ملخص
بحسب توقعات الأمم المتحدة السكانية لعام 2024، سيواصل عدد سكان العالم ارتفاعه خلال الـ50 أو الـ60 عاماً المقبلة، ليبلغ ذروته عند نحو 10.3 مليار نسمة في منتصف ثمانينيات هذا القرن، صعوداً من8.2 مليار عام 2024. بعد تلك القمة، سينقلب المنحنى تدريجاً لينخفض العدد إلى10.2 مليار فقط بحلول عام 2100.
في معظم الدول المتقدمة وبعض الدول النامية كالصين والبرازيل ولبنان وتونس تنخفض معدلات الولادة، وبات الناس يعيشون عمراً أطول بسبب تحسن الرعاية الصحية والتغذية. هذه المعادلة تؤدي إلى التحول الديموغرافي من مجتمع شاب إلى مجتمع مُسن، أي أن عدد كبار السن في ازدياد مطرد، وعدد الشباب في تناقص.
في اليابان بات ثلث السكان فوق سن الـ65، وبدأت أوروبا اللحاق بهذه النسبة، وكذلك بدأت الصين تشعر بوطأة التحول الديموغرافي لمصلحة الشيخوخة، وفي إحصاءات العالم العربي فإن لبنان وتونس والمغرب تقترب من هذا السيناريو. هذا يعني بالنسبة إلى خزينة هذه الدول أن عدد المسنين الذين يحتاجون إلى المعاش والضمان الصحي والرعاية يزداد، بينما عدد دافعي الضرائب، وغالباً ما يكونون من الشباب العامل، يتقلص. مما يؤدي إلى فجوة مالية خانقة في صناديق التقاعد، وتهديد مباشر لاستدامتها، وتحول الرعاية الصحية إلى عبء بسبب الحاجة إلى رعاية طويلة الأمد، بخاصة مع أمراض مثل ألزهايمر والسكري ومشكلات القلب، الأمر الذي يؤخر الأنظمة الصحية عن مواكبة مثل هذه الضغوط بخاصة في الدول الفقيرة، أو تلك التي تعاني من أزمات اقتصادية.
تنبؤات غير صحيحة
يتقدم سكان العالم في السن، لكن هذا الأمر قد يصل إلى ذروته بحلول نهاية القرن. ويشهد كل بلد تقريباً في العالم نمواً في عدد ونسبة كبار السن من سكانه. وقبل نصف قرن، كانت تنبوءات الانفجار السكاني تبث الرعب في عقول السياسيين والمفكرين، وتنعكس في برامج تنظيم الأسرة والحد من الإنجاب، أما اليوم، فإن العاصفة التي تلوح في أفق البشرية ليست زيادة السكان، بل انكماشهم.
بحسب توقعات الأمم المتحدة السكانية لعام 2024، سيواصل عدد سكان العالم ارتفاعه خلال الـ50 أو الـ60 عاماً المقبلة، ليبلغ ذروته عند نحو 10.3 مليار نسمة في منتصف ثمانينيات هذا القرن، صعوداً من8.2 مليار عام 2024. بعد تلك القمة، سينقلب المنحنى تدريجاً لينخفض العدد إلى10.2 مليار فقط بحلول عام 2100.
قد يبدو هذا التراجع طفيفاً، لكنه يكتسب زخمه من قوة المفاجأة، إذ إن هذا التحول الجذري لا يُعزى إلى الكوارث أو الأوبئة والحروب وإقفال المستشفيات وتفشي الفيروسات كما تنبأ مالتوس، بل إلى تراجع معدلات الخصوبة، لا سيما في دول كبرى مثل الصين، حيث هبطت الولادات إلى معدلات غير مسبوقة، ما جعل الأمم المتحدة تُخفض توقعاتها لعام 2100 بنحو700 مليون نسمة مقارنة بما كانت تتوقعه سابقاً.
وأسهم التفكك الأسري والتحولات الأسرية في جعل المشكلة أثقل، ففي السابق كانت الأسرة الممتدة ترعى مسنيها حتى وفاتهم، أما اليوم وبسبب هجرة الأجيال الشابة بحثاً عن عمل، وبسبب تفكك البُنى الأسرية، أصبح المسن وحيداً، وبرزت الحاجة إلى دور رعاية وخدمات تمريض منزلي ودعم نفسي، بينما تؤول الأحوال بالمسنين غير المؤمّنين عائلياً واجتماعياً إلى ظروف سيئة جداً. وعلى رغم ارتفاع أصوات المطالبين بدعم الشيخوخة فإن هناك أصواتاً ترى أن المجتمعات تُحوّل جزءاً من اقتصادها نحو خدمة المسنين، من السياحة إلى التكنولوجيا، ومن الغذاء إلى الأدوية، وبما أن القوة الشرائية للمسنين ضعيفة فإن هذا يؤدي إلى إبطاء النمو الاقتصادي، بالتالي دعم الأطفال والأجيال الشابة التي تحتاج إلى مساعدة اجتماعية وحكومية للانطلاق في حياتهم التعليمية والعملية في ما بعد.
في العالم العربي فإن بعض الدول مثل لبنان وتونس تسير بسرعة نحو شيخوخة سكانية، في ظل ضعف بنيوي اقتصادي، وعدم وجود نظام تقاعد حقيقي، ونظام رعاية صحية ضعيفة، وهجرة كبيرة لفئات الشباب التي تجعل المسنين في عزلة.
ما التغيير الديموغرافي؟
التغيير الديموغرافي هو تحول في تركيبة السكان من حيث العمر والجنس والخصوبة (عدد المواليد) والوفيات والهجرة. أما حين نشير إلى "التغيير الديموغرافي العالمي" فإننا نتحدث عن التحولات الكبرى التي تحدث في هذه المؤشرات على مستوى الكوكب، وليس فقط في دولة أو منطقة واحدة. ومن أحد أهم ملامح هذا التغيير انخفاض معدلات الخصوبة، ففي الماضي، كانت النساء يلدن 5 أو 6 أطفال في المتوسط، أما اليوم ففي معظم دول العالم انخفض إلى أقل من طفلين، هذا يعني أن الأجيال الشابة أقل عدداً من الأجيال السابقة، ولا يعوض المواليد عدد الراحلين.
من جهة ثانية ارتفع متوسط عمر الإنسان بشكل كبير بسبب التقدم الطبي والرعاية الصحية والاجتماعية للمسنين والمتقاعدين. ففي عام 1950 كان متوسط العمر العالمي حوالي 45 سنة، أما اليوم فهو فوق 73 سنة.
ومن الأسباب أيضاً هجرة الملايين من الجنوب إلى الشمال ضمن حركات الهجرة الضخمة التي جرت من أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية إلى أوروبا وأميركا الشمالية خلال القرن الماضي والحالي، والتي أدت إلى تغيير توازنات سكانية وثقافية واقتصادية في كثير من دول الاستقبال.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كان الشكل التقليدي للسكان في منتصف القرن الماضي مثل هرم قاعدته العريضة تدل على الأطفال، وقمته الضيقة تدل على كبار السن. أما اليوم ففي كثير من الدول انقلب هذا الهرم، وبات نحو ثلث المهاجرين الدوليين من فئة الشباب، أي الذين تبلغ أعمارهم بين 1 و24 سنة، ويبلغ عدد هؤلاء التقريبي نحو 28 مليون شخص من 232 مليون مهاجر عالمياً بحسب منظمة الهجرة العالمية. وتقوم بعض الدول المتقدمة مثل كندا وألمانيا واليابان والدول الاسكندنافية والولايات المتحدة باستقطاب الكفاءات الشابة من دول العالم الثالث للحفاظ على قوة عاملة مناسبة، ولتعويض شيخوخة مجتمعاتها، ومن دون هذا النوع من الهجرة المقصودة، فإن السكان الكبار سيتطلبون حصة أكبر من الناتج القومي العام، ما يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي.
بحسب البنك الدولي، يتم في هذه المرحلة توجيه تدفق الهجرة من الجنوب، أي من البلدان ذات النسبة الشبابية الفائضة، نحو دول الشمال المسنة، في ما يمكن تسميته بـ"تسوية ديموغرافية" لتوازن القوة العاملة، وللحد من الشيخوخة الصارخة في الشمال. ولكن على رغم أن هجرة الجنوب إلى الشمال تدفع الفئات الشابة للإسهام في اقتصادات الدول المتقدمة، فإن حجم الهجرة المطلوبة لتوازن الشيخوخة متسارع وضخم وصعب الضبط. وفي نهاية الأمر فإن الفائدة عظيمة على مجتمعات الشمال لأن المنظومات الصحية والاجتماعية فيها تعتمد أكثر على الهجرة لتجنب انهيار صناديق التقاعد وتراجع الإنتاجية. فقد أنفقت الدول الأعضاء فيOECD ، أي التابعة لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، نحو 1.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2021 على الرعاية طويلة الأمد للمسنين، مثل الرعاية المنزلية ودور العجزة. وكانت أعلى نسبة في هولندا بنحو 4.4 في المئة، أما أقل النسب فكانت في اليونان وبولندا ولاتفيا التي بقيت دون نصف في المئة. أما في الولايات المتحدة فقد توقفت عند 1.3 في المئة من الناتج المحلي عام 2021 .
أما الإنفاق المرتبط بالشيخوخة فقد وصل في بلجيكا إلى 24.5 في المئة من الناتج المحلي عام 2019، ومن المتوقع أن يصل إلى 29.7 في المئة بحلول عام 2049. وثلاثة أرباع الزيادة ستذهب إلى المعاشات، والبقية للرعاية الصحية. وفي فرنسا ذهب ربع الإنفاق العام للمعاشات، وأكثر من 20 في المئة للصحة والإعاقة، بينما تُخصص فقط نحو 9 في المئة للتعليم. وفي الولايات المتحدة أنفقت الحكومة نحو 1.3 تريليون دولار في عام واحد على برنامج الرعاية.
استراتيجيات مواجهة الشيخوخة
قامت بعض الدول برفع سن التقاعد لمواجهة كلف الرعاية الصحية للمسنين، فرفعت الصين سن التقاعد تدريجاً للرجال من 60 إلى 63، وللنساء من 50/55 إلى 55/58 خلال 15 سنة. وتخطط فرنسا والمملكة المتحدة لرفع سن التقاعد من 62 إلى 64، وفي المملكة المتحدة من 66 إلى 68 وربما إلى 71 بحلول 2050. وتقوم أستراليا بتشجيع الادخار الشخصي وتعتمد على نظام معاشات إجبارية مفروضة على أصحاب العمل، أما كندا والدنمارك فتقدم معاشاً حكومياً شاملاً. وسمحت ألمانيا بالتقاعد الجزئي مع عمل إضافي. وقامت سلوفينيا ونيوزيلندا بتشجيع العمال الأكبر سناً على البقاء في سوق العمل عبر ساعات مرنة وتدريب مستمر.
كذلك قامت بعض الدول بسياسات دعم الإنجاب والهجرة، فألغت فيتنام سياسة الطفلين لتشجيع الإنجاب بعد انخفاض معدل الخصوبة إلى 1.91 في المئة، وهو أيضاً ما فعلته الصين بعد أن استمرت سياسة الطفل الواحد لعقود طويلة ما أدى إلى اختلال في التوازن الاجتماعي بين عدد الوفيات وعدد المواليد الجدد، فاضطرت للعودة إلى سياسة الأطفال الثلاثة، مع محفزات مالية تدفع العائلات إلى الإنجاب. وهذه السياسة التي تتبعها أيضاً اليابان وكوريا الجنوبية، على رغم الحوافز المالية والمساعدة في السكن لرعاية الشباب والزواج وإنجاب الأطفال، لا تقنع الشباب بالإقدام على الزواج والإنجاب.