Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا "24 فبراير" موعدا لبدء العملية العسكرية في أوكرانيا؟

بوتين يكشف عن الأسباب ويؤكد إصراره على عدم تكرار أخطاء الاتحاد السوفياتي خلال الحرب العالمية الثانية

احتار كثيرون إزاء تفسير اتخاذ مثل هذا القرار في مثل هذا التوقيت (أ ب)

بعد وقت طويل تناقل فيه العالم أنباء احتمالات "الحرب_الروسية  على  أوكرانيا،" حسمت موسكو أمرها واتخذت قرارها حول بدء "عمليتها العسكرية الخاصة" في الـ 24 من فبراير (شباط) الماضي. 

واحتار كثيرون إزاء تفسير اتخاذ مثل هذا القرار في مثل هذا التوقيت، رغماً عما سبق وظلت تردده كل الأوساط الرسمية الروسية حول عدم صحة ما يتردد حول "الحرب الروسية الوشيكة"، بل وثمة من ظل ينفي مثل هذه الأنباء حتى داخل أوكرانيا، بمن فيهم الرئيس فلاديمير زيلينسكي الذي انتقد إجلاء السفارات الأجنبية من العاصمة كييف إلى لفوف غرب أوكرانيا، في وقت كانت روسيا تحشد الآلاف من جنودها على الحدود المتاخمة لأوكرانيا، تحسباً من جانبها أيضاً لكل الاحتمالات الناجمة عن تدفق الأسلحة والمعدات من مختلف بلدان الـ ناتو" على أوكرانيا، وما كان يتردد حول استعدادات القوات الأوكرانية لتنفيذ ما ينص عليه الدستور وما كان يردده زيلينسكي حول عزم بلاده على استخدام القوة المسلحة لتحرير القرم وبقية أراضي "المقاطعات الانفصالية" في منطقة الدونباس.


 

 
تساؤلات 
 
ومن هنا كانت التساؤلات حول أسباب اختيار الـ 24 من فبراير (شباط) وليس قبل ذلك أو بعده على سبيل المثال في الـ 16 من فبراير، الموعد الذي كان أعلنه الرئيس الأميركي جو بايدن؟ 
يذكر مراقبون في هذا الصدد أن فلاديمير بوتين كان موجوداً قبل ذلك التاريخ في بكين، وأنه وعد بحسب ما تردد آنذاك الرئيس الصيني بأنه لن يبدأ الحرب في أوكرانيا قبل انتهاء دورة الألعاب الشتوية في بكين خشية إفساد أجواء هذا العرس الرياضي الأولمبي، غير أن تصريحاً رسمياً في شأن موعد "العملية العسكرية الخاصة" في أوكرانيا لم يصدر بهذا الشأن إلا بعد ذلك التاريخ بكثير، حين أعلن وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف الذي كان ضمن الشخصيات الرسمية التي لطالما أكدت عدم صحة ما يقال حول الحرب، فضلاً عما كان الرئيس بوتين أعلنه ضمن حديثه عن مبررات بدء هذه العملية العسكرية.
وكان لافروف خلال حديثه إلى قناة "روسيا اليوم" في مايو (أيار) من العام الماضي كشف أيضاً عما عثرت عليه القوات الروسية في مواقع الجيش الأوكراني خلال "العملية العسكرية الخاصة"، ويؤكد أنه "بالكاد كان لدينا الوقت الكافي لأنه كان من المقرر تنفيذ الخطة (ب) في الثامن من مارس (آذار)".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضاف الوزير الروسي "أن مجموعة ضخمة من القوات المسلحة الأوكرانية المتمركزة بحلول منتصف فبراير على خط التماس مع دونباس تخطط للاستيلاء على هذه الأراضي بالقوة في انتهاك صارخ لـ ’اتفاقات مينسك‘ وقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة"، فضلاً عما كانت تلوح به القوات الأوكرانية حول عزمها على تحرير أراضي هذه المنطقة بالقوة، وما واكب ذلك من مناوشات واعتداءات، وقال لافروف إنها لو كانت "آتت ثمارها" لما كان الغرب تحرك على نحو إيجابي، وهو الذي لطالما بارك انتهاك "اتفاقات مينسك" التي كانت موسكو نجحت في تحصينها بقرار صادر عن مجلس الأمن الدولي في ذلك الحين. 

 
لكن هناك أسباباً قد تكون وراء قرار موسكو تعجيل بدء "عمليتها العسكرية الخاصة"، وكشف عن بعضها بوتين ووزير خارجيته لافروف في أكثر من مناسبة لاحقة، بإعادتهما للأذهان ما سبق وأعلنه زيلينسكي في يناير (كانون الثاني) من العام الماضي حول رغبة بلاده في استعادة وضعيتها النووية. 
 
العملية العسكرية الخاصة
 
ونذكر ما قاله لافروف حول أن زيلينسكي وقبل وقت طويل من بدء "العملية العسكرية الخاصة" قال في أحد خطاباته إنه تحدث كثيراً ولا يزال يفعل ذلك، حول أن بلاده ارتكبت خطأً كبيراً عندما تخلت عن أسلحتها النووية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ولم يكتف زيلينسكي بذلك إذ راح يهدد باحتمالات مراجعة أوكرانيا هذا القرار، في وقت ثمة من يقول إن أوكرانيا تملك عملياً ما قد يسهم في إنتاج الصواريح الحاملة، إلى جانب عدد من العناصر التي يمكن أن تسهم في صناعة القنبلة النووية، ويعرب كثير من الخبراء والمتخصصين عن شكوكهم في إمكان ذلك، فضلاً عن دور المجتمع الدولي والبلدان الأوروبية التي لن تكون سعيدة بوجود مثل هذه الدولة النووية وسط القارة الأوروبية، وللمرء أن يتخيل ماذا كان يمكن أن تفعله أوكرانيا اليوم في حال تملكها مثل هذه الأسلحة؟
مجلة "فوربس" استعرضت أيضاً ما هدد به زيلينسكي في مؤتمر الأمن الأوروبي حول احتمالات الخروج من "مذكرة بودابست" التي تخلت أوكرانيا بموجبها عن أسلحتها النووية عام 1994 تحت رعاية روسية - أميركية - بريطانية. 
ونقلت المجلة عن زيلينسكي ما قاله حول أنه إذا لم يتخذ المجتمع الدولي قرارات ملموسة في شأن الضمانات الأمنية لأوكرانيا، فإن بلاده "سيكون لها كل الحق في الاعتقاد بأن ’مذكرة بودابست‘ غير سارية المفعول وأن جميع القرارات الشاملة لعام 1994 يمكن أن تكون موضع شك".
ولعل ذلك كله يمكن أن يكون في حقيقة الأمر ما دفع القيادة الروسية إلى التعجيل بقرارها حول موعد بدء "العملية العسكرية الخاصة" في أوكرانيا، وذلك ما تناوله بوتين في أكثر من خطاب وتصريح، فضلاً عما قاله حول عدم اهتمام الغرب بما تطلبه روسيا من ضمانات حول التوقف عن مزيد من توسع الـ "ناتو"، خصماً من رصيد أمن الدولة الروسية وما جاورها. 
كما توقف بوتين عند كثير من التفاصيل والوقائع حول عدم التزام الجانب الأوكراني ببنود ما وقع عليه من "اتفاقات مينسك" تحت رعاية ألمانية - فرنسية، بل وأعاد للأسماع ما سبق وصدر عن الجانب الأوكراني من تصريحات تقول برفضه تنفيذ هذه الاتفاقات، سواء إبان سنوات حكم الرئيس الأوكراني السابق بيتر بوروشينكو أو الحالي فلاديمير زيلينسكي. 
ونستبق الأحداث لنعيد للأذهان ما قالته المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل حول أنها وزميلها الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند كانا يعرفان أن الجانب الاوكراني لن يمتثل لتنفيذ ما جرى التوقيع عليه، وكأنما كان هناك اتفاق حول عدم التنفيذ، وأن الاتفاقات لم تكن سوى ستار يستهدف توفير "الفسحة" الزمنية اللازمة لإعداد القوات المسلحة الأوكرانية وتدريبها على النحو المناسب، من أجل إعدادها لتحرير "شبه جزيرة القرم" والمقاطعتين الانفصاليتين اللتين كانتا أعلنتا انفصالهما من جانب واحد عن أوكرانيا عام 2014. وذلك ما عاد الرئيس بوتين ليؤكده صراحة في خطابه السنوي الذي ألقاه قبل أيام، مشيراً إلى ما وصفه "بخداع الغرب، وتحفيزه النازيين وإمدادهم بالأسلحة وتجاهل اتفاقيات مينسك ومجموعة نورماندي، وتخليه عما يبرمه مع روسيا من اتفاقيات ومعاهدات، إلى جانب عدم الاستجابه لما قدمته روسيا من مطالب أمنية". وخلص الرئيس الروسي إلى القول إنهم الذين بدأوا الحرب ونحن الذين نحاول إيقافها"، في إشارة إلى ما يجري من محاولات لاستعادة "المناطق الأوكرانية الأربع".
 
أسباب بدء العملية الخاصة
 
ويذكر مراقبون أن بوتين لم يتخذ قراره بالاعتراف بالجمهوريتين "الانفصاليتين"، وأعلن ضمهما إلى روسيا مع مقاطعتي زابوروجيه وخيرسون مطلع أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، إلا بعد أن تزايدت حدة المعارك القتالية حولهما وجنحت قواته إلى التراجع عن كثير من مكاسبها خلال الأسابيع الأولى للعملية العسكرية الخاصة. 
 
 
وأوجز بوتين الهدف الرئيس من هذه العملية بقوله "إن الهدف الرئيس لروسيا هو حماية الأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم جزءاً من الشعب والثقافة الروسية، ولذلك اضطرت روسيا الاتحادية إلى البدء في هذه العملية الخاصة في أوكرانيا"، مضيفاً أن "نظام كييف وبدعم من الغرب رفض علناً الامتثال لـ ’اتفاقات مينسك‘ وقالوا في أوكرانيا علناً إنها لن تنفذ أبداً، وكان ذلك بالنسبة إلينا يعني ضرورة أن نفعل شيئاً مع دونباس، إذ يعيش الناس تحت النار منذ ثماني سنوات، وكان علينا تقرير شيء لأنفسنا"، وهذا ما عادت القيادات السياسية والعسكرية إلى مراجعة بعض مشاهده على ضوء ما وقع من قصور وأخطاء أسهمت في تخلي القوات الروسية عن بعض مكاسبها التي تحققت خلال الأسابيع الأولى للحرب، ومنها ارتباك حركة القوات والفصائل متنوعة القيادات، وما دب بين صفوفها من فرقة ودفع إلى المراجعة وتعيين الجنرال سيرجي سوروفيكين المعروف منذ سنوات عمله في سوريا بالانضباط والتشددد، قائداً جديداً للقوات الروسية. 
وعادت القيادات السياسية والعسكرية ثانية إلى تصحيح الخطأ بتعيين رئيس أركان القوات الروسية فاليري غيراسيموف قائداً عاماً ومعه ثلاثة نواب منهم سوروفيكين إلى جانب مزيد من الدعم التقني والمادي والعسكري، وما رافق ذلك من التوسع في الإنتاج والصناعات العسكرية بنماذجها الجديدة.
أما ما قاله بوتين حول ضرورة أن تضطلع روسيا بما كان يجب أن يفعله الاتحاد السوفياتي مع بدايات الحرب العالمية الثانية، فلم يكن ذلك سوى تكريس لفكرة إيمانه "الصوفي بالتاريخ" على حد قول عميد الدبلوماسية الأميركية الأسبق هنري كيسنجر، وهو ما يعنى خطأ مهادنة المعتدي الذي سبق وكلف "غالياً" الاتحاد السوفياتي في الماضي، واستحالة تكرار روسيا مثل هذه الأخطاء، ومع ذلك فقد أعرب عن إستعداده للحوار مؤكداً "أنه كلما كان ذلك أسرع كان أفضل"، نظراً إلى أن جميع الصراعات تنتهي بمفاوضات على المسار الدبلوماسي إن عاجلاً أو آجلاً، ولم ترفض روسيا أبداً التفاوض مع أوكرانيا.
وخلص بوتين الى تأكيد عبثية وعدم جدوى استمرار الغرب في الإغراق بالدعم العسكري لأوكرانيا، لأن روسيا تملك البديل المضاد وبكل وفرته. 
وكانت موسكو الرسمية انتقدت تراجع القيادة الأوكرانية عما سبق وجرى التوصل إليه من نتائج خلال محادثات السلام التي جرت بين الوفدين الروسي والأوكراني في إسطنبول برعاية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وتضمن اعتراف أوكرانيا بأنها تسحب طلبها الانضمام إلى الـ "ناتو" وتتعهد بعدم نشر أسلحة إستراتيجية في أراضيها، وهو ما عاد زيلينسكي وتراجع عنه تحت ضغوط غربية ليطرح شروطاً "غير قابلة للتنفيذ"، وأهمها العودة لخطوط عام 1991 بين البلدين ورحيل بوتين ودفع التعويضات والالتزام بإعمار أوكرانيا وتوفير إجرءات الأمن لها، وهو ما لا يمكن أن تقبل به موسكو جملة وتفصيلاً.
اقرأ المزيد

المزيد من متابعات