Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مؤسسات لبنانية في مهب الريح وسط الشغور الرئاسي

فوضى دستورية ومجالس بلا أمان أو ضوابط

الفراغ الرئاسي في لبنان وراء حالة الفوضى بالبلاد  (أ ف ب)

ليست المرة الأولى التي يعيش فيها لبنان مرحلة من الفوضى السياسية والأمنية تتخبط فيها معظم المؤسسات التي يجب أن تبنى عليها استمرارية الدولة واستقرار الحكم. السبب الرئيس الذي فرض الدخول في هذه الفوضى كان عدم انتخاب رئيس للجمهورية والفراغ في أعلى موقع في هرمية الحكم، الأمر الذي انعكس على بقية المواقع من مجالس النواب إلى الوزراء إلى العسكري وصولاً إلى القوى الأمنية بحيث يتعمم الفراغ في مواقع كثيرة نتيجة تقاعد عدد من القيادات والعجز عن تعيين غيرها.

عام 1988 مثلاً بعد اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية رشيد كرامي وكان قدم استقالته قبل اغتياله من دون تكليف رئيس الجمهورية أمين الجميل أي شخصية أخرى تشكيل الحكومة، تم التوافق بشكل غير دستوري على أن يحل الرئيس سليم الحص محله وأن يعاد إحياء الحكومة المستقيلة لكي تعود إلى السلطة. كان ذلك قبل ثلاثة أشهر من انتهاء ولاية الرئيس الجميل.

عهد الحكومتين

لم تكن هذه المخالفة إلا بداية لسلسلة مخالفات مماثلة ومتناسلة. ليل 22 سبتمبر (أيلول) 1988 عين الرئيس الجميل حكومة عسكرية برئاسة قائد الجيش العماد ميشال عون لتتسلم السلطة وتدير الفراغ وتؤمن انتخاب رئيس للجمهورية، وكان يحق له ذلك بموجب الدستور وإن يكن يخالف الصيغة التي كانت معتمدة دائماً وهي أن يكون رئيس الحكومة من الطائفة السنية. بدل أن يسعى العماد عون إلى تأمين انتخاب رئيس سعى إلى تعطيل أي عملية انتخاب إذا لم تكن تؤمن انتخابه شخصياً ليشغل هذا الموقع. على رغم إعلان الضباط الوزراء الثلاثة المعينين، السني والشيعي والدرزي، استقالاتهم، استمرت حكومة العماد ميشال عون ممسكة بالسلطة وبالصلاحيات، وبينما كان من المفترض دستورياً أن ينهي تشكيل هذه الحكومة مهمة حكومة الرئيس سليم الحص غير الدستورية تم تثبيت هذه الحكومة في مواجهة حكومة العماد عون بقرار من النظام السوري الذي كان ضد قرار الجميل تشكيلها.

في تلك المرحلة وقع لبنان تحت حكم الحكومتين وصار عنده وزيران لكل حكومة وقائدان للجيش ولقوى الأمن الداخلي، ولكن ما بقي يوحد اللبنانيين هو القضاء الذي لم يتقسم ومصرف لبنان الذي كان حاكمه إدمون نعيم الذي حاول تنظيم الفوضى ووزع الأموال على الموظفين الرسميين والقوى الأمنية بما يفترضه الواقع غير الواقعي، خصوصاً في ظل وجود وزيرين للمالية. في تلك المرحلة راحت التوصيفات تتحدث عما هو دستوري وقانوني وشرعي على قاعدة تعميم الفوضى وتنظيمها.

عون والهراوي أيضاً

لم يقتصر الأمر على هذا الحد. بعد اتفاق الطائف ودعوة النواب إلى انتخاب رئيس جديد للجمهورية في 5 نوفمبر (تشرين الثاني) 1989 أصدر رئيس الحكومة العسكرية العماد ميشال عون قراراً بحل مجلس النواب قبل يوم واحد ولكن النواب اجتمعوا وانتخبوا النائب رينيه معوض رئيساً. وعلى رغم ذلك رفض عون تسليمه السلطة معتبراً أنه غير شرعي. اغتيل الرئيس المنتخب وانتخب الرئيس الياس الهراوي خلفاً له وبقي عون يعتبر أن انتخابه غير شرعي وأنه هو وحده يمثل الشرعية.

بقي هذا الانقسام بين شرعيتين وحكومتين وقيادتين للجيش حتى تمت إزاحة العماد عون من قصر بعبدا في عملية عسكرية في 13 أكتوبر (تشرين الأول) 1990 ولكن بعد ذلك وبعدما أصبح للبنان رئيس واحد وحكومة واحدة وقائد واحد للجيش، لم يتم نقض أي قرار أو مرسوم صدر سواء عن حكومة عون أو عن حكومتي الحص قبل انتخاب الهراوي وبعده. ربما الكل كانوا على خطأ وربما كانوا على صواب ولكن المحاسبة لم تكن ممكنة لأن المطلوب كان تجاوز المرحلة والبدء من جديد.

الحكومة البتراء

مرة ثانية بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 فبراير (شباط) 2005 وانتخابات ذلك العام التي حصلت بعد خروج الجيش السوري من لبنان وأدت إلى فوز المعارضة وقوى 14 آذار بالأكثرية النيابية وتشكيل حكومة برئاسة فؤاد السنيورة تكررت التجربة. بقي رئيس الجمهورية العماد إميل لحود في قصر بعبدا بانتظار انتهاء ولايته في 25 نوفمبر 2007 وصار القرار السياسي متركزاً أكثر بيد الحكومة الجديدة المعارضة له.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 في ظل هذا الوضع ومع استمرار عمليات الاغتيال ومطالبة الحكومة بإنشاء محكمة دولية خاصة بلبنان تنظر في قضية اغتيال الرئيس الحريري، استقال الوزراء الشيعة من الحكومة لإجبارها على الاستقالة ولكنها لم تستقل فاعتبرها رئيس الجمهورية مع الثنائي الشيعي المكون من حركة "أمل" و"حزب الله" حكومة بتراء وغير شرعية وأن القرارات التي تصدر عنها غير دستورية وعلى رغم ذلك استمرت في الحكم وفي تغطية قرار مجلس الأمن الدولي تشكيل هذه المحكمة. وبقيت هذه الحكومة في الحكم بعد انتهاء ولاية الرئيس لحود تطبيقاً لما ينص عليه الدستور على أنها تحل محل رئيس الجمهورية في حال تعذر انتخاب رئيس.

طوال سبعة أشهر استمرت هذه الحكومة في العمل حتى سقطت بعد انتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية في 25 مايو (أيار) 2008. لم تطرح وقتها مسألة شرعية عمل الحكومة ولا مسألة توليها صلاحيات رئيس الجمهورية ولا تم الحديث عن شرعية اجتماعاتها لأنها أولاً لم تكن استقالت قبل انتهاء ولاية الرئيس ولو كانت بتراء من دون الوزراء الشيعة، فقد كانت دستورية وشرعية ومغطاة أيضاً من أكثرية نيابية.

ولاية حكومة سلام

طرحت مسألة الشغور الرئاسي وتولية الحكومة صلاحيات الرئيس بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان في 24 مايو 2014. قبل انتهاء الولاية تم تشكيل حكومة برئاسة تمام سلام ولكن مسألة الصلاحيات طرحت على خلفية متى تجتمع الحكومة بغياب رئيس الجمهورية ومن يوقع على قراراتها التي تدخل ضمن صلاحيات الرئيس. هل يوقع عليها رئيس الحكومة محل توقيع رئيس الجمهورية أو يوقع كل وزراء الحكومة مجتمعين على القرارات باعتبار أن الحكومة مجتمعة وليس رئيسها تحل محل الرئيس.

لم يتم حسم هذه المسألة وإن كان تم اعتماد قاعدة التوقيع الشامل من أجل التخلص من تهمة سلب صلاحيات الرئيس الماروني في ظل حكومة يرأسها سني، خصوصاً أن شخصية سلام كانت توافقية وغير صدامية مع أن وزراء "التيار الوطني الحر" حاولوا عرقلة عمل الحكومة من خلال طرح مسألة أكثر تعقيداً وهي هل يحق لرئيس الحكومة وحده وضع جدول الأعمال الذي يجب أن يطلع عليه رئيس الجمهورية الذي يحق له أيضاً طرح أي موضوع يختاره على جلسة الحكومة من خارج جدول الأعمال، بالتالي أراد التيار أن يشارك رئيس الحكومة في هذه الآلية، الأمر الذي خلق إشكاليات بقيت عالقة من دون حل قاطع دستوري وشرعي.

تكرار الخلل

الأمر نفسه يتكرر اليوم مع حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي كانت أصبحت مستقيلة بحكم انتحاب مجلس نواب جديد في 15 مايو 2022 قبل انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون. الجدل حصل حول ما إذا كان يحق لحكومة مستقيلة أن تتولى صلاحيات الرئيس ولكن في ظل ترجيح هذه النظرية بقيت الحكومة في الحكم وتولت الصلاحيات في ظل معارضة "التيار الوطني الحر" لحقها في عقد جلسات حتى في حالات الضرورة القصوى التي تتيح لها ذلك كما حصل مع حكومة سلام. الخلاف حول هذا الأمر فجر خلافاً أكبر بين "التيار الوطني الحر" و"حزب الله" الذي غطى اجتماعات الحكومة. لكن خطورة الأمر لا تقتصر على هذا الحد، بل تتجاوزه إلى خطر أكبر يتمثل في الفراغ الناشئ داخل المؤسسات الأمنية نتيجة إحالة عدد من الضباط إلى التقاعد من دون القدرة على تعيين من يحل محلهم وفي ظل تضارب الصلاحيات حول من يكلف غيرهم القيام بمهماتهم.

الفراغ في المجالس العسكرية

بوادر هذا التخبط السياسي والدستوري بدأت قبل انتهاء ولاية عون عندما لم يتم ملء الفراغ الذي نشأ في مجلس قيادة قوى الأمن الداخلي منذ يونيو (حزيران) الماضي بحيث فقد هذا المجلس قدرته على الانعقاد نتيجة فقدان النصاب وآلت صلاحياته إلى مدير عام قوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان الذي عين عدداً من الضباط في المراكز التي شغرت بموجب أوامر فصل داخلية تتيحها له صلاحياته.

ولكن الأمر الأكثر جدلاً وخطورة حصل بالمجلس العسكري في الجيش اللبناني المكون من ستة ضباط هم قائد الجيش رئيساً ورئيس الأركان نائباً له والمدير العام للإدارة والمفتش العام وأمين عام المجلس الأعلى للدفاع وضابط سادس ثابت يتم تعيينه بقرار من مجلس الوزراء. في 11 مارس وقع رئيس الجمهورية قرار تعيين العميد بيار صعب عضواً ثابتاً والعميد الركن محمد المصطفى كأمين عام لمجلس الدفاع الأعلى بعد إحالة سلفيهما العميد إلياس شامية واللواء محمود الأسمر إلى التقاعد. ولكن في 23 و24 ديسمبر (كانون الأول) الماضي تقاعد كل من رئيس الأركان اللواء أمين العرم والمفتش العام العميد ميلاد إسحق من دون أن يتم تعيين بديلين عنهما. بحكم أن المفتش العام تابع لوزارة الدفاع كلف وزير الدفاع العميد المتقاعد موريس سليم العميد ملحم الحداد ليحل محل العميد إسحق ولكن قائد الجيش العماد جوزف عون وضعه بتصرف القيادة وكلف العميد جرجس ملحم القيام بمهمات المفتش العام بحكم أنه أرثوذكسي وهذا المنصب لأرثوذكسي بينما الضابط الذي عينه الوزير كاثوليكي. وإذا لم يتم تعيين رئيس جديد للأركان (درزي)، يحال مدير عام الإدارة اللواء مالك شمص (شيعي) إلى التقاعد في 2 فبراير المقبل، وبذلك يصبح المجلس العسكري ناقصاً ثلاثة أعضاء وهذا الأمر يؤدي إلى أن تؤول صلاحيات المجلس إلى قائد الجيش في ظل خلاف بينه ووزير الدفاع وفي ظل طرح اسمه مرشحاً لرئاسة الجمهورية، وهو بدوره سيحال إلى التقاعد في يناير (كانون الثاني) 2024، الأمر الذي يطرح مسألة الفراغ في القيادة إذا لم يتم انتخاب رئيس للجمهورية ولم يتم تأليف حكومة جديدة تعيد بناء المؤسسات وتقوم بالتعيينات والتشكيلات.

الجدير بالذكر أن قائد الجيش كان طلب تأجيل تسريح الضباط الذين سيتقاعدون بحيث يتم حل مسألة الشغور ولكن وزير الدفاع لم يوافق على هذا الطلب كما أن نواب "الحزب التقدمي الاشتراكي" كانوا تقدموا بمشروع قانون معجل إلى مجلس النواب لرفع سن التقاعد للضباط القادة، ولكن رئيس المجلس نبيه بري لم يطرحه على جلسة عامة لبته، ذلك أن مجلس النواب ليس أيضاً بعيداً من حال الانفلات التشريعي والمؤسساتي وهناك جدل حول ما إذا كان يحق له أن يعقد جلسات للتشريع أو أن عليه أن يكتفي فقط بعقد جلسات لانتخاب رئيس للجمهورية.

ما حصل في قوى الأمن الداخلي والجيش مرجح أن يحصل أيضا في الأمن العام، إذ إن مدير عام الأمن العام اللواء عباس ابراهيم سيحال إلى التقاعد في 2 مارس المقبل من دون أن يتم تعيين خلف له. وكان قد عُين عام 2011 في هذا المنصب بعد تشكيله من الجيش، وكان سيحال إلى التقاعد كضابط عام 2018 ولكن تم تجاوز هذا الأمر بحيث تقدم باستقالته من السلك العسكري ليتم تعيينه في 14 مارس 2017 كمدني يبقى في موقعه حتى يبلغ الـ64 من العمر بدل أن يتقاعد كعسكري بعمر الـ59. وإذا كان يمكن أن يحل محله نائبه إلا أن هذا الحل يبقى ظرفياً ولا يلغي حال الفوضى التي باتت تعم المؤسسات السياسية والأمنية والعسكرية. في التاريخ نفسه تم تعيين قائد الجيش العماد جوزف عون ومدير عام قوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان ومدير عام أمن الدولة اللواء أنطوان صليبا. بعد ستة أعوام يبدو أن كل الأجهزة الأمنية تحتاج إلى استعادة الانتظام في عمل المؤسسات بدءاً من انتخاب رئيس للجمهورية بحيث يعاد ملء المراكز الشاغرة كلها بعد تشكيل حكومة جديدة. وفي حال لم يحصل ذلك ستعم الفوضى معظم المؤسسات.

المزيد من تقارير