Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

دول الساحل الأفريقي تواجه خطر السقوط أمام المتمردين

الأمور ستتفاقم في بوركينا فاسو وهناك مؤشر خطر بنجاح الجماعات المسلحة في توسيع نفوذها في هذا البلد

اتساع رقعة الهجمات تكشف عن فجوة بين الدعم الروسي المعلن والقدرة الحقيقية على التأثير في المعارك اليومية على الأرض (رويترز)

ملخص

الدعم الروسي يواجه تحديات هائلة في البيئة الأفريقية المعقدة التي تتطلب أكثر من مجرد إرسال مقاتلين أو مستشارين.

بعد مجازر بوركينا فاسو... هل فشل رهان الساحل الأفريقي على دعم روسيا العسكري؟

كشفت المجزرة التي ارتكبتها جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" في حق جنود من بوركينا فاسو عن حجم التحدّي الذي باتت تواجهه الجيوش المحلّية في منطقة الساحل الأفريقي، وعن محدودية الدعم الروسي لتلك الجيوش.

وقتلت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، التي يتزعمها إياد آغ غالي الذي سبق أن توعّد المجالس العسكرية المتحالفة مع روسيا في الساحل الأفريقي بـ"الهزيمة"، 200 جندي في هجوم شنته على قاعدة عسكرية ببلدة جيبو الواقعة بإقليم سوم شمال البلاد.

ولا تترك الجماعة فرصة للجيش في بوركينا فاسو لالتقاط أنفاسه حيث يأتي هذا الهجوم بعد أيام قليلة من قتلها 60 جندياً آخر في إقليم لوروم شمال البلاد، مما أحدث صدمة في واغادوغو.

دعم محدود

الهجمات الدموية على بوركينا فاسو تأتي في سياق يتّسم بالتصعيد من قبل الجماعات المسلحة والإرهابية أيضاً في بقية دول الساحل، التي عرفت انقلابات عسكرية، مثل مالي والنيجر وهي دول تحكمها مجالس عسكرية متحالفة مع موسكو بعدما فكّت تحالفها التاريخي مع فرنسا.

وقدّمت روسيا دعماً سياسياً وعسكرياً إلى هذه الدول حيث أرسلت مدربين ومستشارين عسكريين وعدداً من المرتزقة الذين يتبعون مجموعة "فاغنر" ثم "الفيلق الروسي–الأفريقي"، لكن تزايد الخسائر في صفوف الجيوش المحلية وفشل العمليات التي تُطلقها يشكل اختباراً لهذا الدعم.

الباحث السياسي الروسي، ديمتري بردجيه، يعتقد أن "المجزرة التي تعرض لها جيش بوركينا فاسو، والتي قُتل فيها أكثر من 200 جندي على يد جماعة ’نصرة الإسلام والمسلمين‘ التابعة لتنظيم ’القاعدة‘، تمثل نقطة تحوّل خطرة في مسار المواجهة بين الجماعات المسلحة والدول الأفريقية في منطقة الساحل. فهذا الحدث يعكس بوضوح ضعف القدرات الدفاعية على رغم التحالفات الجديدة والدعم الخارجي، خصوصاً من الجانب الروسي، الذي أصبح الحليف الرئيس لهذه الأنظمة بعد انسحاب النفوذ الفرنسي والغربي".

وتابع بريديجيه في حديث إلى "اندبندنت عربية" أنه "على رغم أن روسيا قدّمت دعماً عسكرياً مباشراً وتموضعاً سياسياً واضحاً إلى جانب السلطات في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، فإن نتائج هذا الدعم لا تزال محدودة على المستوى العملياتي، فالخسائر الكبيرة في الأرواح واتساع رقعة الهجمات تكشفان عن فجوة واضحة بين الدعم المعلن والقدرة الحقيقية على التأثير في المعارك اليومية على الأرض".

ولفت إلى أن "استمرار الهجمات وتكرارها بوتيرة عالية يعكس فشل المنظومة الدفاعية في امتصاص الصدمة أو فرض ردع فعّال، مما يعمّق الشعور بعدم الاستقرار ويضعف المعنويات داخل المؤسسات العسكرية".

وأبرز بريدجيه أن "الواقع الميداني اليوم يبرهن أن التحولات الجيوسياسية في الساحل لم تُترجم بعد إلى نتائج أمنية ملموسة، فالدعم الروسي على رغم زخمه الرمزي والإعلامي، يواجه تحديات هائلة في البيئة الأفريقية المعقدة، التي تتطلب أكثر من مجرد إرسال مقاتلين أو مستشارين، إذ تحتاج هذه الدول إلى إعادة بناء شاملة في البنية الأمنية والاستخباراتية وتحصين مؤسساتها العسكرية من الانقسامات والفساد، وفي ظل غياب هذه الإصلاحات الجذرية، فإن الانتصارات التكتيكية الموقتة ستظل عاجزة عن وقف زحف الجماعات المسلحة أو استعادة السيطرة الكاملة على المناطق المتمردة".

انقسامات

وقبل أسبوع، أدى رئيس المجلس العسكري في بوركينا فاسو، النقيب إبراهيم تراوري، زيارة إلى روسيا حيث التقى الرئيس فلاديمير بوتين، وتمحورت المحادثات بين الرجلين حول سبل تعزيز التعاون خصوصاً في مجال الأمن في ظل التحولات التي تعرفها منطقة الساحل الأفريقي.

ومن غير الواضح ما إذا كان تراوري قد طلب من روسيا تقديم مزيد من الدعم في ظل الانتكاسات التي تتعرض إليها قواته في هجمات دامية للمتمردين والجماعات الإرهابية.

وحاولت دول الساحل الأفريقي في الأعوام الماضية التخلّص من إرث فرنسا العسكري والسياسي، إذ طردت القوات والبعثات الدبلوماسية الفرنسية وجرى الترحيب بروسيا كحليف أمني وسياسي جديد.

وعدّت الباحثة في الشؤون الأفريقية بجامعة القاهرة، هبة البشيشي، أن "المشكل يكمن في أن القادة في روسيا ليست لديهم معرفة دقيقة عن الوضع في الساحل الأفريقي عكس ما كان يتمتع به يفغيني بريغوجين الذي كان يتردد إلى المنطقة ويدرك تعقيدات المشهد الأمني والعسكري والسياسي هناك، وبعد مقتله تراجع زخم العمليات التي تقودها جيوش الساحل وحلفاؤها الروس ضد الجماعات المسلحة".

وأردفت البشيشي في تصريح خاص أن "روسيا لم تحكم سيطرتها على الساحل الأفريقي بعد ويبدو أن هناك انقسامات أصلاً داخل قادة جيشها حول التدخل في هذه المنطقة، هناك صراع مكتوم بين قادة الجيش الروسي حول التدخل في أفريقيا، وأعتقد أن ظهور قائد روسي له خبرة في القارة ربما من شأنه إعادة ضبط الأمور بالنسبة إلى الوضع في الساحل".

وشدد على أنه "لا توجد في الساحل الأفريقي جيوش موحّدة بل جماعات عرقية وإثنية عندما تحتكم إلى السلاح يتجاهلون بلدانهم، وهذه الجماعات تتحرّك على أساس الانتماء القبلي وغيره، ناهيك عن وجود انقسامات داخل السلطات نفسها في هذه المنطقة، فعلى سبيل المثال رئيس بوركينا فاسو إبراهيم تراوري زار روسيا وحاول إظهار نفسه على أنه المنقذ في بلاده، لكن هناك صراعاً على السلطة بينه وبين قيادات أخرى من الجيش".

وخلُصت البشيشي إلى أن "تراوري لم يحقق شيئاً على الأرض، ومع ذلك يظهر في موسكو وكأنه نجم سينمائي يقوم كثيرون بالتقاط صور معه وغير ذلك، لكنه تعرّض لنكسة كبيرة فور عودته من روسيا من خلال هذين الهجومين الدمويين، والآن يتوقع كثر أن يحدث انقلاب عسكري عليه لأن الرجل ظهر وكأنه انفرد بالسلطة تماماً وتجاهل رفاقه".

وسبق أن أرسلت روسيا وحدات من "فاغنر" لدعم المجلس العسكري الانتقالي في بوركينا فاسو، ووعد وزير خارجيتها، سيرغي لافروف، قبل أشهر بإرسال مزيد من الأسلحة إلى جيش بوركينا الذي يواجه متاعب متزايدة على الأرض.

ولم تكشف السلطات في موسكو أو تحالف الساحل الأفريقي الذي يضم ثلاث دول متحالفة مع الروس، وهي مالي وبوركينا فاسو والنيجر، عن حجم الدعم الذي قدمته روسيا لهم على الصعيد العسكري، لكنها رسخت بصورة كبيرة حضوراً عسكرياً مهماً هناك.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مؤشّر خطر

وأخفقت الجيوش المحلّية في منطقة الساحل الأفريقي في التصدّي إلى هجمات المتمرّدين، وتراجع زخم عملياتها، ففي مالي على سبيل المثال لم يحقق الجيش أي تقدّم يُذكر منذ سيطرته بدعم من "فاغنر" على كيدال، وهي مدينة إستراتيجية شمال البلاد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023.

وفي بوركينا فاسو، على رغم إطلاقه وعوداً في السابق بتحقيق الأمن والاستقرار، فإن النقيب تراوري بات يواجه تحدّياً وجودياً.

وقال الباحث العسكري في الشؤون الأفريقية، أكرم خريّف، "ليست المرة الأولى التي تشهد فيها منطقة مثل هذا الهجوم، ففي 2023 شهدت هجوماً مماثلاً وهو الهجوم الذي أدى إلى سقوط النظام آنذاك. وبوركينا فاسو في حال ضعف نوعاً ما إذ لا يستطيع جيشها التصدي لهجمات الإرهابيين لأن عدد الأخيرين كبير وكبير جداً ورأينا أكثر من 1000 مسلح في الهجوم الذي شنّ على قاعدة جيبو العسكرية".

وأضاف خريّف في تصريح خاص، أنه "غالباً ما نرى هجمات يقوم بها مسلحون على متن نحو 500 درّاجة نارية، مقابل قدرات عسكرية محدودة لجيش بوركينا فاسو الذي لم يتلق دعماً كافياً من روسيا شأنه في ذلك شأن الجيش المالي".

واستنتج المتحدّث أن "الأمور ستتفاقم في بوركينا فاسو وهناك مؤشر خطر جداً بنجاح الجماعات المسلحة في توسيع نفوذها في هذا البلد، لذلك ربما تسقط هذه الدولة أصلاً في قبضة تلك الجماعات وتصبح أول بلاد في تكتل الساحل الجديد تسقط بيد هؤلاء".

سيناريوهان أمام روسيا

وهذه ليست أول خسائر يتكبدها حلفاء روسيا في منطقة الساحل الأفريقي، ففي يوليو (تموز) 2024 مُني الجيش المالي وقوات "فاغنر" بخسائر فادحة في منطقة تينزاوتين حيث قتل العشرات منهم على يد الانفصاليين الطوارق.

ويعتقد الصحافي المتخصص في الشؤون الأمنية بمنطقة الساحل الأفريقي، حسين أغ عيسى لنصاري، أن "الهجمات الدموية المتكررة، قد تُشير إلى ضعف الدعم العسكري الروسي أو عدم فاعليته في مواجهة التهديدات الأمنية المتنامية". 

وبيّن أن "بهذا النمط من المحتمل، بخاصة مع استمرار الهجمات وارتفاع الخسائر، ضعف ثقة الحلفاء في الدعم الروسي"، لافتاً إلى أن "فشل الجيوش المحلية دليل على أن الإستراتيجية الروسية غير كافية، كذلك فإنه قد تكون المشكلة في القوات المحلية نفسها أو تعقيد التحديات الأمنية".

وذهب لنصاري إلى أنه "على العموم، روسيا تكرس وجودها في الساحل كبديل للغرب، ونجاحها مرهون بقدرتها على تحقيق الأمن وهو ما لم يحدث حتى الآن. الخسائر الأخيرة في بوركينا فاسو تضعها أمام سيناريوهين إما مراجعة أساليبها أو مضاعفة دعمها".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير