انفجارات ضخمة تهز مخازن أسلحة للحشد الشعبي في العراق

وسط تجاذبات أميركية إيرانية وتلميحات إسرائيلية

يعاين مكان التفجيرات التي استهدفت مخازن أسلحة (مواقع التواصل الاجتماعي)

التهم حريق ضخم مخازن عسكرية عدة تابعة لميليشيات الحشد الشعبي العراقية بالقُرب من قاعدة بلد العسكرية الجوية في محافظة صلاح الدين العراقية، فقد تطايرت مقذوفات هائلة على مُختلف المناطق المُحيطة بهذه المخازن، امتدت لكيلومترات عدة، بما في ذلك أسوار قاعدة بلد العسكرية، بحسب ما قال شهود عيان لـ "اندبندنت عربية"، والذين توقعوا من أصوات الانفجارات، أن يكون المخزن مخباً لعتاد عسكري ضخم، بما في ذلك الصواريخ الإستراتيجية.

الموقع والجهة المُستهدفة

شهود عيان قريبون من منطقة الحدث، أكدوا أن انفجارات مهولة عدة حدثت في موقع قريب من قاعدة بلد الجوية، وأن السُكان المحليين اعتقدوا في البداية أنها هزة أرضية، لكنهم ما لبثوا أن شاهدوا النيران وهي تلتهم أحدى مقار فصيل "جند الإمام علي"، الذي يُعتبر المقر الرئيس لعتادها العسكري.

متابعون عراقيون أكدوا أن جميع فرق الإطفاء والإنقاذ المدني فشلت حتى ساعات طويلة إلى ما بعد حدوث التفجيرات من إخماد الحرائق التي رافقتها، بما في ذلك الحرائق التي اندلعت في محيط الموقع جراء المقذوفات، الأمر الذي أدى إلى أن يُخلي بعض السُكان المحليين منازلهم، وأن تُرسل الحكومة العراقية العديد من فرق الإطفاء من العاصمة بغداد، التي تبعد قُرابة ثمانين كيلومتراً. المصادر ذاتها أشارت إلى أن قوات الجيش الأميركي في قاعدة بلد الجوية أخلوا موقع انتشارهم الاعتيادية، ولاذوا بالملاجئ المُحصنة، ضمن القاعدة نفسها.

كتائب جند الأمام علي هي واحدة من تشكيلات ميليشيات الحشد الشعبي الكثيرة، وتُعتبر من أقرب تشكيلات الحشد الشعبي للنفوذ الإيراني داخل العراق. تتبع كتائب جُند الأمام إلى الحركة الإسلامية في العراق، التي يقودها النائب في البرلمان العراقي أحمد الأسدي، الذي كان قد شغل منصب الناطق الرسمي باسم هيئة الحشد الشعبي، وهو حالياً الناطق الرسمي باسم ائتلاف الفتح البرلماني، الذي يُعتبر الجبهة السياسية لفصائل الحشد الشعبي المحسوبة على إيران، بالذات هذا الفصيل، إلى جانب فصيلي كتائب بدر وعصائب أهل الحق.

كانت الحركة الإسلامية العراقية قد عُرفت بمواقفها الموالية لإيران، إلى جانب رفضها المُطلق أية مُطالبة لضبط الحشد الشعبي وإعادة تنظيمه وتشكيله سياسياً ومهنياً. حتى أنها هددت بمقاضاة رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي حينما أتهم الحشد الشعبي باحتواء عناصر وهمية والهيمنة العسكرية على بعض المناطق. كما أن الحركة الإسلامية كانت أكثر الأطراف استياء من الأمر الديواني الأخير لرئيس الوزراء عادل عبد المهدي، والذي دعا إلى ضبط مواقع وأفراد الحشد الشعبي، وربطها بمركزية الجيش العراقي.

 احتمالات الجهة المنفذة

مراقبون للمشهد العسكري العراقي، إشاروا إلى أن حادثة التفجيرات الهائلة التي طاولت مخازن الحشد الشعبي العراقية هي جزء من سلسلة الضربات والهجمات "الغامضة" التي تتعرض لها مقار ومخازن الحشد طوال الشهر الماضي. إذ طاولت سلسلة تفجيرات معسكر "صقر" جنوب العاصمة العراقية بغداد الأسبوع الماضي، وأدت إلى جرح قُرابة ثلاثين مدنياً. وأصدر رئيس الوزراء العراقي على أثرها أمراً بنقل جميع مخازن الأسلحة العراقية إلى خارج المُدن. حيث كانت تلك السلسلة من الهجمات قد بدأت في 18 يوليو (تموز) الفائت، حينما تعرضت قاعدة "معسكر الشهداء" بالقُرب من بلدة آمرلي لهجمات بطائرات موجهة، غير معلومة المصدر.

الباحث العراقي سرمد الطائي، وفي اتصال مع "اندبندنت عربية"، أشار إلى أن هذه الهجمات هي جزء من الصراع الأميركي الإيراني على أرض العراق. وبناء على طبيعة هذه المواقع المُستهدفة، فإن إسرائيل أو الولايات المُتحدة هُما على الأغلب تقفان وراء هذه الأحداث. وأضاف الباحث الطائي بأن أجهزة الاستخبارات العالمية قد لا تضطر على الدوام لتوجيه ضربات جوية، وأن تفجير مخازن الأسلحة قد يكون عبر عبوات ناسفة لواحدة أو تلك من القطع، الأمر الذي يؤدي إلى تدمير كامل المنشأة.

مراقبون عراقيون استبعدوا إمكان تورط جهة عراقية داخلية في الأمر، مذكرين بأن هذا التفجير الأخير جاء بعد ساعات قليلة من التصريحات اللافتة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، التي لمح فيها إلى إمكان أن تكون دولته المسؤولة عن تلك الهجمات. فنتنياهو قال للصحافيين من مقر إقامته في العاصمة الأوكرانية كييف حينما سُئل عن الأمر "إيران ليست لديها حصانة في أي مكان"، مُضيفاً: "إيران تهدد إسرائيل، وأصبحت أكثر عدوانية مُنذ الاتفاق النووي عام 2015"، مؤكداً أن بلاده تعمل وتتصرف ضد إيران، أينما كان ذلك ضرورياً.

تصريحات نتنياهو اليوم، كانت قد أُضيفت إلى تصريحات سابقة للرئيس الأميركي دونالد ترمب، مع بداية سلسلة التفجيرات هذه، إذ نفى الرئيس الأميركي أن تكون بلاده الجهة التي نفذت تلك الهجمات، مُستدركاً بالقول إنها أُعلمت بتلك الضربات قبل حدوثها، وأن دولة حليفة للولايات المُتحدة قد نفذتها.

عجز عراقي

الجهات الرسمية العراقية أظهرت عجزاً متنامياً في القدرة على تشكيل أي رد فعل على تلك الهجمات، وبأي اتجاه. فحتى مطلب إغلاق الأجواء العراقية أمام الملاحة الدولية، والذي طرحته بعض الشخصيات السياسية العراقية، لضبط الهجمات في الداخل العراقي، لم تلقَ أية استجابة.

وزير الدفاع العراقي نجاح الشمري وصل إلى قاعدة بلد الجوية العسكرية، لمتابعة المُجريات عن قُرب، وإن لم يصدر عنه أي تصريح بالخطوات التي ستتخذها حكومته تجاه هذه الأحداث. فالحكومة العراقية تُظهر عدم قُدرة من اتجاهين: عسكري يتمثل بعدم قُدرة الجيش العراقي على التصدي لتلك الهجمات، أو سياسي متمثل بضبط وتنظيم فصائل الحشد الشعبي.

الناشط المدني والباحث العراقي سرمد الطائي، أكد لـ"اندبندنت عربية" أن حملات مدنية ستنطلق عما قريب من مُدن العراق كافة، لمطالبة رئاسات الجمهورية والبرلمان والحكومة بالسعي لوضع حد لهذه الحوادث، عبر إجراء جرد كامل لكل مخازن العتاد ومقرات الجنود العراقيين وفصائل الحشد الشعبي، والتأكد من وجود أية أسلحة غير مضبوطة وتابعة لوزارة الدفاع والجيش العراقي، وعدم تحول أي منها إلى مراكز لتخزين واستعمال الأسلحة الإستراتيجية لصالح دولة جارة، لإنقاذ العراق من براثن الصراع الإيراني الأميركي. الناشط الطائي إشار إلى أن تلك التحركات المدنية أنما ستكون على شكل تظاهرات ومجموعات شبابية ضاغطة، مُشيراً إلى أن عدم التحرك أنما قد يودي بكامل مُستقبل العراق.   

المزيد من العالم العربي