حكومتا العراق وإقليم كردستان توحدان جهودهما في العلاقات الخارجية

خطوة لافتة اتُخذت بعد خلاف دام سنوات وهو ما كان يؤثر في صياغة التوجهات وبلورتها

مسؤول بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق ريكاردو رودريغيز مع سفين دزيي مسؤول دائرة العلاقات الخارجية في حكومة إقليم كُردستان العراق (دائرة العلاقات الخارجية لحكومة إقليم كُردستان)

ذكرت دائرة العلاقات الخارجية في حكومة إقليم كُردستان، وهي بمثابة وزارة خارجية حكومة الإقليم، في بيان رسمي الجمعة 23 أغسطس (آب) 2019، أن مسؤول الدائرة سفين دزيي بحث مع وزير خارجية العراق محمد علي الحكيم الخطط المُستقبلية للمؤتمرات والاجتماعات والمناسبات والنشاطات الدولية، وذلك بُغية مشاركة الطرفين بوفود موحدة، بعدما كان الطرفان يُشاركان بوفود ثُنائية خلال تلك المناسبات. وأضاف البيان أن "الطرفين اتفقا على زيادة تقدم مستوى علاقات إقليم كردستان والحكومة الاتحادية مع المجتمع الدولي في إطار الدستور العراقي، وأنه من الآن فصاعداً ستشارك دائرة العلاقات الخارجية مع وزارة الخارجية في المؤتمرات والاجتماعات الدولية كوفد رسمي".

استقلالية نسبية

كانت دائرة العلاقات الخارجية في حكومة إقليم كُردستان العراق تعمل بحيّز كبير من الاستقلالية عن وزارة الخارجية العراقية، وفي الكثير من الملفات تتصرف كجهة ذات سيادة وتمثيل لكيان مستقل.

وسعت هذه الدائرة إلى أن يكون لها تمثيل دبلوماسي في العواصم الرئيسة في العالم، وصلت إلى حد 14 ممثلية سياسية - دبلوماسية في مختلف عواصم القرار العالمية. كما أنها كنت تشرف على عدد من المديريات الرئيسة التي تُدير شؤونها، مثل مديرية العلاقات الدولية لإقليم كُردستان، التي تُنظم شؤون الإقليم مع القوى الدولية، وتُشرف على ممثليات الدول الأجنبية فيه. كذلك، ثمة مديرية خاصة بمكاتب الإقليم في الخارج، مختصة بعلاقة الوزارات والدوائر الرسمية الكُردستانية مع الدول الأجنبية. وإلى جانب تلك المديريتين الرئيستين، كان ثمة مؤسسة مختصة بالمنظمات الدولية وأخرى بالبروتوكول والإعلام وأخيرة بالشؤون القانونية.

جميع هذه المؤسسات لا تتبع وزارة الخارجية العراقية بشكل مباشر ورسمي، وتعمل على إصدار سمات السفر وتصديق الأوراق الرسمية وتنمية العلاقات مع القوى الدولية والمنظمات الدولية. كذلك، فإنها تنسق وتقود المئات من المؤتمرات والندوات واللقاءات الدولية التي تُنظم في مُدن إقليم كُردستان، التي تُشكل مركزاً لبيروقراطية الاقتصاد العراقي.

صراع آخر على السيادة

بداية عام 2003، ومثل الملفات النفطية والتعليمية والعسكرية، شكّل ملف السيطرة وإدارة العلاقات الخارجية واحداً من أكثر الملفات إشكالية بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كُردستان. وكانت تلك القضية محل جدال حتى بين القوى الإقليمية مُنذ عام 1992، عندما خرجت مناطق إقليم كُردستان من سيطرة الحكومة المركزية.

حينها، ظلت الحكومات الاتحادية العراقية كافة تُطالب بأن تكون حكومة ومؤسسات حكومة إقليم كُردستان، المختصة بشؤون العلاقات الخارجية، تابعة ومرتبطة بنظيرتها المركزية في وزارة الخارجية العراقية. مُقربون من الحكومة الاتحادية يعتبرون أن ذلك متوافق مع الدستور الاتحادي، لأن هذا الأخير، قانوناً وعُرفاً، وحسب جميع أشكال الكيانات الفيدرالية، إنما يعتبر الجيش والعُملة المحلية والعلاقات الخارجية من اختصاص السُلطة المركزية، وأن الأقاليم ومجالس المحافظات يجب أن تتبع الجهات الاتحادية المركزية المختصة.

قراءة حكومة الإقليم

حكومة إقليم كُردستان كانت لها قراءة أخرى. فقد كانت تعتبر أن الدستور العراقي قائم في أكثر من وجه على متن الشراكة بين العرب والأكراد في الدولة العراقية الحديثة، وأن الدولة العراقية الحديثة قائمة دستورياً على اتحاد اختياري بين الطرفين. لكن حكومة إقليم كُردستان كانت تُضيف أن الحكومة المركزية لم تلتزم بمبدأ الشراكة بين الطرفين. ولأن وزير خارجية العراق بقي كُردياً لأكثر من عشر سنوات، ظلت السياسة الخارجية العراقية تُرسم وتُحدد من قِبل رئيس الوزراء ومجلس الأمن الوطني. وتُضيف أن عدداً كبيراً من القوى السياسية العراقية كانت تسعى على الدوام إلى تحويل العلاقات الخارجية لأداة لكبح تنمية إقليم كُردستان العراق.

تنص الوثائق الرسمية التي تُحدد هوية دائرة العلاقات العامة في حكومة إقليم كُردستان العراق على التزام حكومة الإقليم، سياسة العراق الخارجية، باعتبار أنها جزء من العراق الاتحادي، وتشارك في تشكيل وتنفيذ هذه السياسة الخارجية من خلال المشاركة مع الحكومة الاتحادية وعمل مواطنيها في وزارة الخارجية الاتحادية وسفاراتها حول العالم.

كما تُصر على أن الدستور العراقي يمنح الحق لإقليم كردستان في استمرار ممثليه في الخارج بممارسة أعمالها لتعزيز علاقات ومصالح الإقليم الاقتصادية والثقافية والتعليمية.

الاستقطاب الإقليمي جوهر الخلاف

كانت مسألة الصلاحيات وتفسير الدستور واحدة من أوجه الخلاف وتشتت المؤسسات بين حكومة الإقليم ونظيرتها الاتحادية. لكن جذر التناقض بين الطرفين، كان قد تأسس مُنذ الأشهر الأولى للاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، حينما تفككت السُلطة المركزية العراقية، وصارت مراكز القوى العراقية تملك خيارات سياسية إقليمية ودولية مختلفة.

كانت القوى المركزية العراقية "الشيعية" تملك خياراً سياسياً استراتيجياً، يتمثل بتوثيق العلاقة مع إيران وتحويل العراق إلى عضو فعال في محور الهيمنة الإيرانية على دول المنطقة. صحيح أنها كانت تعمل على مراعاة النفوذ الأميركي في العراق خلال السنوات الأولى للاحتلال الأميركي، لكنها كانت تُظهر على الدوام توافقاً مع الخيارات الإيرانية في علاقاتها الخارجية، خصوصاً في النظرة السلبية تجاه دول الخليج العربي واللعب على ملف الصراع الطائفي السُني الشيعي في المنطقة.

كانت تلك الخيارات شديدة الضغط على إقليم كُردستان، الذي لم يكن يرغب في أن يغدو جزءًا من المحور الإيراني، الذي لا يعترف بالكُرد كقوة سياسية في المنطقة، كما أنه في مكان ما يعتبر الكُرد خطراً على مركزية السُلطة الإيرانية، ولا يُرضيها أن يحصل الكُرد على أية استقلالية في أية منطقة.

الطرف الكُردي إذاً لم يرغب في أن يكون جزءًا من محاور الصراع الطائفي، فالأكراد لديهم مسألة قومية، يسعون من خلالها إلى إيجاد أنواع من اعتراف التشكيلات القومية في المنطقة بهم وبقضيتهم، وأن تكون السياسة الخارجية العراقية ساعية في جزء منها إلى تحقيق ذلك الأمر، باعتبار أن الكيان العراقي قائم على الشراكة بين العُنصرين العربي والكُردي.

 

المزيد من العالم العربي