Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هكذا أدى إهمال "سي آي أي" إلى الكشف عن جواسيسها في إيران

رووا تجاربهم مع الخذلان الذي تعرضوا له من جانب وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في خضم الحرب السرية بين واشنطن وطهران

تعتبر "سي آي أي" إيران أحد أصعب أهدافها لعدم وجود تمثيل دبلوماسي أميركي فيها (رويترز)

دقائق فقط كانت تفصل الجاسوس غلام رضا حسيني عن مغادرة إيران عندما ألقي القبض عليه.

كان في مطار الإمام الخميني في طهران في أواخر عام 2010 يستعد لرحلة إلى بانكوك، حينها كان سيلتقي مع عملاء وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي أي)، لكن قبل أن يتمكن من دفع ضريبة مغادرة البلاد رفضت ماكينة الصراف الآلي بالمطار بطاقته باعتبارها غير صالحة. وبعدها بلحظات طلب ضابط أمن الاطلاع على جواز سفره قبل أن يقتاده بعيداً.

وقال المهندس الإيراني إنه نقل إلى قاعة خاوية لكبار الشخصيات وطلب منه الجلوس على أريكة أديرت في مواجهة الحائط. فدس حسيني، الذي ترك بمفرده لبضع لحظات غلفها الارتباك والتشوش ولم ير خلالها أي كاميرات أمنية، يده في جيب بنطاله وأخرج بطاقة ذاكرة مليئة بأسرار الدولة يمكن أن تفضي إلى إعدامه، ووضعها في فمه ومضغها قبل أن يبتلعها.

ولم يمض وقت طويل حتى دخل عملاء وزارة الاستخبارات والأمن الوطني الإيرانية الغرفة ليباشروا تحقيقاً، تخلله ضرب. ولم يكن لإنكاره وإتلافه البيانات أي جدوى، إذ كانوا يعرفون كل شيء بالفعل على ما يبدو، لكن كيف؟

 

إهمال الـ"سي آي أي"

قال حسيني لوكالة "رويترز"، "هذه أشياء لم أخبر بها أحداً في العالم"، بل ذهب الأمر بحسيني، والأفكار تتقافز وتتسابق في ذهنه، إلى التساؤل عما إذا كانت "سي آي أي" نفسها قد باعته.

وكان المهندس الإيراني ضحية لعدم مبالاة "سي آي أي" أكثر من كونه ضحية لخيانتها، وذلك وفق ما كشف عنه تحقيق أجرته "رويترز" على مدى عام في كيفية تعامل الوكالة مع عملائها، فقد سهل نظام الاتصالات السرية المعيب التابع للوكالة، على الاستخبارات الإيرانية التعرف إليه والقبض عليه. وقال حسيني، الذي سجن لما يقرب من 10 سنوات وتحدث علناً للمرة الأولى، إنه لم يسمع شيئاً من الوكالة مرة أخرى حتى بعد إطلاق سراحه في عام 2019.

وامتنعت "سي آي أي" عن التعليق على رواية حسيني، الذي لم تكن تجربته في تعامل الوكالة السيئ معه وتخليها عنه هي الأولى من نوعها، إذ وجدت "رويترز" في مقابلات أجرتها مع ستة عملاء إيرانيين سابقين للوكالة، أنها كانت غير مكترثة من نواح أخرى في خضم حملتها المكثفة لجمع معلومات استخباراتية في إيران، مما يعرض حياة أولئك الذين يخاطرون بأنفسهم لمساعدة الولايات المتحدة للخطر.

وقال عميل إن "سي آي أي" أمرته بإفراغ ما في جعبته من معلومات في مكان بتركيا كانت تعلم أنه تحت المراقبة الإيرانية. وقال رجل آخر، وهو موظف حكومي سابق سافر إلى أبوظبي للحصول على تأشيرة دخول للولايات المتحدة، إن أحد ضباط الوكالة هناك حاول من دون جدوى دفعه إلى التجسس لصالح الولايات المتحدة، مما أدى إلى اعتقاله عندما عاد إلى إيران.

وهذه الخطوات الجريئة إلى حد التهور التي تقدم عليها وكالة الاستخبارات الأميركية تعرض أحياناً الإيرانيين العاديين للخطر، مقابل احتمال ضئيل في أن تحصل على معلومات استخباراتية مهمة. وأفاد الإيرانيون الستة بأنه عندما ألقي القبض عليهم لم تقدم الوكالة لهم أو لعائلاتهم أي مساعدة حتى بعد سنوات.

وقال الرئيس السابق لمكافحة التجسس في "سي آي أي" جيمس أولسون إنه لم يكن على علم بهذه الحالات تحديداً، لكنه قال إن أي تخل غير ضروري عن المصادر من قبل الوكالة سيمثل فشلاً مهنياً وأخلاقياً. وتابع "إذا كنا مهملين ولا نبالي وتعرضنا للاختراق، فعار علينا إذاً... إذا دفع الناس ثمن الثقة بنا لمشاركة المعلومات ثم تعرضوا للعقاب فنكون قد فشلنا أخلاقياً".

وزج بهؤلاء الرجال في السجن في إطار حملة مكافحة تجسس شرسة بدأتها إيران في عام 2009، وهي حملة أفادت تقارير إخبارية وثلاثة من مسؤولي الأمن القومي الأميركي السابقين بأنها جاءت نتيجة مجموعة من أخطاء "سي آي أي" إلى جانب أسباب أخرى. وقالت طهران في تقارير لوسائل إعلام رسمية إنها تمكنت في نهاية المطاف من الإيقاع بعشرات من عملاء الوكالة الأميركية بعد تحريات مضنية.

ولسرد هذه القصة، أجرت "رويترز" مقابلات استغرقت عشرات الساعات مع الإيرانيين الستة الذين أدانتهم حكومتهم بالتجسس بين عامي 2009 و2015. وللتحقق من روايتهم أجرت مقابلات مع 10 مسؤولين سابقين في الاستخبارات الأميركية على دراية بعمليات إيران، وراجعت سجلات الحكومة الإيرانية والتقارير الإخبارية، كما أجرت مقابلات مع أشخاص يعرفون جاسوسين.

ولم يؤكد أي من المسؤولين الأميركيين السابقين أو الحاليين، الذين تحدثوا مع "رويترز"، هويات أي من مصادر "سي آي أي" أو يكشفوا عنها. وامتنعت الوكالة عن التعليق على ما توصلت إليه "رويترز" أو على عملياتها في إيران. وقالت متحدثة إن "سي آي أي" تبذل قصارى جهدها لحماية الأشخاص الذين يعملون معها.

ولم ترد وزارة الخارجية الإيرانية أو بعثتها لدى الأمم المتحدة في نيويورك على طلبات للتعليق.

إيران هدف صعب

وكان حسيني هو الوحيد من بين الرجال الإيرانيين الستة الذين قابلتهم "رويترز"، الذي قال إنه تم تكليفه باستخدام وسيلة تراسل عرضة للاختراق، لكن تحليلاً أجراه اثنان من المتخصصين المستقلين في الأمن الإلكتروني وجد أن نظام التواصل السري عبر الإنترنت، الذي لم يعد له وجود الآن والذي استخدمه حسيني ووجدته "رويترز" في أرشيف على الإنترنت، ربما كشف 20 من الجواسيس الإيرانيين الآخرين في الأقل وربما مئات العملاء الآخرين في بلدان أخرى حول العالم.

وكانت منصة التراسل التي ظلت تعمل حتى عام 2013 مخفية داخل مواقع أخبار وهوايات من حيث يمكن للجواسيس التواصل مع الوكالة الأميركية. وتأكدت "رويترز" من وجود هذه المنصة من أربعة مسؤولين أميركيين سابقين.

ولا تزال هذه الإخفاقات تطارد الوكالة بعد سنوات، فقد أفادت صحيفة "نيويورك تايمز" بأن قيادة "سي آي أي" حذرت في سلسلة من البرقيات الداخلية العام الماضي من أنها فقدت معظم شبكتها من الجواسيس في إيران، وأن الإجراءات الخرقاء لا تزال تعرض مهمة الوكالة للخطر في جميع أنحاء العالم.

وتعتبر "سي آي أي" إيران أحد أصعب أهدافها. فمنذ أن استولى الطلاب الإيرانيون على السفارة الأميركية في طهران عام 1979 لم يكن للولايات المتحدة وجود دبلوماسي في البلاد. واضطر ضباط الوكالة في المقابل إلى تجنيد عملاء محتملين خارج إيران أو من خلال الاتصالات عبر الإنترنت. ويترك وجود الولايات المتحدة الضعيف داخل إيران الاستخبارات الأميركية في وضع لا تحسد عليه وسط أحداث مثل الاحتجاجات التي تجتاح إيران الآن بسبب وفاة مهسا أميني في حجز لشرطة الأخلاق التي اعتقلتها لانتهاكها قواعد اللباس في البلاد.

وقال أربعة ضباط استخبارات سابقين إن الوكالة مستعدة لتحمل أخطار أكبر مع المصادر عندما يتعلق الأمر بالتجسس على إيران. ويمثل الحد من الطموحات النووية الإيرانية أولوية في واشنطن، فيما تصر طهران على أن جهودها النووية مخصصة لحاجات الطاقة فقط.

وقال الضابط السابق في "سي آي أي" جيمس لولر، الذي كان يركز في عمله على ملفات من بينها أسلحة الدمار الشامل وإيران، "اختراق برنامج الأسلحة النووية الإيراني هدف استخباراتي مهم للغاية، مهم للغاية... بالتالي عندما يقومون بتحليل الأخطار في مقابل المكاسب عليك أن تفكر في حجم المكاسب الهائلة".

 

صيت "سي آي أي"

وكتب كثير عن حرب تدور في الخفاء منذ عقود بين طهران وواشنطن والتي تجنب فيها الطرفان مواجهة عسكرية كاملة لكنهما نفذا عمليات تخريب واغتيالات وهجمات إلكترونية، لكن العملاء الستة قدموا رواية غير مسبوقة عن لعبة التجسس القاتلة من منظور الإيرانيين الذين عملوا لحساب "سي آي أي". وقضى هؤلاء أحكاماً بالسجن تتراوح بين خمس و10 سنوات. وبقي أربعة، من بينهم حسيني، في إيران بعد إطلاق سراحهم وظلوا عرضة للاعتقال من جديد، فيما فر اثنان من البلاد وأصبحا لاجئين.

واعترف الرجال الستة بأن مسؤولي "سي آي أي" لم يقدموا لهم وعوداً مؤكدة قط بالمساعدة إذا ألقي القبض عليهم. ومع ذلك اعتقدوا جميعاً أن المساعدة الأميركية ستأتي يوماً ما.

ويمكن أن تشكل عمليات كشف الجواسيس تحدياً لصدقية الوكالة الأميركية وهي تسعى لإعادة بناء شبكة تجسس في إيران، لا سيما أن وسائل إعلام رسمية في البلاد نشرت بعض هذه الحالات ووصفت الوكالة بأنها لا تتمتع بالمهارة أو الكفاءة.

وقال حسيني "إنها وصمة عار على جبين الحكومة الأميركية". ورفضت المتحدثة باسم "سي آي أي" تامي كوبرمان ثورب، التعليق على كلامه أو على قضايا إيرانيين معتقلين أو أي جانب من جوانب طريقة إدارة الوكالة للعمليات، لكنها قالت إن الوكالة لن تعبث أبداً بحياة من يساعدونها.

وتابعت، "تأخذ وكالة الاستخبارات المركزية التزاماتها بحماية الأشخاص الذين يعملون معنا على محمل الجد، ونعلم أن كثيرين يفعلون ذلك بشجاعة ويعرضون أنفسهم لخطر كبير... فكرة أن وكالة الاستخبارات المركزية لا تعمل بالجدية المطلوبة لحمايتهم لهي فكرة خاطئة".

ولجأ حسيني إلى التجسس بعد أن سلك طريقاً وعرة للوصول إلى مهنة مربحة. وقال إنه نجل خياط نشأ في طهران وتعلم الخراطة وإصلاح السيارات وأظهر الشهادة التي حصل عليها من مدرسة مهنية. وروى أن المعلمين اكتشفوا ذكاءه ودفعوه إلى دراسة الهندسة الصناعية في جامعة "أمير كبير" للتكنولوجيا المرموقة. وقال إن أستاذاً هناك جعله على اتصال بطالب سابق له صلات بالحكومة الإيرانية وأصبح في النهاية شريكاً له في العمل.

وقدمت شركتهما الهندسية التي أسست في عام 2001 خدمات لشركات خاصة، وتعاقدت بمرور الوقت مع قطاعي الطاقة والدفاع الإيرانيين. وأكدت سجلات الشركة وحسابات وسائل الإعلام الإيرانية ومقابلات مع ستة شركاء رواية حسيني عن خلفيته المهنية.

وقال حسيني إن نجاح الشركة جعل عائلته ثرية مما سمح له بشراء منزل كبير وقيادة السيارات المستوردة وقضاء إجازات خارج البلاد، لكن تراجعت أعماله في السنوات التي أعقبت انتخاب الرئيس محمود أحمدي نجاد، الذي تولى الحكم من عام 2005 إلى 2013.

وفي عهد أحمدي نجاد، وهو رئيس من المحافظين المتشددين، سمح لقوات الأمن الإيرانية بدخول قطاع الصناعة مما زاد من سيطرة الجيش على المشروعات التجارية المربحة. وقال حسيني إن كل تعاقداته الجديدة كان لا بد أن تمر عبر بعض من شركات المؤسسات الأمنية، مما أجبره على تسريح عاملين مع انخفاض الأرباح.

وأضاف حسيني بينما كان يتحدث بعد مرور عشر سنوات على الأحداث "لم يعرفوا كيفية إنجاز الأعمال لكنهم أخذوا نصيب الأسد من الأرباح... كان الوضع وكأنك رئيس الشركة وتقوم بكل شيء من الألف إلى الياء، وترى راتبك يتقاضاه معظم الموظفين المبتدئين. شعرت وكأنني تعرضت للاغتصاب".

في الوقت نفسه كانت لهجة الخطاب الأميركي تتصاعد ضد أحمدي نجاد. واعتبرت واشنطن الرئيس الإيراني محرضاً خطيراً على تطوير أسلحة نووية. فبدأ حسيني يشعر بأن نظاماً فاسداً دمر حياته وأن الحكومة غريبة الأطوار ومتقلبة بدرجة يتعذر معها السماح لها بامتلاك أسلحة نووية، واستشاط غضباً.

بداية العلاقة

وفي يوم ما من عام 2007 قال إنه فتح الموقع الإلكتروني لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ونقر على رابط الاتصال بالوكالة وكتب باللغة الفارسية، "أنا مهندس عمل في موقع نطنز النووي ولدي معلومات".

ونطنز هي من منشآت تخصيب اليورانيوم الرئيسة، وتقع على بعد أكثر من 350 كيلومتراً إلى الجنوب من طهران، وترى واشنطن أنها في أساس مساعي إيران لامتلاك أسلحة نووية. ويشير الأرشيف الإلكتروني لشركة حسيني الهندسية من عام 2007 إلى أنها عملت في مشاريع الطاقة الكهربائية المدنية، لكن "رويترز" لم تتأكد بشكل مستقل من عمل حسيني في نطنز.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقال المهندس الإيراني إنه اندهش عندما تلقى بعد شهر بريداً إلكترونياً من "سي آي أي". وبعد ثلاثة أشهر من هذا الاتصال توجه إلى دبي. وفي سوق التسوق الأنيق في جميرا بحث عن امرأة شقراء تحمل كتاباً أسود. وكان واقفاً خارج المطعم الذي اتفقا على اللقاء عنده حين وصلت برفقة رجل.

وأرشدهم مدير المطعم على طاولة منعزلة في الزاوية. اكتفت المرأة بتعريف نفسها باسم كريس وكانت تتحدث بالإنجليزية ويتولى زميلها الترجمة إلى الفارسية. وبينما كانت ترتشف كأساً من الشمبانيا، أخبرته بأنهما كانا الشخصين اللذين كان يتبادل معهما الرسائل خلال الأشهر القليلة الماضية في منصة "غوغل" للدردشة.

سألت حسيني عن عمله، فأوضح أن شركته عملت قبل سنوات على عقود لتحسين تدفق الكهرباء في موقع نطنز، وهو عمل معقد للحفاظ على دوران أجهزة الطرد المركزي بالسرعة المطلوبة لتخصيب اليورانيوم. وأخبر كريس بأن شركته كانت متعاقدة من الباطن مع شركة "كالاي إلكتريك"، وهي شركة فرضت عليها الحكومة الأميركية عقوبات في عام 2007 بسبب دورها المزعوم في برنامج التطوير النووي الإيراني. وأضاف أنه يسعى للحصول على عقود إضافية في مواقع نووية وعسكرية حساسة أخرى. ولم ترد شركة "كالاي إلكتريك" على طلبات للتعليق.

وفي اليوم التالي التقى الثلاثة مرة أخرى لكن هذه المرة في غرفة حسيني بفندق مطل على الخليج. ونشر حسيني خريطة تشبه المتاهة على المكتب تظهر الكهرباء المتصلة بمنشأة نطنز النووية. وتذكر كيف فغرت كريس فاهها دهشة حينها.

وأوضح أن تحديد مقدار الطاقة المتدفقة إلى المنشأة على الخريطة قدم لواشنطن الأساس الذي يمكن بناءً عليه تقدير عدد أجهزة الطرد المركزي التي تعمل حالياً. وعبر عن اعتقاده بأنه يمكن استخدام هذا الدليل لتقييم مدى التقدم المحرز في معالجة اليورانيوم العالي التخصيب اللازم لصنع سلاح نووي.

وقال حسيني إنه لم يكن يعلم بهذا الأمر في ذلك الوقت، لكن نطنز كانت بالفعل هدفاً للسلطات الأميركية. وخلص محللون أمنيون إلى أن واشنطن وإسرائيل أطلقتا في العام نفسه سلاحاً إلكترونياً من شأنه أن يخرب أجهزة الطرد المركزي هذه ويصيبها بفيروس يمكنه تعطيل تخصيب اليورانيوم في المنشأة لسنوات مقبلة. ولم تتمكن "رويترز" من تحديد إذا ما كانت المعلومات التي قدمها حسيني قد ساعدت في ذلك التخريب الإلكتروني أو عمليات أخرى.

وقال حسيني في الاجتماعات اللاحقة إن وكالة "سي آي أي" طلبت منه التركيز على هدف أميركي أوسع نطاقاً، وهو تحديد نقاط الضعف المحتملة في شبكة الكهرباء الوطنية الإيرانية التي يمكن أن تؤدي إلى انقطاع التيار الكهربائي لفترات طويلة وإصابة البلاد بالشلل إذا تعرضت لهجوم صاروخي أو تخريبي.

وروى الرجل أنه واصل لقاءاته مع عملاء الوكالة الأميركية في تايلاند وماليزيا، والتي بلغت سبعة اجتماعات في المجمل على مدى ثلاث سنوات. وللتدليل على أنه كان يسافر، قدم حسيني صوراً من جواز سفره عليه ختم الدخول في جميع الرحلات باستثناء أول رحلتين، قال إنه استخدم فيهما جواز سفر أقدم لا يستخدمه الآن.

 

عضو في الفريق

ومع تطور العلاقة قال حسيني إن كريس حل محلها رجل كان يرافقه مسؤولون وصفوا بأنهم أكثر خبرة بعمليات إيران في "سي آي أي"، إضافة إلى خبراء فنيين قادرين على فهم مصطلحاته الهندسية.

وحفز الدور الجديد حسيني ليضفي على عمله إحساساً بالأهمية والعجلة. وسارع إلى تأمين عمل من شأنه أن يمكنه من الحصول على قدر أكبر من معلومات الاستخبارات التي سعت إليها "سي آي أي". وقال إن شركته تعاقدت مع إحدى وحدات منظمة "ستاد"، وهي تكتل أعمال كبير يسيطر عليه المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، لتقييم الحاجات الكهربائية لمشروع عملاق للتسوق والمباني التجارية في شمال طهران.

وقال حسيني إنه دفع شركة الكهرباء الحكومية "تافانير"، التي تمثل المنظمة التجارية للمرشد الأعلى، إلى توفير الكهرباء اللازمة للتنمية في مختلف أنحاء البلاد. وعندما قالت "تافانير" إنه ليس لديها ما يكفي من الكهرباء لتلبية الحاجات الضخمة للمشروع، طلب حسيني من الشركة تقديم تحليلات مفصلة تخص الشبكة الوطنية. وسمح له ذلك بالوصول إلى الخرائط التي توضح كيفية تدفق الكهرباء إلى المواقع النووية والعسكرية وكيف يمكن تخريب نقاط الضعف في الشبكة. ولم ترد "ستاد" و"تافانير" على طلبات للتعليق.

وفي أغسطس (آب) 2008، أي بعد عام من تحوله إلى جاسوس، قال حسيني إنه التقى ضابطاً كبيراً في "سي آي أي" وآخرين في فندق بدبي. ونقل عن الضابط قوله "نحن بحاجة إلى توسيع نطاق الالتزام". وقال مسؤولان سابقان في "سي آي أي" إن الضابط سلم حسيني ورقة وطلب منه كتابة تعهد أنه لن يقدم المعلومات التي يكشف عنها لحكومة أخرى، وهي ممارسة لوكالة الاستخبارات المركزية تهدف إلى تعميق شعور العميل بالالتزام.

ثم عرف ضابط آخر في الوكالة، في الاجتماع، حسيني بنظام اتصالات سري يمكنه استخدامه للوصول إلى المسؤولين عن التعامل معه، وهو موقع إخباري بدائي لكرة القدم باللغة الفارسية يسمى "إيرانيان غولز دوت كوم". وبإدخال كلمة مرور في شريط البحث تظهر نافذة تراسل سري، مما يتيح لحسيني إرسال معلومات وتلقي تعليمات من "سي آي أي".

وعندما عبر حسيني عن أسفه لأنه لم يحضر عيد ميلاد ابنته الثالث خلال إحدى الرحلات، قال إن ضابطاً من الوكالة اشترى له دمية على شكل دب ليقدمها لابنته. وقال حسيني "شعرت بأنني انضممت إلى الفريق".

انهيار النظام السري

ما لم يدركه حسيني هو أن أقوى جهاز استخبارات في العالم عرفه بوسيلة أدت على الأرجح إلى القبض عليه. وأفاد موقع "ياهو نيوز" في عام 2018 بأن نظام اتصالات سرياً معيباً على شبكة الإنترنت أدى إلى اعتقال وإعدام العشرات من عملاء "سي آي أي" في إيران والصين.

ووجدت "رويترز" الموقع السري الذي قال حسيني إنه كان يتواصل من خلاله مع وكالة الاستخبارات الأميركية، في أرشيف على الإنترنت حيث لا يزال متاحاً للجمهور، ثم طلبت "رويترز" من اثنين من المحللين الإلكترونيين المستقلين، وهما بيل ماركزاك الباحث في "سيتيزن لاب" بجامعة تورونتو، ووزاك إدواردز من "فيكتوري ميديام"، التحقيق في كيفية استغلال إيران نقاط الضعف في التكنولوجيا الخاصة بوكالة الاستخبارات المركزية للكشف عن حسيني وعملاء آخرين لـ"سي آي أي". والاثنان خبراء في مجال الخصوصية والأمن الإلكتروني ولديهما خبرة في تحليل عمليات التجسس الإلكترونية، ويمثل جهدهما هذا أول تحليل فني مستقل لفشل الاستخبارات.

واكتشف ماركزاك وإدواردز بسرعة أن نافذة الرسائل السرية المخبأة داخل موقع "إيرانيان غولز دوت كوم"، يمكن رؤيتها بمجرد النقر بزر الفأرة الأيمن على الصفحة لإحضار الشفرة الإلكترونية. واحتوت هذه الشفرة على تحديد مهام الوظائف السرية، من بينها كلمتا "رسالة" و"إنشاء"، ليعثرا بسهولة على أدلة على أن القدرة على التراسل قد أتيحت في الموقع. والشفرة المستخدمة لشريط البحث التي تؤدي إلى تشغيل برنامج التراسل السري تحمل اسم "كلمة المرور".

وخلص محللون مستقلون إلى أن موقع "إيرانيان غولز دوت كوم" بعيداً من كونه موقعاً مخصصاً ومتطوراً للتجسس كان واحداً من مئات المواقع الكثيرة التي أنشأتها "سي آي أي" كي تستخدمها مصادرها. وخصصت هذه المواقع البدائية لموضوعات مثل الجمال واللياقة البدنية والترفيه، ومن بينها صفحة للمعجبين بفيلم "ستار وورز" أو "حرب النجوم" وأخرى لمقدم البرنامج الحواري الأميركي الراحل جوني كارسون.

وقال مسؤولان سابقان من وكالة الاستخبارات المركزية إن كل موقع مزيف خصص لجاسوس واحد فقط للحد من فرص اكتشاف الشبكة بالكامل في حالة القبض على أي عميل.

لكن المحللين المستقلين قالوا إن "سي آي أي" جعلت تحديد تلك المواقع أمراً سهلاً، إذ عثر ماركزاك على أكثر من 350 موقعاً إلكترونياً تحتوي على نظام التراسل السري نفسه، وكلها كانت لا تعمل منذ تسع سنوات في الأقل ودخلت الأرشيف. وأكد إدواردز نتائجه ومنهجيته. وتكشف السجلات على الإنترنت، التي قاما بتحليلها، عن أن مساحة الاستضافة لهذه المواقع التي كانت واجهة لعمليات سرية اشتراها وبحيز كبير العشرات، وفي الغالب من مزودي خدمة الإنترنت أنفسهم على مساحة الخادم نفسه. وكانت النتيجة أن المعرفات الرقمية أو عناوين بروتوكول الإنترنت "آي بي" بالنسبة إلى عديد من هذه المواقع كانت متسلسلة مثل أرقام المنازل في الشارع نفسه.

وقال ماركزاك "لقد فشلت وكالة الاستخبارات المركزية حقاً في هذا الأمر". وتابع أن نظام التراسل السري "مكشوف للغاية".

وإضافة إلى ذلك، حملت بعض المواقع أسماء متشابهة بشكل لافت للنظر. فعلى سبيل المثال، بينما كان حسيني يتواصل مع "سي آي أي" من خلال موقع "إيرانيان غولز دوت كوم"، أنشئ موقع باسم "إيرانيان غولز كيكس دوت كوم" لعميل آخر. ووجد المحللون أن ما لا يقل عن 20 موقعاً من بين 350 أنشأتها الوكالة كانت عبارة عن منصات تراسل للعملاء الإيرانيين.

وتعني هذه العوامل في النهاية أن اكتشاف جاسوس واحد يستخدم أحد هذه المواقع كان سيسمح للاستخبارات الإيرانية باكتشاف صفحات أخرى يستخدمها عملاء آخرون لوكالة الاستخبارات المركزية. وبمجرد تحديد هذه المواقع، كان القبض على العملاء الذين يستخدمونها أمراً بسيطاً، إذ كان على الإيرانيين الانتظار فقط لمعرفة من الذي ظهر.

الجواسيس طبقات

واستخدمت "سي آي أي" الوسيلة نفسها مع عملائها في جميع أنحاء العالم. وقال المحللون إن أي منافس يقظ في مجال التجسس كان بإمكانه اكتشافهم جميعاً. ووجد المحللان أن المواقع المكتوبة بلغات مختلفة تبدو وكأنها قناة اتصال بين "سي آي أي" وعملاء في 20 دولة في الأقل، من بينها الصين والبرازيل وروسيا وتايلاند وغانا.

ورفضت المتحدثة باسم "سي آي أي" التعليق على هذا النظام. وتأكدت "رويترز" من ثلاثة من مسؤولي الأمن القومي السابقين من طبيعة فشل المواقع المتشابهة التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية في العمليات الاستخباراتية.

وقال مسؤولون أميركيون سابقون إن الوكالة لم تدرك حتى عام 2013 أن هذا النظام قد تعرض للاختراق إلا بعد أن بدأ اختفاء عديد من عملائها.

ومع ذلك لم تعتبر "سي آي أي" أبداً أن الشبكة آمنة بما يكفي لمصادرها المهمة. وقال ثلاثة ضباط سابقين من الوكالة إن العملاء من الدرجة الأولى يحصلون على وسائل اتصالات سرية مفصلة خصيصاً لهم، وصممت من البداية في مقر الوكالة في لانجلي بولاية فرجينيا لتصبح بسلاسة جزءاً من حياة الجاسوس من دون لفت الانتباه.

وقالوا إن المواقع التي أنشئت بأعداد كبيرة كانت مخصصة لمصادر لم تخضع لفحص وتحر كاملين أو كانت لا تستطيع الحصول إلا على أسرار محدودة للدولة.

وقال أحد المسؤولين السابقين من الوكالة "هذا (النوع من المواقع) لشخص ينظر إليه على أنه لا يستحق الاستثمار في تعليمه كيف يتجنب اكتشافه".

ويعترف بعض ضباط الاستخبارات السابقين سراً بأن الوكالة تحمي جواسيسها على نطاق متدرج بناءً على القيمة المتصورة للجاسوس، وهو تقييم دائم التغير لا يوضح بشكل كامل تقريباً للمصدر (العميل).

ويأتي على قمة الهرم من تسميهم الوكالة المركزية "الأصول المجندة بالكامل والخاضعة لتدقيق شديد". ومن هؤلاء المسؤولون الحكوميون الكبار أو العلماء النوويون الذين لديهم وصول مباشر ومستمر إلى أسرار مهمة. ويقضي ضباط "سي آي أي" أحياناً سنوات في محاولة تجنيد هذه الفئة.

وإذا نجح الضابط في التجنيد، وحصل على تصديق من المركز الرئيس، يوضع العميل الجديد في سجلات "سي آي أي" ويحصل على راتب منتظم منها. ويحصل هؤلاء الجواسيس في بعض الأحيان على أنواع من التدريب والأدوات والأجهزة المبتكرة التي يحصل عليها أساطير هوليوود. ولو ألقي القبض على مصدر مهم سبق أن خضع لتحر دقيق، فإن صدى الخسارة يتردد على المستويات العليا لوكالة الاستخبارات المركزية. ويقول ضباط سابقون إن "سي آي أي" تتواصل في بعض الأحيان مع طفل أو زوجة عميل بعد سنوات من إعدامه لتقديم تعويض بملايين الدولارات ووسام تقديراً لتضحياته.

لكن كثيراً من معلومات الاستخبارات التي تجمعها "سي آي أي" تأتي من جواسيس من مستوى منخفض لا يصبحون أبداً "أعضاء كاملي العضوية في قائمة الجواسيس"، بحسب ما قال بول بيلار، وهو مسؤول مخضرم قضى في مجتمع الاستخبارات الأميركية 28 عاماً، وبشكل أساسي في وكالة الاستخبارات المركزية، حيث عمل محللاً كبيراً في الشرق الأوسط.

ومثل هؤلاء العملاء، وهم في بعض الأحيان مسؤولون سابقون ساخطون أو عشاق مرفوضون، ربما يكونون مجرد جزء صغير في سر أكبر تسعى الوكالة إلى كشفه. وقال بيلار "تأخذ ما يتسنى لك الحصول عليه".

وقال ضباط سابقون في "سي آي أي" إن هذه المصادر غالباً ما تتلقى حماية أقل من المصادر العالية المستوى، كما لا تتلقى رواتب منتظمة، وعادة لا يوجد التزام من الوكالة بمساعدتها لو ألقي القبض عليها.

قصة محمد آقائي

وكشفت مقابلات مع ستة من الجواسيس السابقين داخل إيران عن أن "سي آي أي" عرضت الجواسيس ذوي المكانة المنخفضة لخطر بالغ. وعلم الجواسيس أنهم يعرضون حياتهم للخطر عندما يقدمون معلومات للولايات المتحدة، وقالوا إن الوكالة لم تقدم أي تعهدات في شأن أمنهم. ومع ذلك ذكر الرجال مراراً في مقابلات مع "رويترز" أنهم اعتقدوا أن وكالة الاستخبارات المركزية ستبذل قصارى جهدها لحمايتهم.

وقال أحد هؤلاء الرجال، ويدعى محمد آقائي، إنه فكر في الذهاب إلى "سي آي أي" على مدى سنوات قبل أن يقدم على ذلك.

وآقائي عضو قديم في الباسيج، وهي منظمة دينية شبه عسكرية تعمل بشكل أساسي على قمع التظاهرات المناهضة للنظام. وقال إنه استاء من كيفية استخدام خامنئي للدين من أجل الحفاظ على السلطة، وأراد دعم المعارضين الإيرانيين الذين رآهم يتعرضون لهجمات في الشوارع، وظن أن الولايات المتحدة قد تساعد في هذا المسعى.

وبعد سنوات توصل آقائي إلى خطة لمطالبة "سي آي أي" بتقديم دعم مالي لمعارض إيراني معروف، هو ابن رجل دين بارز كان يعرفه. وفي عام 2011 سافر إلى إسطنبول واستقل سيارة أجرة إلى القنصلية الأميركية، وأبلغ حارس الأمن أنه يريد التحدث إلى وكالة الاستخبارات المركزية.

ويتطابق وصف آقائي للتدقيق الأولي الذي خضع له في القنصلية بشكل وثيق مع ما قاله مسؤولون أميركيون سابقون إنه إجراء قياسي للتعامل مع من يقوم بمثل هذه الخطوة، التي أقدم عليها آقائي للتواصل مع "سي آي أي".

وقال إنه خضع في البداية لتفتيش جرده خلاله حراس بالزي الرسمي من ملابسه، ثم نقلوه إلى غرفة أخرى. وهناك استجوبه مسؤول أمني دبلوماسي عن خلفيته ودوافعه لساعات عدة غادر خلالها الغرفة كثيراً ليعود بمزيد من الأسئلة.

وأوضح الرجل أنه التقى في النهاية ضابطة وكالة الاستخبارات المركزية في ذلك اليوم، لكنها لم تكن مهتمة بدعمه كمنشق. وبدلاً من ذلك كانت مهتمة أكثر بعلاقات عائلة آقائي بقوات الأمن الإيرانية. وكان آقائي قد كشف عن أن له أقارب يعملون في وزارة الاستخبارات وكذلك في الحرس الثوري. وعرضت ضابطة الوكالة أن تعوضه عن رحلته ثم اقترحت عليه مهمة صغيرة لإثبات نفسه.

وقال آقائي إنها طلبت منه استخدام صلاته العائلية لجمع معلومات عن فيلق القدس، ذراع الحرس الثوري الخارجية، بما يشمل أسماء كبار القادة وأرقام هواتفهم وعناوينهم. وقال إنه لم يتلق أي تدريب على كيفية تجنب كشفه، ولم يمنح وسيلة سرية للاتصال بضابطة "سي آي أي".

وطلب منه ببساطة أن يحضر مرة أخرى في قنصلية إسطنبول بمجرد الانتهاء من مهمته، ومنح ألفا دولار لتغطية تكاليف رحلته. وقال آقائي إنه عاد إلى تركيا بعد بضعة أشهر لتقديم المعلومات التي جمعها. وأعادته ضابطة "سي آي أي" نفسها لمهمة أخرى، لكن سرعان ما ألقي القبض عليه بعد عودته إلى إيران في ديسمبر (كانون الأول) 2011.

وقال آقائي إن محققاً في وزارة الاستخبارات قال له بعد الاعتقال "نعلم أنك عقدت اجتماعات في القنصلية". وكان يعلم أنه يخاطر لكن ليس لأقصى حد.

وقال مسؤول أميركي سابق مطلع على الوضع إن "سي آي أي" كانت تعلم قبل ذلك بعام من خلال اعتراض المكالمات الهاتفية، أن عملاء إيرانيين كانوا يراقبون القنصلية ويبحثون عن خونة مثل آقائي.

لماذا إذاً طلبت الوكالة إعادة آقائي إلى القنصلية ما دامت تعلم أنها تخضع للمراقبة؟

قال ضابط مخضرم في الوكالة المركزية إن مثل هذا السيناريو ولد من حقيقة أن معظم الجواسيس المتطوعين يفشلون في النهاية في جلب معلومات استخباراتية قيمة، ويكونون غالباً عملاء مزدوجين. وأوضح أنه قبل الاجتماع مع مصدر خارج المحطة قد يقضي ضابط "سي آي أي" ساعات في التجول في المدينة للتهرب من أي متابعين له. وأضاف أنه في بعض الأحيان يعتبر ذلك إزعاجاً كبيراً ومخاطرة بالنسبة إلى متطوع جديد.

وتفيد السجلات القضائية وسجناء وتقارير إعلامية إيرانية بأن آقائي أمضى ما يقرب من ست سنوات في سجن إيفين بطهران بتهمة التجسس.

ورفضت "سي آي أي" التعليق على إذا ما كانت تعلم أن إيرانيين مزعومين يراقبون القنصلية الأميركية، كما أنها لم تقل إذا ما كانت قابلت آقائي. ولم يتسن لـ"رويترز" التحقق بشكل مستقل من رواية آقائي في شأن اللقاءات، الذي تحدث من مراكز اللاجئين التي فر إليها بعد الإفراج عنه، في تركيا أولاً ثم في سويسرا.

 

حيلة التأشيرة

ليس كل الجواسيس متطوعين. قال خمسة من مسؤولي الأمن القومي الأميركيين السابقين إن "سي آي أي" تضغط، بل وتخدع، في بعض الأحيان الإيرانيين الذين يأملون في الحصول على تأشيرات للولايات المتحدة لتقديم معلومات استخباراتية عندما يتقدمون بطلب للتأشيرة في قنصليات بالإمارات أو تركيا.

وبعد أن يتقدم إيراني بطلب يطلب من المسؤولين الدبلوماسيين فحص إذا ما كان تاريخه الوظيفي أو علاقاته الأسرية يمكن أن تجعله من ذوي القيمة. وبعد بضعة أيام قد يتلقى مقدم الطلب مكالمة هاتفية تطلب منه العودة إلى القنصلية للإجابة عن أسئلة أكثر تفصيلاً.

ونظراً إلى أن ضباط "سي آي أي"، الذين يتظاهرون بأنهم مسؤولون قنصليون، يجرون اجتماعات تشبه التحقيقات مع مقدم الطلب، فإنهم يرون أن ثمة احتمالاً للموافقة على طلب التأشيرة، بحسب مسؤولي الأمن القومي الذين شاركوا جميعاً بشكل مباشر في مثل هذه الممارسات.

وبحلول الوقت الذي يدرك فيه الإيراني أنه قدم معلومات إلى ضابط استخبارات، غالباً ما يكون المخبر الذي أدلى بمعلومات عن غير قصد كشف عن تسريبات قد تودي به إلى السجن.

وكان ذلك حال أحد الإيرانيين الذين تحدثوا إلى "رويترز". وهو مسؤول إيراني متقاعد كان قد افتتح في الآونة الأخيرة وكالة سفر في أبوظبي، التي سافر إليها مع زوجته عام 2011 من أجل زيارة السفارة الأميركية هناك. وكان قد فاز بقرعة برنامج الهجرة العشوائية للولايات المتحدة، المعروف باسم البطاقة الخضراء، وتصور أن ضربة الحظ الكبيرة هذه ستسمح له بتوسيع أعماله السياحية.

وتحمس رائد الأعمال في البداية لدعوته لسلسلة مقابلات على مدى رحلات عدة إلى أبوظبي. وقال إنه التقى داخل السفارة وخارجها مسؤولاً قنصلياً أميركياً ذكر أن اسمه ستيف. وإلى جانب عرض المساعدة في استكمال عملية فحص الهجرة، قال المسؤول الأميركي إنه يمكن أن يساعد في تمهيد الطريق لزبائن الرجل الإيرانيين للحصول على تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة.

لكن مع مرور الوقت قال المسؤول الإيراني إن محادثاتهما تحولت من مستقبل وكيل السفر في الولايات المتحدة إلى طلبات ستيف للحصول على معلومات حساسة عن قطاعي الطيران والدفاع في إيران.

وإدراكاً منه للخطر المحتمل الذي يواجهه إذا اكتشفت السلطات الإيرانية ذلك، قال إنه قطع اتصاله بستيف، وهو اسم مستعار على الأرجح، وتخلى عن حلمه في الإقامة بالولايات المتحدة، لكن مسؤولي الاستخبارات الإيرانيين اعتقلوه في إيران عام 2015 بعد أن علموا بطريقة أو أخرى بهذا الاتصال. وسأله المحققون الإيرانيون إن كان سيعمل في طهران كعميل مزدوج لمعرفة مزيد عن كيفية تجنيد "سي آي أي" الجواسيس.

ورفض الرجل العرض وحكم عليه بالسجن 10 سنوات، قضى منها سبعاً قبل الإفراج المبكر عنه. وقالت زوجته "نشعر كما لو أن الجانبين تلاعبا بنا".

ولم يسترد الرجل أعمال السفر الخاصة به أبداً، وواجه صعوبة في العثور على عمل في إيران منذ إطلاق سراحه في عام 2021. وقال الرجل إن تطبيقات خدمات تأجير السيارات رفضت طلباته ليصبح سائقاً، على الأرجح بسبب إدانته.

ولم يتسن لـ"رويترز" التحقق بشكل مستقل من تواصل الرجل الإيراني مع "سي آي أي"، علماً بأنه قدم سجلات سفر ومراسلات مع السفارة لدعم قصته. واتصلت "رويترز" بشكل مستقل بسجين سابق آخر قال إنه التقى وكيل السفر أثناء وجودهما في السجن نفسه. وأضاف أن رجل الأعمال في ذلك الوقت قدم له رواية مماثلة لمحاولة تجنيد وكالة الاستخبارات المركزية له.

وامتنعت "سي آي أي" أيضاً عن التعليق على قضية وكيل السفر. ومع ذلك أكد خمسة من مسؤولي الأمن القومي الأميركيين السابقين تفاصيل عن كيفية استخدام حيلة التأشيرة لجمع معلومات استخباراتية عن إيران.

تبدل الأولويات

عندما التقى المهندس حسيني ضابطاً من "سي آي أي" عام 2009 كان مستعداً لأهم اجتماع له حتى ذلك الوقت، فقد أمضى شهوراً في جمع بيانات سرية عن نقاط الضعف في شبكة الكهرباء الوطنية الإيرانية. وأوضح أنه ركب دراجته النارية عبر الصحراء لجمع صور وإحداثيات بنظام تحديد المواقع العالمي "جي بي أس" للأعمدة والمحطات الكهربائية الرئيسة التي يعتقد أنه يمكن أن تستهدفها الصواريخ أو المخربون للتسبب في انقطاع التيار الكهربائي على نطاق واسع.

لكن عندما وصل إلى ماليزيا قابله عميل وحيد لوكالة الاستخبارات المركزية. وقال له الضابط "الأمور تغيرت". وروى حسيني أن الضابط أبلغه بأن "سي آي أي" لم تعد مهتمة بالمعلومات التي جمعها عن نقاط الضعف في الشبكة الكهربائية.

وكان حسيني مندهشاً، فقد تحمل مثل هذه الأخطار لتسليمها لهم. وقال "لكنهم الآن ليسوا مهتمين". وأضاف أنه للمضي قدماً أراد الضابط منه أن يتعمق أكثر في الخطط الخاصة بمنشأة فوردو النووية، حيث قال حسيني إن شركته فازت في الآونة الأخيرة بعقد هناك.

وكانت هذه المحطة، الواقعة داخل جبل قرب مدينة قم، مخفية عن المفتشين النوويين التابعين للأمم المتحدة إلى أن أكدت إيران وجودها عام 2009. وفي ذلك الوقت استخدمت إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما الكشف عن وجود الموقع لمحاولة كسب النفوذ، إذ بدأت محادثات دبلوماسية تهدف إلى الحد من طموحات إيران النووية.

وقال حسيني إن الوكالة الأميركية طلبت مزيداً من المعلومات الدقيقة عن فوردو، التي رأى أن واشنطن تريدها لمساعدتها في المفاوضات. وفسر حسيني تركيز المتعاملين معه على أنه يعكس رغبة إدارة أوباما الجديدة في التحرك نحو حل دبلوماسي مع إيران.

ويقول ضباط سابقون في وكالة الاستخبارات المركزية إن التحولات في أولويات الاستخبارات أمر شائع عندما يتولى رئيس جديد السلطة. ومع ذلك قالوا إن إعادة توجيه المخبرين تتم دائماً تقريباً لأسباب تكتيكية وعادية لا تشرح بالكامل للجاسوس.

وقال حسيني إنه استمر في تقديم معلومات إلى "سي آي أي" لعام آخر. وفي مرحلة ما أثار المتعامل معه في الوكالة لديه فكرة لقاء عائلته، وهو عرض كان يأمل حسيني في أن يبشر بإمكان إعادة التوطين في نهاية المطاف في الولايات المتحدة.

ومع ذلك فإن إعادة التوطين هي مكافأة نادرة، فقد قال ثلاثة ضباط استخبارات سابقين إن واشنطن تخصص لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية نحو 100 تأشيرة فقط في العام لتقديمها حافزاً لجواسيسها في جميع أنحاء العالم.

وقال بيلار، محلل الاستخبارات السابق في الوكالة، "هذا ينطوي على موارد هائلة وتخطيط عملياتي وسيخصص لنجم نجوم المصادر".

وأمضى حسيني ما يقرب من 10 سنوات في سجن إيفين في طهران، وهو سجن معروف بإيواء السجناء السياسيين والجواسيس المتهمين. ويواجه كثيرون منهم التعذيب والإعدام، بحسب معتقلين سابقين وجماعات حقوقية.

وقال حسيني إن قضاء ما يقرب من عقد من الزمان هناك كان له أثره. وأوضح أن سنوات الحبس والتعذيب المطول، والضرب والصدمات الكهربائية والعزل في غرف مضاءة على مدى الساعة، أضرت بقدرته على التواصل حتى مع أسرته. وأضاف "عندما يسألونني سؤالاً أشعر وكأنني عدت إلى غرفة الاستجواب".

ولم ترد الحكومة الإيرانية على طلبات للتعليق على معاملة المعتقلين.

 

انتظار المساعدة

وبعد مرور ثلاث سنوات حتى الآن على خروجه من السجن فقد حسيني البالغ من العمر الآن 47 سنة، أسلوب حياته الثري وعديداً من أصدقائه الذين يخشى أنهم تعاونوا مع قوات الأمن الإيرانية في محاكمته.

ومن بين الجواسيس الستة السابقين الذين أجرت "رويترز" مقابلات معهم لا يزال أربعة في إيران بعد إطلاق سراحهم من السجن، ويعيش اثنان آخران لاجئين، أحدهما في تركيا والآخر في سويسرا. ويقول الجميع إنهم لم يتمكنوا من الحصول على مساعدة من الولايات المتحدة وهم يكافحون لإعادة بناء حياتهم. ولم يتمكن معظمهم من إيجاد وسيلة لطلب المساعدة.

وقال حسيني إن "سي آي أي" زودته بوسيلتين للحصول على المساعدة إذا واجه مشكلة. وكانت إحداهما الاتصال برقم سري في الولايات المتحدة من مكان ما خارج إيران، وإعطاء رمز مرور إلى عامل الهاتف. والثاني هو الاتصال بضابط أمن إقليمي في قنصلية في أي مكان في العالم وطلب المساعدة. وتأكدت "رويترز" من أن هاتين وسيلتين تقدمهما وكالة الاستخبارات المركزية للجواسيس لالتماس المساعدة.

وبحلول الوقت الذي غادر فيه حسيني السجن عام 2019 لم يعد يتذكر الرقم السري. ويخشى تداعيات ذلك إذا اكتشفت الاستخبارات الإيرانية أنه دخل إلى قنصلية أميركية لمعاودة التواصل بعد إدانته بالتجسس.

وقال الجواسيس الستة معهم إنهم كانوا يأملون، بالنظر إلى تضحياتهم، أن تجد الحكومة الأميركية وسيلة للاتصال بهم وتقديم المساعدة في بناء حياة جديدة في الولايات المتحدة أو بلد آخر. وما زالوا ينتظرون ذلك بعد سنوات من إطلاق سراحهم.

لكن مسؤولين سابقين في الاستخبارات الأميركية يقولون إن "سي آي أي" ترى غالباً أن هناك خطراً هائلاً ولا إيجابيات تذكر في معاودة الاتصال بجاسوس اعتقل في إيران. ويوضح المسؤولون أن هؤلاء المعتقلين محظوظون بما فيه الكفاية لنجاتهم من الإعدام، ويمكن أن يخرجوا من السجن كعملاء مزدوجين. أما من لا يعملون كذلك فإن السلطات الإيرانية تراقبهم من كثب على الأرجح بحثاً عن أي أخطاء محتملة.

وقال ضابط استخبارات كبير سابق شارك في تحرك "سي آي أي" للبحث على حل وسط لجواسيسها في إيران، "علينا أن نسأل، ما هي أفضل وسيلة لإبقاء هذا الرجل على قيد الحياة، أحياناً تكون أفضل إجابة هي تركهم وشأنهم. في نهاية المطاف، علينا أن نأمل في أن يكونوا هم وعائلاتهم سعداء لكونهم على قيد الحياة".

وينتاب حسيني شعور مختلف. فهو الآن يعيل أسرته بأقل من 250 دولاراً في الشهر، أي عشر ما كان يحصل عليه في ما مضى، يجمعها من العمل بدوام جزئي في دعم تكنولوجيا المعلومات. وقال حسيني إن بعض الشركات الهندسية وظفته لكنها طردته بعد أيام، بمجرد الانتهاء من معرفة تاريخه.

وبعد أن كان معتداً برأيه للغاية، أصبح الآن حريصاً على قصر آرائه على محيط الأصدقاء خوفاً من الإبلاغ عنه. ويستيقظ في أوقات كثيرة في الصباح والقلق يتملكه من احتمال اعتقاله مجدداً. ويقول "ليس بوسعي تصور أي مستقبل".