خلاف حول المعتقلين العرب في إقليم كردستان العراق

تنفي الأجهزة الأمنية احتفاظها بأي معتقل من خارج القانون

سجن سوسة التابع للحكومة الاتحادية والواقع في إقليم كُردستان (مواقع التواصل الاجتماعي)

بعدما سلمت الأجهزة الأمنية في إقليم كردستان العراق 90 معتقلاً جنائياً عربياً، من المتهمين بقضايا الإرهاب، إلى الأجهزة الأمنية في محافظة كركوك، عاد النقاش حول قضية المئات من المعتقلين المخفيين، الذين تتهم القوى السياسية العربية في محافظة كركوك الأجهزة الأمنية الكردية بالتكتم عن مكان وجودهم، ولا تسمح لذويهم بالتواصل معهم، من دون توجيه تهم واضحة لهم أو حتى تسليمهم للقضاء.

في المقابل، تنفي الأجهزة الأمنية في الإقليم احتفاظها بأي معتقل عراقي من خارج القانون أو سند قانوني لسلطتها الأمنية والقضائية الشرعية. وتعتبر أن ثمة جهات سياسية بعينها في محافظة كركوك، ذات خيارات سياسية مناهضة لإقليم كردستان، تنشر مثل هذه الادعاءات، حتى تعكر الأجواء الإيجابية التي تجمع حكومة الإقليم راهناً مع نظيرتها الاتحادية، والتي من المتوقع أن تتوصل عما قريب إلى نتائج وتوافقات أمنية وإدارية لإعادة إدارة محافظة كركوك المتنازع عليها، قبل شهور قليلة من إجراء انتخابات مجالس المحافظات، بحسب الرأي الغالب على الجهات الأمنية والسياسية في إقليم كردستان.

يهدد هذا الملف بتعكير العلاقات الأهلية والسياسية، وحتى الأمنية والعسكرية، بين إقليم كردستان والقوى السياسية والأهلية في المناطق المتنازع عليها، بالذات العرب في تلك المنطقة.

اتهامات من جهات عربية

بدأت القضية منذ أواخر أكتوبر (تشرين الأول) عام 2017، حين تمكنت الحكومة الاتحادية العراقية من إعادة سيطرتها على محافظة كركوك والمناطق المحيطة بها، بعد إجراء إقليم كردستان العراق لاستفتاء الاستقلال عن العراق في 25 سبتمبر (أيلول) من العام ذاته.

 في ذلك الوقت، وبعد انسحاب الأجهزة الأمنية وقوات البيشمركة من محافظة كركوك، بعدما كانت تحكمها أمنياً وعسكرياً لقرابة ثلاثة أعوام، اتهمت العديد من القوى السياسية العربية في المحافظة، وعلى رأسها المجلس العربي في كركوك، هذه الأجهزة الأمنية الكردية بالنقل والاحتفاظ والتكتم حول مصير نحو 1200 معتقل عربي من المحافظة، من الذين كانت تتهمهم بارتكاب أفعال إرهابية.

كان العشرات من ذوي هؤلاء المعتقلين- بحسب ما قدرهم تقرير رسمي لمنظمة هيومن رايتس ووتش- قد تظاهروا في محافظة كركوك للمطالبة بكشف مصير ذويهم.

وقال محافظ كركوك راكان الجبوري، المعين بالوكالة منذ ذلك الوقت من جانب الحكومة الاتحادية ومن دون العودة إلى مجلس محافظة كركوك، قد صرح بأن الحكومة المركزية قد أرسلت وفداً للتحقيق في الأمر، لكن من دون أن يتم الإعلان عن النتائج التي توصلت إليها بشكل رسمي.

واستدرك الجبوري الأمر موضحاً أن الأجهزة الأمنية في محافظة السليمانية سلمت 105 معتقلين من أبناء محافظة كركوك للأجهزة الأمنية في المحافظة عقب تشكيل هذه اللجنة، من الذين كانوا محتجزين لدى الأجهزة الأمنية في محافظة السليمانية، لنظيرتها في كركوك.

في المقابل، أوضح الرئيس السابق للجنة الأمنية في مجلس محافظة كركوك آزاد جباري، لمنظمة هيومن رايتس ووتش مدى التعقيد الذي يلف هذه القضية. فكثير من هؤلاء الذين ترد أسماؤهم في قوائم المختفين، بحسب رأي المسؤول جباري، تعود لمختفيين انقطعت سيرهم طوال الأعوام 2003 - 2011، حيث كانت محافظة كركوك خاضعة في ذلك الوقت للحكومة المركزية العراقية وأجهزتها الأمنية. إلى جانب وجود العديد من ملفات هؤلاء المعتقلين بيد الجيش الأميركي وقتها، أو في سجن سوسة الاتحادي، الذي وإن كان موجوداً في محافظة السليمانية في إقليم كردستان العراق، إلا أنه يتبع الأجهزة الأمنية والحكومة الاتحادية العراقية.

ردود إقليم كردستان المباشرة

أصدرت وزارة الداخلية في إقليم كردستان العراق بياناً رسمياً في الثامن من سبتمبر (أيلول) الحالي، كذبت فيه صحة التقارير التي ادعت وجود قرابة خمسة آلاف معتقل من أهالي محافظة كركوك في سجون محافظتي أربيل والسليمانية، بحسب تعبير بيان الوزارة.

في حين أكدت الداخلية الكردستانية في بيانها وتصريحات مسؤوليها الرسميين "أن أبواب سجون الإقليم مفتوحة أمام المنظمات الإنسانية والحقوقية الدولية والمحلية للتحقق من ذلك".

 مصدر مقرب من وزارة الداخلية في الإقليم، أوضح لـ "اندبندنت عربية" أن الأرقام والتقارير التي تزود بها بعض الجهات السياسية العربية في محافظة كركوك الجهات الإعلامية الرديفة لها، تتقصد التحريض وابتزاز إقليم كردستان ووضعه في موقع الدفاع عن النفس.

وقال المصدر الكردي إن الأرقام التي تنشرها هذه الجهات متفاوتة للغاية، تبدأ بالألف وتصل في بعضها إلى أكثر من خمسة آلاف معتقل، بينما الرقم الفعلي الذي تحدثت عنه منظمات حقوق الإنسان الدولية نحو 350 معتقلاً، وتعود ملفات اختفائهم إلى مراحل متفاوتة، سابقة لمرحلة سيطرة قوات البيشمركة والأجهزة الأمنية الكردية على محافظة كركوك، وذكّر المصدر بأن الغالب الأعم من هؤلاء المختفين انقطعت سيرهم في المناطق الجنوبية من محافظة كركوك حين سيطر تنظيم داعش على مناطقهم، ولم يختفوا جراء توقيف أو اعتقال من الأجهزة الأمنية الكردية.

البيان الرسمي من وزارة الداخلية في إقليم كردستان، اتهم الجهات السياسية في محافظة كركوك، وعلى رأسها المحافظ المعين من الحكومة المركزية، بالفبركة التامة لهذا الملف. وورد في بيان "من المؤسف أن يستند مروجو هذه الاتهامات الباطلة، إلى مزاعم أشخاص من أمثال راكان الجبوري، الذي يمارس أساليب مخالفة للدستور وكل القوانين والأعراف، من تعريب وتهجير، والاستيلاء على الأراضي والاستحواذ على ممتلكات مختلف مكونات كركوك. ونؤكد للجميع، أن هذه التصريحات المسيئة، لن تنعكس إلا على مطلقيها، ولن تثني إرادتنا، بل ستزيد إقليم كردستان عزماً وإصراراً على البقاء، مثلما عهدتموه، ملاذاً آمناً لجميع المضطهدين ومن دون تمييز".

صمت من الحكومة الاتحادية

في المقابل، تبدو الحكومة الاتحادية العراقية أكثر الجهات "حرجاً" في هذا الملف، فهي لم تتخذ أي إجراء تجاه هذا الملف. لا من خلال التحقيق في صحة التقارير التي تصدرها الجهات السياسية في محافظة كركوك، والفرز الواجب لمختلف أشكال ملفات المختفين، سواء المعتقلين منهم أو المختفين في ظروف غامضة، أو من الذين ثمة شبهات حول انضمامهم إلى تنظيمات متطرفة. على المستوى نفسه، فإن الحكومة الاتحادية العراقية لم توضح نتائج مفاوضاتها لإقليم كردستان في هذا الشأن.

مصدر سياسي مطلع أكد لـ "اندبندنت عربية" أن العديد من الجهات السياسية العراقية المركزية، تحاول حفظ هذا الملف في حالة عدم الحل، حتى تستفيد سياسياً وأمنياً من حالة سوء الفهم المتبادلة بين الكرد والعرب في المناطق المتنازع عليها، وكي تغطي على آلاف الملفات الجنائية والأمنية التي ارتكبتها الميليشيات بحق السكان المحليين في تلك المنطقة.

المزيد من العالم العربي