Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"القاعدة" و"داعش" يتمركزان في مالي والنيجر تعزيزا للنفوذ

هناك تنافس كبير بين التنظيمين للسيطرة على الساحل الأفريقي ويظهر ذلك في الخطاب الإعلامي والعمليات التي يتبناها كل منهما

التنظيمات المسلحة تستغل ضعف القوات الحكومية في مالي والنيجر لبسط نفوذها (أ ف ب)

ملخص

على رغم التحذيرات المتزايدة في شأن تمدد "القاعدة" و"داعش" في مالي والنيجر، فإنه لا توجد أرقام رسمية حول ما يملكه التنظيمان، سواء على مستوى العنصر البشري أو الأسلحة التي باتت بحوزتهما.

في يونيو (حزيران) الماضي شنت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، الذراع الرئيسة لتنظيم "القاعدة" في غرب أفريقيا، هجمات دموية استهدف الجيش في مالي والنيجر أيضاً في خطوة ردت عليها ولاية تنظيم "داعش – غرب أفريقيا" بهجمات هي الأخرى على الحدود مع النيجر وتعزيز حضورها نحو العاصمة النيجرية نيامي، في خطوات تكشف تنافساً محموماً بين التنظيمين على النفوذ في باماكو ونيامي.

ومع بدء روسيا إعادة تموضع لقواتها في الساحل الأفريقي إثر إعلان مجموعة "فاغنر" شبه العسكرية مغادرتها المنطقة باتت الحكومات المحلية في وضع لا تحسد عليه، إذ تحاول الجماعات المتشددة استغلال حال الضعف التي باتت تلك الحكومات تعانيها من أجل تكريس نفوذ غير مسبوق لها.

حرب بالوكالة

وسبق أن شهدت هاتين الدولتين انقلابات عسكرية أطاحت أنظمة مدعومة من الغرب شأنها في ذلك شأن بوركينا فاسو المجاورة، وتحكمهما الآن مجالس عسكرية انتقالية.

واتهم الباحث الأمني النيجري عبدول ناصر سيدو "أيادي خارجية والقوى الإمبريالية" بدعم الجماعات الإرهابية من أجل شن "حرب بالوكالة" ضد مالي والنيجر.

وفي تصريح خاص لـ"اندبندنت عربية" قال سيدو إن "الأمر لا يتعلق بإعادة التموضع الروسي أو هشاشة النظام، بل باستغلال القوى الكبرى جماعات إجرامية بهدف زعزعة استقرارنا والاستيلاء على ثرواتنا"، لافتاً إلى أن "هذا يتطلب منا حشد قوانا لضمان أمننا وتصميم وتنفيذ مشاريع وبرامج تلبي حاجات وتطلعات شعوبنا من دون أي تدخل خارجي".

أرض تنافس جهادي

ينشط في مالي والنيجر كثير من الجماعات المتشددة والانفصالية، وهو نشاط زاد من تعقيد مهمة السلطات الانتقالية المنبثقة من انقلابات عسكرية، وقد حاول رئيس مالي الجنرال آسيمي غويتا تحقيق مكاسب عندما استعان بـ"فاغنر" قبل نحو سنتين، فيما وعد رئيس النيجر عبدالرحمن تياني باستعادة الاستقرار وإطاحة الجماعات المسلحة، لكن الأخيرة على العكس زادت قوة خلال هذه المرحلة، وهو أمر يعكسه تنامي الهجمات.

وقال الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الدولية نزار مقني إن "هناك عديداً من العوامل تسهم في تحويل مالي والنيجر إلى أرض تنافس جهادي محموم، ويمكن تفصيلها في هشاشة الأنظمة السياسية والعسكرية، حيث شهد كلا البلدين انقلابات متكررة، وأظهرت الجيوش الحاكمة عجزاً عن إدارة الحكم أو ضبط الحدود، وتوفر هشاشة الدولة فراغاً كبيراً تملؤه التنظيمات بسرعة، خصوصاً حين تنسحب الدولة من الأرياف والمناطق الحدودية".

 

 

وأشار مقني إلى "تراجع الدور الفرنسي وارتباك التموضع الروسي، حيث تعاني القوات الروسية محدودية الانتشار الميداني، وتركيزها ينصب على حماية الأنظمة العسكرية وليس على خوض حرب شاملة ضد التنظيمات الجهادية، وهذا التوازن الهش فتح الباب للتنظيمات كي تعزز وجودها وتعيد تموضعها استراتيجياً، كما أن الطبيعة الصحراوية الوعرة، وضعف البنى التحتية، وسهولة التنقل عبر الحدود، كلها عوامل تسهل تحرك الخلايا المسلحة".

وأضاف باحث العلاقات الدولية أن "فشل الاستراتيجيات الدولية السابقة، سواء عبر ’عملية برخان‘ الفرنسية أو قوات ’مينوسما‘ الأممية لم تنجح المقاربات الدولية في القضاء على البنية العميقة للإرهاب في المنطقة، والتنظيمات لم تهزم، بل ازدادت تعقيداً واندماجاً في النسيج المحلي"، لافتاً إلى أن "هناك أيضاً تنافس على الشرعية الجهادية الإقليمية، فتنظيم ’القاعدة‘ يحاول أن يعيد تصدير نفسه كقوة أكثر نضجاً واستيعاباً، بينما ’داعش‘ يراهن على الحسم والعنف الرمزي، وهذا التنافس ينعكس في تكتيكات التجنيد، ومعاملة المدنيين، وضرب القوات المحلية".

وقال مقني إن القدرات العسكرية التي بيد "داعش" و"القاعدة" فعالة ومرنة وخطرة وتكتيكية للغاية، حيث تعتمد على المكامن والألغام والهجمات الليلية وضرب القوافل الحدودية وخفيفة الحركة، إذ يستخدم عناصر التنظيمين الدراجات النارية والسيارات رباعية الدفع وخطوط تهريب بدوية متوارثة، وفق قوله.

وذكر المتحدث أن "هذه القدرات أيضاً شديدة اللامركزية، مما يجعل القضاء على قيادات محلية لا يعطل نشاط الفرع أو الخلية، وهذان التنظيمان أيضاً يراكمان الخبرات بسرعة، خصوصاً بعد انسحاب القوات الأجنبية، حيث ورثت مخازن أسلحة ومعدات، وحتى أجهزة اتصالات حديثة".

وشدد مقني على أن "على المستوى الدعائي أيضاً لدى التنظيمين حضور قوي، لكن هناك تبايناً بينهما، فـ’داعش‘ يمتلك ماكينة دعائية قوية، مرتبطة بمركز عالمي (مؤسسة الفرقان ووكالة أعماق)، وتصدر بصورة دورية بيانات وشرائط مصورة للهجمات، بلغات محلية (الهوسا، الفولانية) وأجنبية على غرار الفرنسية والعربية والإنجليزية، والدعاية هنا ليست فقط للتجنيد، بل للإرهاب وفرض الهيبة على السكان المحليين والخصوم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأوضح مقني أنه "في المقابل تعتمد (القاعدة) على خطاب أكثر براغماتية، مع دعاية تركز على المظلومية والدفاع عن الإسلام وتقديم التنظيم كحامٍ للمسلمين المهمشين، وخطاب ’القاعدة‘ أقل صخباً من ’داعش‘، لكن أكثر تأثيراً داخل البيئات القبلية، خصوصاً عبر الوسائط الصوتية والاتصالات الميدانية".

تحول استراتيجي

التنافس بين "داعش" و"القاعدة" في الساحل الأفريقي ليس وليد اللحظة، بل يعود إلى عام 2019، لكن منذ نشأة التنظيمين في المنطقة كان هناك تقاسم للنفوذ، وحتى تعاون وتنسيق في الهجمات وتسيير لملف الأسرى الغربيين الذين وقعوا في شراكهما، لكن الآن الأمور تغيرت إلى حد كبير، فالانسحاب الفرنسي وما خلفه من فوضى أمنية أغرى هذين التنظيمين لتعزيز وضعهما الميداني، وهو ما خلف تنافساً محموماً زاد من تعقيد الوضع الأمني في مالي والنيجر.

يرى الباحث السياسي في الشؤون الأفريقية سلطان ألبان أن "هناك تحولاً استراتيجياً منذ عام 2019، حيث أصبحت منطقة الساحل، وخصوصاً المثلث الحدودي بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو المعروف بمثلث الموت، مركز ثقل جديداً لتنظيمي ’داعش‘ و’القاعدة‘ بعد تراجع نفوذهما في الشرق الأوسط، وهذا التحول لم يكن عشوائياً، بل في سياق بحث التنظيمين عن مناطق فراغ أمني وضعف سيطرة الدولة مع إمكان استغلال النزاعات المحلية وهذه العوامل تتوفر بصورة كبيرة جداً في هذه المنطقة".

 

 

وأوضح ألبان أن جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" التي تمثل "القاعدة" توسعت من شمال مالي نحو الغرب والجنوب مهددة دول خليج غينيا، فيما ركزت "داعش" على شرق مالي والمناطق الحدودية مع النيجر وذلك من أجل تصعيد في الهجمات النوعية ضد القوى الحكومية والسكان المحليين وهو أمر يأتي نتيجة للانقلابات المتكررة التي وقعت في هذه البلدان الثلاث وانسحاب فرنسا وتراجع الاهتمام الغربي بعد انسحاب القوات الأممية أيضاً، وهي عوامل وفرت بيئة خصبة لتمدد التنظيمين.

وأكد الباحث السياسي أن صعود قوى جديدة أيضاً مثل روسيا غير من توازنات القوى المحلية وأضعف التنسيق الأمني، وهناك عوامل أخرى مرتبطة بالهشاشة الأمنية والسياسية لأن ضعف مؤسسات الدولة بعد الانقلابات، لا سيما في مالي جعل جغرافية هذا البلد الشاسعة خارج سيطرة الحكومة وهو الأمر ذاته يتكرر في بوركينا فاسو التي لا تسيطر الحكومة فيها سوى على نحو 40 في المئة من أراضيها والأمر ذاته ينطبق على النيجر، مما أتاح للتنظيمين حرية الحركة والتجنيد.

قدرات فعالة وخطرة

وعلى رغم التحذيرات المتزايدة في شأن تمدد "القاعدة" و"داعش" في مالي والنيجر، غير أنه لا توجد أرقام رسمية حول ما يملكه التنظيمان، سواء على مستوى العنصر البشري، أو الأسلحة التي باتت بحوزتهما.

وفي ظل تراجع روسيا وانهيار القوى الحكومية في النيجر ومالي، وأيضاً بوركينا فاسو، فإن من المرجح أن تكون المرحلة المقبلة صعبة، خصوصاً مع انفلات السلاح بين جماعات متمردة وأخرى إرهابية تمثل "القاعدة" و"داعش" بمنطقة الساحل الأفريقي.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير