ملخص
تبقى المشكلة أن تركيز الإنفاق الحكومي على قطاعي الدفاع والصحة بزيادة بعشرات مليارات الجنيهات لا ينعكس في زيادة معدلات النمو الاقتصادي، ومن ثم يزيد من الضغط على موارد الخزانة العامة.
بعد تراجع حكومة حزب العمال برئاسة كير ستارمر الأسبوع الماضي عن الخفوضات الكبيرة في مدفوعات الإعانة الاجتماعية والصحية كي تتفادى تمرد نواب الحزب في البرلمان، أصبحت وزيرة الخزانة راشيل ريفز تواجه عجزاً إضافياً في المالية العامة للدولة بقيمة 5.5 مليار جنيه استرليني (7.5 مليار دولار). وفي ظل عدم القدرة على رفع سقف الاقتراض للحكومة أكثر من الوضع الحالي لن تتمكن ريفز من سد هذه الفجوة سوى بزيادة حصيلة الخزانة العامة من الضرائب.
على مدى الأسبوع وحتى الآن لا حديث في بريطانيا يتقدم على زيادة الضرائب التي ستعلنها وزيرة الخزانة في بيان الميزانية المقبل. وعلى رغم أن ميزانية الخريف غالباً ما تعلن في أكتوبر (تشرين الأول) فإن المحللين والمعلقين يتوقعون أن تتضح صورة حجم وشكل الضرائب التي سترفعها راشيل ريفز من الآن.
بغض النظر عما كانت تسعى الحكومة إلى توفيره من مخصصات الرعاية الاجتماعية فإن المالية العامة ليست في وضع جيد، وهناك فجوة تمويلية تواجهها الخزانة يقدرها غالب المعلقين والاقتصاديين البريطانيين بنحو 30 مليار جنيه استرليني (41 مليار دولار). مع أن حكومة العمال تكرر منذ توليها السلطة العام الماضي أنها ورثت فجوة في المالية العامة من حكومة المحافظين السابقة بنحو 20 مليار جنيه استرليني (27 مليار دولار) إلا أن الأوضاع المالية لم تتحسن بل زادت سوءاً واتسعت الفجوة.
تدهور المالية العامة
في تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" الشهر الماضي توقع مدير معهد الدراسات المالية بول جونسون أن يتآكل الفائض الاحتياطي في الميزانية المقدر بنحو 9.9 مليار جنيه استرليني (13.5 مليار دولار) تماماً قبل موعد ميزانية الخريف نتيجة تردي معدلات النمو الاقتصادي وزيادة حجم الاقتراض الحكومي.
كانت وزيرة الخزانة راشيل ريفز أعلنت حزمة من الزيادات الضريبية في بيان الميزانية السابق قبل أشهر، طاولت في غالبها الشركات والأعمال، منها زيادة مستقطعات مدفوعات التأمينات التي تدفعها الشركات عن موظفيها وعمالها وتعديل ضريبة الأعمال والشركات إلى جانب زيادات غير مباشرة في ضريبة الدخل بتمديد تجميد سقف الشرائح الضريبية، وإلغاء بعض التسهيلات الضريبية السابقة مثل ضريبة الدمغة العقارية وبعض تسهيلات ضريبة الإرث.
لكن كل ذلك لم يؤد إلى وقف تدهور المالية العامة، بخاصة في ظل التباطؤ الشديد في نمو الاقتصاد البريطاني، ويقدر مكتب مراقبة الميزانية أن يكون معدل النمو في المتوسط أقل من نقطة مئوية (نمو الناتج المحلي الإجمالي المتوقع بنسبة 0.8 في المئة) سنوياً حتى عام 2029.
على رغم زيادة الضرائب في بيان الميزانية السابقة ومراجعة الإنفاق التي أعلنت في أبريل (نيسان) الماضي وتضمنت خفض ميزانيات الإدارات والوزارات والهيئات الحكومية، فإن الفجوة المالية تتسع ولا تضيق. وفي ظل التزامات الإنفاق العام المعلنة لن يكون أمام وزيرة الخزانة سوى مسارين لسد فجوة العجز في المالية العامة: الاقتراض أو زيادة الضرائب أو كلاهما معاً.
ومع صعوبة زيادة الاقتراض أكثر من المعدلات الحالية، إذ تكلف أعباء خدمة الدين العام الميزانية نسبة كبيرة من الدخل العام لها من الضرائب والرسوم وغيرها، لا مفر من زيادة الضرائب. أما احتمالات خفض الإنفاق العام فغير واردة لأنها لا تتسق مع استراتيجية الحكومة التي تستهدف تشجيع النمو. وتبقى المشكلة أن تركيز الإنفاق الحكومي على قطاعي الدفاع والصحة بزيادة بعشرات مليارات الجنيهات لا ينعكس في زيادة معدلات النمو الاقتصادي، ومن ثم يزيد من الضغط على موارد الخزانة العامة.
خيارات زيادة الضرائب
ليس هناك من خيار سهل أمام الحكومة بالنسبة إلى الضرائب التي يمكن أن ترفعها لزيادة حصيلة الخزانة العامة، وبالنسبة إلى حكومة العمال فإن برنامجها الانتخابي الذي فازت على أساسه العام الماضي اعتمد وعداً بـ"عدم رفع الضرائب على الطبقة العاملة". ومعنى ذلك عدم زيادة الضريبة على الدخل أو مستقطعات التأمينات أو ضريبة القيمة المضافة.
ربما يكون المستهدف الأول في زيادات الضرائب هو ضريبة الحي (البلدية) التي تدفعها الأسر للمجالس المحلية، فقد تسمح وزيرة الخزانة للمحليات بزيادة ضريبة الحي بالحد الأقصى، أي بنسبة خمسة في المئة، وسيعني ذلك إضافة عبء مالي شهري على كل الأسر في إنجلترا لتمويل إنفاق الأحياء على الخدمات المحلية والشرطة.
ما تركز عليه المعارضة ولا تخلو صحف المحافظين وإعلامهم من عشرات التعليقات في شأنه فهو زيادة الضرائب التي تستهدف الأغنياء وثرواتهم، بخاصة بعدما تردد على لسان أكثر من شخصية عمالية اقتراح فرض "ضريبة على الثروة".
كان الزعيم السابق لحزب العمال نيل كينوك قال في مقابلة مع شبكة "سكاي نيوز" الأحد إن فرض ضريبة ثروة بنسبة اثنين في المئة على الأصول التي تزيد على 10 ملايين جنيه استرليني (13.5 مليون دولار) يمكن أن يوفر للخزانة العامة ما يصل إلى 11 مليار جنيه استرليني (15 مليار دولار) سنوياً، ويزيد ذلك على مبلغ فائض الاحتياطي الذي تتصرف في إطاره وزارة الخزانة حالياً.
لا يتعارض فرض "ضريبة ثروة" مع تعهد حزب العمال في بيانه الانتخابي، كما أنه إجراء يحظى بشعبية، فقبل بيان الميزانية الذي أعلنته ريفز في مارس (آذار) الماضي أجرت مؤسسة "يوغف" استطلاعاً للرأي لصالح "أوكسفام" كانت نتيجته أن ثلاثة أرباع المستطلعة آراؤهم (نسبة 77 في المئة) يوافقون على فرض الحكومة ضرائب على الأثرياء لتحسين وضع المالية العامة بدلاً من خفض الإنفاق العام.
لكن فرض مثل هذه الضريبة قد يكون مشكلة بالنسبة إلى حكومة تسعى إلى تشجيع الاستثمار لزيادة معدلات النمو، إذ إن الضريبة على الثروات ستدفع مزيداً من أصحاب الأموال للخروج من بريطانيا.
ضرائب على الأعمال
لتفادي زيادة الضرائب مباشرة على العاملين اتساقاً مع الالتزام الذي قطعه حزب العمال قبل الوصول إلى الحكم يمكن لوزيرة الخزانة أن تضمن إعلان ميزانية الخريف تعديلاً لنظام الضريبة على الأرباح الرأسمالية، وهي الضريبة التي تحصلها الخزانة العامة على الارتفاع في قيمة الأصول مثل الفارق بين سعر بيع عقار عن سعر شرائه.
نسبة ضريبة أرباح رأس المال حالياً عند 24 في المئة. ويطالب البعض في حزب العمال بأن تصبح أرباح رأس المال خاضعة للضريبة بنظام ضريبة الدخل، أي في شرائح ضريبية قد تصل أعلاها إلى نسبة 45 في المئة. ويرى هؤلاء أن من غير العادل أن من تزيد قيمة أصولهم من دون أي جهد يدفعون ضرائب على أرباحهم أقل بكثير مما يدفعه من يعملون ليل نهار لتسيير الاقتصاد والحفاظ على الخدمات العامة في البلاد.
يمكن أيضاً أن يتضمن بيان الميزانية القادم زيادة ضريبة الشركات على البنوك، باعتبار أن ذلك أمر يلقى قبولاً واسعاً لدى الناخبين. وكانت زيادة الضريبة على البنوك واحداً من المقترحات التي طرحتها نائبة رئيس الوزراء أنغيلا راينر على وزيرة الخزانة راتشل ريفز قبل بيان ميزانية الربيع، مع أن زيادة ضريبة الشركات على البنوك ليس به أي حساسية سياسية إلا أن تبعاته على القطاع المصرفي قد تزيد من انكماش الائتمان، فالبنوك في بريطانيا تدفع ضرائب ورسوماً كبيرة بالفعل إلى جانب ضريبة الشركات ونسبتها حالياً 25 في المئة، إذ تدفع البنوك علاوة ضريبية على تلك النسبة عند ثلاثة في المئة، إضافة إلى رسوم مصارف تساوي نسبة 0.1 في المئة من إجمال حسابات ميزانية البنك.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من الخيارات الأخرى زيادة الضرائب على عائدات الأسهم التي توزعها الشركات على مساهميها. حالياً، هناك حد إعفاء لأي عائدات من الأسهم ضمن الإعفاء الأساس في ضريبة الدخل، أي إنه إذا كانت الأرباح التي تحققها من أسهم تملكها لا ترفع الدخل إلى سقف حد الإعفاء فلا تدفع عليها ضرائب، إضافة إلى أن هناك إعفاء ضريبياً سنوياً على أول 500 جنيه استرليني (680 دولاراً) من عائدات الأسهم.
تقدر مصلحة الضرائب أن إلغاء هذه الإعفاءات للضرائب على عائدات الأسهم يمكن أن يوفر للخزانة العامة ما يصل إلى 325 مليون جنيه استرليني (442 مليون دولار) سنوياً. وهناك مقترح آخر بإنهاء إعفاء عائدات الأسهم من ضريبة التركات (ضريبة الإرث).
ضرائب غير مباشرة على المتقاعدين
إلى جانب خيارات الضرائب المباشرة على الأثرياء والشركات والأعمال والمستثمرين، هناك احتمالات ضرائب غير مباشرة تطاول العاملين والمتقاعدين، أي الشريحة الكبرى من الناخبين، والاحتمال الأكبر هو أن تمدد الحكومة تجميد سقف شرائح ضريبة الدخل.
وعلى رغم أن التجميد لا يعني زيادة مباشرة في الضريبة على الدخل فإنه يعني زيادة غير مباشرة، فبعدما كان سقف الشرائح الضريبية يرتفع بنسبة قريبة من نسبة التضخم سنوياً، فإن تجميد السقف يعني دخول مزيد من العاملين في الشرائح الضريبية الأعلى. ومع احتمال دخول أكثر من مليون في شريحة الضريبة الأعلى بنسبة 45 في المئة ترتفع حصيلة الخزانة العامة من ضريبة الدخل، وتنتهي فترة تجميد سقف الشرائح الحالية عام 2028، لكن وزيرة الخزانة ستعلن تمديد فترة التجميد.
هناك ضريبة غير مباشرة أخرى قد تصيب المتقاعدين، سواء بإلغاء إعفاء من يتقاضون معاشات تقاعدية وما زالوا يعملون من مدفوعات مستقطعات التأمينات أو إدخال أموال معاشات التقاعد ضمن ضريبة الإرث (التركات)، فضلاً عما ستعلنه ريفز في خطاب "مانشن هاوس" في الـ15 من يوليو (تموز) الجاري من تغييرات تتعلق بالادخار المعفي من الضريبة على فائدته.
صعدت مؤسسات مالية مثل شركات الإقراض العقاري حملتها للضغط على الحكومة كي لا تنفذ خططها بخفض سقف الادخار في الوعاء الادخاري المعفي من ضريبة الأرباح (ISA). وترى المؤسسات المالية أن ذلك إجراء مضاد لتشجيع الادخار سيشكل ضغطاً على توفر الائتمان، بخاصة للقروض العقارية.
الحد السنوي الحالي للادخار في ذلك الوعاء هو 20 ألف جنيه استرليني (27 ألف دولار)، وتنوي الحكومة خفضه إلى 4 آلاف جنيه استرليني (5.5 ألف دولار)، ويعني ذلك أن أي مدخرات فوق ذلك السقف ستخضع للضريبة على الأرباح.
كل هذه ضرائب غير مباشرة على المتقاعدين، الذين يستفيدون من تلك المدخرات في آخر عمرهم بعد أن تعبوا في تجميعها خلال فترة عملهم الطويلة، ولأن معاش التقاعد الحكومي لا يكفي في ظل ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة الحالي فإن كثيراً من المتقاعدين فوق سن 67 سنة يضطرون إلى العمل لتغطية كلفة معيشتهم، ومن شأن إلغاء الإعفاء الضريبي المتمثل في عدم دفع مستقطعات تأمينية بعد سن التقاعد أو فرض ضرائب غير مباشرة على مدخراتهم أن يزيد من الضغط على سبل حياتهم.