قلق كردي من المنطقة الآمنة... هل توطن تركيا فيها النازحين السوريين؟

ثمة تعقيد جغرافي وديموغرافي بالغ التركيب في تلك المنطقة

الملامح العسكرية والسياسية للمنطقة الآمنة شمال شرقي سوريا لم تتضح بعد (أ. ف. ب)

على الرغم من كثرة التصريحات المتبادلة بين الأطراف الثلاثة بشأن المنطقة الآمنة، الولايات المتحدة وتركيا وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، إلا أن أياً من الملامح العسكرية والسياسية للمنطقة الآمنة شمال شرقي سوريا لم تتضح بعد. 

يحدث ذلك فيما مرّ أكثر من أسبوع على الاتفاق المبدئي بين الولايات المتحدة وتركيا على تأسيس مركز مشترك لمراقبة تلك المنطقة، والتصريح أن المقر الرئيس لهذا المركز سيكون في ولاية شانلي أورفا، جنوب شرقي تركيا على الحدود مع سوريا، وأنه سيبدأ عمله المباشر خلال الأسبوع المقبل.

شيطان التفاصيل 

التصريحات الأخيرة لوزير الدفاع التركي خالوصي آكار تُشير إلى أن الجانبين الأميركي والتركي قد اتفقا على أربعة مضامين متراكبة، وأنهما يسيران على سكة تنفيذها تفصيلياً. فمركز العمليات المشترك سيكون بمثابة منصة التنسيق الدائم بين الطرفين، ومنه ستصدر التعليمات والقرارات الخاصة بالإجراءات بشأن تحقيق الهدف الرئيس المتفق عليه، المتعلق بالاستجابة لمخاوف تركيا الأمنية. كذلك، فإن السيطرة على أجواء تلك المنطقة ستكون ذات سلطة مشتركة بين الطرفين، وعلى شكل دوريات جوية على طول تلك المنطقة. 

تصريحات الوزير التركي تطابقت مع تصريحات الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي تحدث طوال الأسبوع الفائت عن أنّ مضمون الاتفاق يتعلق بخروج وحدات حماية الشعب YPG وقوات سوريا الديمقراطية QSD، من الممر الآمن المتفق عليه بين الطرفين، على أن يليها استبعاد الأسلحة الثقيلة جنوب تلك المناطق، بحيث تكون الحدود التركية في مأمن من أي هجمات يُمكن أن تخوضها هذه القوات.  

تنفيذ تدريجي

وأصدر الطرف الأميركي مجموعة من التفسيرات المطمئنة لحليفه على طرفي الحدود. فقد لاقت التصريحات الأميركية المخاوف الكردية بشأن إمكانية إغراق المناطق ذات الغالبية الكردية في الشمال السوري بمئات الآلاف من المهجرين السوريين (العرب) من تركيا. كذلك، فإن الولايات المتحدة أكدت طوال الأسبوع الماضي على لسان مسؤوليها إبقاء التنسيق وحماية حلفائها الأكراد من قوات سوريا الديمقراطية في منطقة شرق الفرات.  

من جهة أخرى، أعلن المتحدث باسم البنتاغون، شون روبرتسون، أن الاتفاق بين الولايات المتحدة وتركيا على إقامة منطقة آمنة في شمال غربي سوريا سيُنفّذ بشكل تدريجي، مشيراً إلى أن بعض العمليات المتعلقة بالاتفاق ستبدأ في وقت قريب، أي أن غالبية التفاصيل ما زالت محل تفاوض بين الولايات المتحدة وتركيا، وأن كثيراً من الإجراءات ما زالت غير متفق عليها. 

الطرف الكردي، وفق تصريحات القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية الجنرال مظلوم عبدي، يقبل بتطبيق نظام المنطقة الآمنة، من خلال الانسحاب من المنطقة المتفق عليها، على أن لا تزيد عن عمق خمسة كيلومترات على طول الحدود المشتركة. لكن الطرف الكردي رفض أن تكون سماء المنطقة الآمنة خاضعة لتركيا ودورياتها المراقبة.

الجغرافيا والديموغرافيا القلقة 

ثمة تعقيد جغرافي وديموغرافي بالغ التركيب في تلك المنطقة. هذا الأمر الذي يُعتبر واحداً من الأسس التي يُخاض على أساسها الصراع بين الطرفين. 

فالمنطقة المتوقع أن تكون جغرافيا للمنطقة الآمنة تطول لقرابة 400 كيلومتر، اعتباراً من مثلث الحدود السورية التركية العراقية، عند نقطة عين ديوار الحدودية، وحتى نقطة دخول نهر الفرات من تركيا إلى داخل الأراضي السورية، غرب بلدة كوباني (عين عرب) بقرابة أربعين كيلومتراً.  

يُعتبر ذلك الشريط الحدودي سهلياً بالكامل، وتنتشر فيه قُرابة عشرة مُدنٍ رئيسة، من مدينة ديريك (المالكية) ذات الغالبية الكردية، مروراً بمدينة رميلان النفطية على بعد خمسين كيلومتراً غرباً، وصولاً إلى مدن تربسبية (القحطانية) والقامشلي، التي يسكنها خليط سكاني كردي وعربي وسرياني، وليس انتهاء بمدن عامودا والدرباسية وسري كانية (رأس العين)، ذات الغالبية الكردية. اعتباراً من غرب مدينة رأس العين، تبدأ الجغرافيا التي يُشكل فيها العرب غالبية سُكانية، في المنطقة المحيطة ببلدة تل أبيض الحدودية. يتواصل ذلك الخط الجُغرافي نحو الغرب، إلى أن يصل مدينة كوباني (عين عرب) ومحيطها الريفي، حيث ثمة غالبية كردية مطلقة.

تراجع

القلق الكردي الأساسي متأتٍ من ذلك الوضع الجغرافي، إذ يعتبر الأكراد أن خريطة المنطقة الآمنة، إذا ما زادت عن عمق 5 كيلومترات على طول الحدود، فإنها ستعني أن كامل المدن والأرياف ذات الغالبية الكردية ستكون خاضعة للإرادة والهيمنة السياسية التركية، التي يمكن أن تخطط لأن تغرقها بإعادة توطين مئات آلاف النازحين السوريين المقيمين في تركيا. هذا غير الخشية من مسعى تركيا إلى تقوية شوكة القوى السياسية والعسكرية المناهضة لقوات سوريا الديمقراطية في تلك المنطقة، خصوصاً في ما لو كان عمق تلك المنطقة قريباً من الـ30 كيلومتراً، مثلما تطالب تركيا، حيث ستكون المناطق السهلية والخصبة والحيوية، بما في ذلك الطريق التجاري الدولي الرابط بين مدينتي الموصل وحلب، خاضعة للهيمنة التركية، وبهذا ستتحول قوات سوريا الديمقراطية إلى قوة حرب شبه صحراوية، من دون أي مضمون سياسي أو اقتصادي، لها وللإدارة الذاتية الكردية.  

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تذهب التقديرات إلى أن الأكراد السوريين، الذين كانوا يشكلون قرابة 10 في المئة من مجموع سكان سوريا، إنما لا يشكلون حالياً الغالبية في منطقة شرق الفرات، بسبب عمليات النزوح والهجرة الكبيرة طوال السنوات الماضية، وأن نسبتهم تراوح  راهناً في هذه المنطقة 30-40 في المئة، وأن التدخلات الإقليمية، بالذات من تركيا، ستدفع مزيداً من أكراد شرق الفرات إلى الهجرة والنزوح، ما سيؤدي إلى نزيف سكاني كردي.

طروحات كردية 

مصادر قريبة من قوات سوريا الديمقراطية، أوضحت لـ"اندبندنت عربية" أن اجتماعات مكثفة تُعقد بين قيادات من هذه القوات والطرف الأميركي، الذي يطلعها على التفاصيل. وأضاف المصدر أن "قسد" شرحت فهمها لهذا الاتفاق، بناء على ما كان متوافقاً عليه بينها والولايات المتحدة، أثناء مفاوضات هذه الأخيرة مع الطرف التركي.  

وقال المصدر إن الفهم الكردي ينص على أن تكون المنطقة الآمنة بعمق 5 كيلومترات على طول الحدود، على أن لا تتضمن أياً من المدن العشر الحدودية، وأن تكون المراقبة ثنائية، تركية من داخل الأراضي التركية، وأميركية دولية في داخل الأراضي السورية، وأن يحق لسكان هذه المناطق فقط من النازحين داخل تركيا العودة إلى مناطقهم. مقابل ذلك، فإن الطرف الكردي مستعد لسحب مقاتليه من ذلك الشريط، وحتى من داخل المدن، على أن يبقى حفظ الأمن في تلك المناطق لصالح قوى الأمن الداخلية، كما أنه مستعد للتخلي عن الأسلحة التي تعتبرها تركيا مقلقة لها. 

المزيد من الشرق الأوسط