظيم إرهابي، مما قد يعني خطوات أردنية لاحقة ضد الجامعة.
يذكر أن جماعة "الإخوان المسلمين" تأسست في الأردن عام 1945، وظلت لأعوام حليفاً سياسياً ضمنياً للسلطة، وبخاصة في مواجهة التيارات القومية واليسارية. ومع الانفتاح الديمقراطي في مطلع التسعينيات، شاركت الجماعة بفاعلية في البرلمان والبلديات، قبل أن تبدأ العلاقة مع السلطة بالتوتر تدريجاً خلال العقدين الأخيرين، وصولاً إلى قرار حلها رسمياً عام 2020، وحظرها عام 2025.
يشار إلى أن السلطات الأردنية اعتقلت الشهر الماضي 11 شخصاً للاشتباه في تورطهم بجمع 42 مليون دولار لمصلحة جماعة "الإخوان المسلمين" خلال الأعوام الماضية بطرق غير قانونية، وجاء ذلك بعد الكشف عن مخطط إرهابي ضد البلاد.
وخلال أبريل (نيسان) الماضي صادرت السلطات 5.6 مليون دولار نقداً من مجمع قرب عمان بعد مداهمته من قبل قوات الأمن. وخلال الشهر نفسه، حظرت الحكومة أنشطة الجماعة، بعد أسبوع من اتهام نحو 12 من أعضائها بالضلوع في المخطط المزعوم ضد البلاد. ووجهت للمشتبه فيهم تهم ارتكاب جرائم مرتبطة بالإرهاب، تتعلق بالتخطيط لتصنيع أسلحة وطائرات مسيرة واستخدامها في زعزعة استقرار الأردن.