Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عمال النظافة في غزة... جيوب خالية وبطون خاوية

ترجع البلدية السبب إلى سياسة التقشف جراء الأزمة المالية التي تعيشها

في غزة 1500 عامل نظافة  (اندبندنت عربية - مريم أبو دقة)

عند الرابعة فجراً يباشر عامل النظافة صابر عمله اليومي، فيحمل مكنسة سوداء، ويركب عربة خشبية متهالكة يجرها حيوان هزيل، ويبدأ في التنقل بحذر شديد بين الأزقة الضيقة في أحياء غزة، فشمس النهار لم تشرق بعد، والظلام الدامس يحجب عنه رؤية معالم الطريق، وعلى رغم ذلك يجمع أكياس القمامة المنتشرة في كل مكان.

تتنوع مهام صابر، كباقي عمال النظافة جميعهم، بين ترحيل النفايات من أمام منازل المواطنين وحملها إلى آليات النفايات، ثم نقلها إلى محطات الترحيل والمكبات. وفي جميع هذه المراحل يواجهون خطر الإصابة بأمراض متعددة، لكن التقاط مرض ما، لم يعد أمراً مهماً للرجل ولا يشغل له بالاً، فظروف عمله صعبة وعدم حصوله على حقوقه كل ما يشغل تفكيره.

ظروف العمل

يعمل صابر في بلدية غزة منذ 10 سنوات في ظروف يصفها بـ"المجحفة"، فهو عامل نظافة على بند عقد مقطوع، لقاء راتب زهيد لا يتجاوز الـ200 دولار. ويطاول الإجحاف حقوقه الأخرى، فإذا تعرض للإصابة أثناء العمل يجد نفسه مضطراً إلى دفع كلفة مصاريف العلاج من جيبه، فلا ضمان اجتماعياً ولا تأمين صحياً، بل يتجاوز الأمر ذلك ويصل إلى طرده إذا طالب بحقوقه.

"لا نريد منة منهم، نريد أن نحصل على راتبنا كل شهر، هذا ما نحلم به، إذ لم تلقَ دولاراً واحداً منذ شهرين، فحتى أجرنا الزهيد بتنا نحصل عليه كل شهرين أو ثلاثة، بدلاً من أن نتلقاه بشكل منتظم. صارت ظروفنا صعبة، وبالكاد نأكل"، هذا ما يقوله صابر، الذي بات تأخر راتبه الشهري الموضوع الرئيس الذي يشغل تفكيره، فيما تبدد أي أمل لديه في الحصول على صفة موظف رسمي يتمتع بحقوق.

 

 

منهمك في جمع مخلفات أحد بائعي الذرة المنتشرين على طول الشاطئ، يواصل صابر عمله من دون أن يشتكي من طول المساحة المخصصة له برفقة اثنين من زملائه لتنظيفها، والمقدرة بنحو 10 كيلومترات. يضيف، "عملنا شاق جداً، نجمع أكياس القمامة ونوصلها إلى مكب النفايات، ونكنس الطرقات، مقابل فتات من المال لا يكفي لسد جوع صغارنا".

من آخر راتب تلقاه صابر، استقطع ثلثه لتصليح أعطال كبيرة لحقت بعربته جراء وزن النفايات التي ينقلها يومياً بواسطتها.

وبحسب حقوقيين فلسطينيين، لا تقتصر انتهاكات البلديات على حرمان عمال العقود الموقتة من حقوقهم، بل تطاول شروط قبولهم. فالبلدية تضع مجموعة شروط لقبول عمال النظافة من ضمنها امتلاك الفرد دابة خاصة به، تطلع لجنة على مواصفاتها، وسبق أن رفض عمال نتيجة تقييم الدواب، هذا إضافة إلى امتلاك عربة جيدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"اسمحلي أتحدث بعد إذنك"، بلباقة يقاطع الحديث زميله عامل النظافة نصر قائلاً بلهجته العامية، "ما في إلنا لا حقوق ولا مستحقات، وطلب منا التوقيع على عقد بذلك في بداية عملنا، ولو تعرضنا لحادث دهس أو غيره من الحوادث فالبلدية غير مسؤولة عنا، ولا توفر لنا تأميناً صحياً أو أي مساعدة".

ويكمل نصر الذي بدت كفاه عاريتين من دون قفازات واقية، "نحن نعمل كي نطعم الحيوانات ونصلح العربات، ولا يتبقى لنا سوى الفتات. فالحيوان بحاجة يومية إلى طعام بدولارين في اليوم حتى يستطيع السير وتحمل العمل الشاق وجر مئات الكيلوغرامات من النفايات لمسافات طويلة".

الإصابة أثناء العمل كفيلة بالطرد 

خالد، الزميل الثالث الذي كان يعمل في المنطقة نفسها، حافظ على صمته منذ بدء الحوار مع رفاقه في العمل، إلا أنه قرر التحدث أخيراً، ليقول، "أنا هنا لأزور أصدقائي، لكني لم أعد أعمل معهم، لكن عملت في جمع النفايات على مدار ستة أعوام بموجب عقد موقت إلى أن تعرضت لإصابة أثناء عملي، فجرحت يدي اليسرى نتيجة وجود زجاج بين أكوام القمامة، واضطررت إلى إجراء عملية جراحية لربط الأوردة والشرايين التي قطعت، ما أفقدني الحركة في الخنصر، وحين تمثلت للشفاء وقررت العودة لأمارس عملي، وجدت قرار الاستغناء عن خدماتي ينتظرني".

أما خليل ملالحة فعاش تجربة مماثلة، إذ عمل لنحو سبع سنوات بعدها خسر مهنته، جراء تعرضه لحادثة سير أثناء ساعات عمله في أحد شوارع غزة، على أثره كسرت قدمه، ولدى عودته تفاجأ بقرار خصم أيام إصابته، تحت بند عدم المواظبة على العمل على رغم علم إدارته بإصابته.

ويقول خليل، "تستغل البلديات حاجتنا إلى العمل في ظل الظروف الصعبة، ولا نملك أي نسخ من العقود، إذ نمضيها وتبقى لدى البلدية. نعمل ساعات عمل إضافية، وفي أيام العيد، وفي الطقس العاصف، وأثناء الحروب، ولا يحسب لنا ذلك".

 

 

عصب البلدية

في الواقع، يعد عمال النظافة الذين يعملون على بند العقود المقطوعة عصب العمل في البلديات، فالدور المنوط لهم يعد أهم عمل، إذ يقومون بتجميع النفايات وترحيلها من الشوارع بدل تكدسها، لكن عدم اهتمام البلدية لمطالبهم دفعهم إلى الاحتجاج وإغلاق شوارع غزة بعرباتهم وحاويات النفايات، كما نظموا وقفة احتجاجية داخل مقر بلدية غزة، وطالبوا بتحسين ظروف عملهم ومنحهم جزءاً من حقوقهم الواردة في القانون.

استطاعت بلديات غزة الهرب من أزمة جمع وترحيل النفايات، عبر الاعتماد على نظام العقود الموقتة. ويؤكد رئيس قسم ترحيل النفايات الصلبة في بلدية غزة ماجد سكر ذلك، كاشفاً عن أنهم يعتمدون على عمال النظافة المدرجين على بند عقود مقطوعة لسد العجز الكبير في عملية تجميع النفايات.

ويقوم عمال النظافة بتجميع 700 طن من النفايات في غزة، ويبلغ إجمالي عدد العاملين في القسم 1500 عامل في 25 مجلساً بلدياً، ويعملون ضمن 35 نقطة تجميع مركزية موزعة في القطاع، ويبلغ عدد ساعات العمل ست ساعات يومياً من دون إجازات.

 

 

احتجاجات

كل هذه المهام الحيوية يؤدونها على رغم أن عقودهم لا توفر لهم أي حقوق عمالية، سواء على مستوى التأمين أو المعاشات، ويكون عملهم على بند المشاريع بحيث يحق للبلدية الاستغناء عن خدمات أي عامل منهم من دون قيود تلزمها بأي شيء.

الظروف التي يعيشها عمال النظافة أثارت استياء مؤسسات حقوق الإنسان، ونشرت إحدى المؤسسات بياناً تطرق إلى مسألة "عدم صرف رواتب عمال النظافة، الأمر المخالف لعديد من نصوص القانون الفلسطيني التي تنص على حق العامل في تلقي الأجر لقاء خدماته".

 

 

البلدية: نطبق سياسة التقشف

من جهة البلدية، يقول رئيس قسم جمع النفايات ماجد سكر، إنهم يعتمدون على عمال النظافة الذين يعملون على بند العقود المقطوعة، والتي تجدد بشكل سنوي، ويقدرون، "مهامهم المهمة، فهم يخلصون شوارع غزة من النفايات".

ويشير إلى أن هؤلاء العمال تأثروا بسبب الوضع المالي الصعب الذي تعيشه البلديات في غزة. وبسبب تطبيق خطة سياسة التقشف، لم يجرِ تثبيت حقوقهم، فيما أرجع تأخر صرف الرواتب إلى الإجراءات الإدارية لعملية إرسال الأموال من قبل الجهات المانحة.

وأكد سكر صحة المعلومات حول توقيع العاملين على عقود تخلي مسؤولية البلدية في حال تعرض أحد العمال لحادثة دهس أو إصابة أثناء العمل، لكنه لفت إلى أن البلدية فتحت لهم تأمين حوادث وليس تأميناً صحياً شاملاً.

المزيد من تقارير