Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هاينريش هاينه أو الشاعر في خدمة النضال السياسي والسلم

الألماني الذي عشق باريس وألهم ماركس ورفض المجاهرة بيهوديته

الشاعر الألماني هنريش هاينه في القرن التاسع عشر (صفحة الشعراء الألمان - فيسبوك)

هاينريش هاينه (1797-1856) أديب وشاعر وصحافي ومثقف أوروبي يناصر الحداثة ويأنس إلى الغنائية المنعتقة من أسر الأحكام ويرتاح إلى السخرية الناقدة التي تلهب الجدل الفكري المغني. استثمرت أشعاره الغنائية في نشائد فرانتس شوبرت (1797-1828) وروبرت شومان (1810-1856). ولد في أسرة يهودية بمدينة دسلدورف التي كانت خاضعة للإدارة الفرنسية بعد الحرب العالمية الثانية، ولكنه اعتنق المسيحية البروتستانتية عام 1825. انشطرت حياته إلى شطرين: الحقبة الألمانية الممتدة حتى عام 1831 والحقبة الفرنسية التي دامت 25 سنة حتى مماته.

درس في جامعات بون وغوتينغن وبرلين حيث التقى هيغل وتأثر خصوصاً بنظرته إلى التاريخ. شرع ينظم الشعر على مقاعد الدراسة واتخذ شعره منحى المعاينة التراجيدية المأساوية. سرعان ما أدرك أن مستقبله حالك الأفق في ألمانيا ربما بسبب أصوله اليهودية فسارع إلى التخلي الطوعي عن هويته اليهودية والارتداد إلى المسيحية البروتستانتية وفي ظنه أنه يهيئ لنفسه سبيل الاندماج السليم في المجتمع الأوروبي.

 

لشدة تعلقه بالثقافة الفرنسية أخذ يوقع بعضاً من كتبه باسمه المتفرنس (Henri Heine). كان يطلب من مساعديه أن ينقلوا نصوصه الألمانية إلى الفرنسية، ومن ثم يعود فينقح النص المنقول ويوقعه باسمه الخاص، حتى لقد ظن بعضهم أنه أصلاً كاتب فرنسي، إذ غالباً ما يرد اسمه في المعاجم الأدبية الفرنسية. بيد أنه لم يكتب ألبتة بالفرنسية ما خلا بعض النصوص القليلة في آخر حياته. من المؤسف أن الأوساط الأدبية لم تكب على استجماع مؤلفاته ومخطوطاته في ضمة الأعمال الكاملة التي تخلد اسمه. اطلع على أبرز مصادر الفكر الفلسفي فاستطاع أن يؤالف في أعماله رصانة الإنشاء الفلسفي وطراوة الأسلوب الشعري المبني على الأوزان الإيقاعية والأحاسيس الوجدانية. بذلك تسنى له أن يصالح النثر والشعر مسخراً قدراتهما في خدمة الفكر. لا يأخذ صنعته الأدبية على محمل الجد بل يهزأ ويسخر ويتفكه إذ يرفض أن يخضع لقواعد اللعبة المفروضة.

الاختبار الباريسي

كان يرغب في أن يصبح كاتباً أوروبيا لذلك اضطر إلى الإقامة في باريس والاختلاط ببيئتها الثقافية الكوسموبوليتية المنفتحة على غرار كثير من الأدباء والفنانين والموسيقيين والرسامين الذي كانوا يعاينون في العاصمة الفرنسية رمز الإبداع والانفتاح والجرأة: "في أرض باريس تندمل جميع الجراح اندمالاً أسرع من أي مكان آخر. في هذه الأرض قدر من الكرم والرفق والرقة يوازي ما نشأ عليه الشعب الفرنسي نفسه. إن أبلغ ما سحرني عند هذا الشعب أساليبه المهذبة والراقية". وصل صحافياً إلى باريس وهو يدرك أن التاريخ الحديث يتحقق في الأحداث التي كانت تشهدها المدينة العظيمة هذه.

 

كان يرتاد في باريس الحي اللاتيني وحي القصر الملكي حيث يتلاقى الناس في المقاهي ويتسامرون ويساقطون الأحاديث، ومن ثم يتنزهون على الأرصفة العريضة الواسعة التي تتيح لهم التعرف على الأجواء الباريسية الطافحة بالحياة والنشاط. أما شغفه فكان المسرح والأوبرا والحفلات الموسيقية المسائية. كانت تستهويه أيضاً الصالونات الأدبية الفرنسية لا سيما صالون الروائية الفرنسية جورج ساند (1804-1976). وعلاوة على ذلك اختلط بالبيئة الأدبية الرومانسية فالتقى الروائي الفرنسي بالزاك (1799-1850)، والناقد الأدبي الفرنسي شارل سانت-بوڤ (1804-1869). وتعرف إلى ڤيكتور هوغو (1802-1885) الذي انتهت علاقته به إلى قطيعة مأساوية. والتقى أيضاً الفيلسوف الفرنسي ڤيكتور كوزن (1792-1867) الذي كان، بواسطة توفيقيته الانتقائية يجتهد في مصالحة المثالية الألمانية والواقعية النقدية البريطانية. لا بد أيضاً من ذكر الصداقات التي ربطته بالأدباء الفرنسيين تيوفيل غوتييه (1811-1872)، وألكساندر دوما (1802-1870)، وجرار دورڤال (1808-1855) الذي نقل بضعاً من قصائده الألمانية إلى الفرنسية. الأصدقاء الأوفياء الثلاثة هؤلاء كانوا من أبرز الذين شيعوه يوم وفاته.

تنازع الهويات

عانى تنازع الهوية في عمق وعيه فكان يرفض أن يشار علناً إلى أصله اليهودي وآثر الانتقال إلى البروتستانتية حتى يوطد انتماءه الألماني الساعي إلى اعتناق مبادئ الحداثة الفكرية والسياسية. ومن ثم اختبر التنازع بين الانتماء الألماني المصحح والانتساب الفرنسي المكتسب لذلك اختبر تنازعاً مريراً بين ضربين من الهوية: الهوية اليهودية والهوية الألمانية البروتستانتية. في مقابل هذا التنازع عانى أيضاً اضطراباً حاداً من جراء مصاعب التوفيق بين انتمائه القومي الألماني الأصلي وانتسابه الطوعي إلى المجتمع الفرنسي واندماجه في البيئة الثقافية الفرنسية.

قارن الشعور القومي الفرنسي بالشعور القومي الألماني فتبين له أن الشعب الفرنسي يختبر وطنيته في خفقان فؤاده وجيشان وجدانه لكي يضم في شغفه كل إنسان فرنسي، ويختبرها أيضاً في اتساع بصيرته لتشمل الإرث الإنسي المبثوث في الحضارة الفرنسية، في حين أن الشعب الألماني بخلاف ذلك كله يختبر وطنيته في انقباض فؤاده وتشنج وجدانه، فيكف عن الاضطلاع بهويته الإنسانية الكونية وانتمائه الأوروبي الحضاري منعزلاً في جرمانيته الضيقة "أخطر عدو لألمانيا الشعب الألماني الذي لم ينعتق بعد من الأنظمة الاستبدادية المتخلفة، كما فعل الفرنسيون في الثورة".

 

يظن بعض الباحثين أن هذه المقارنة تنطوي على قدر خطير من التطرف، إذ إن أدبيات الشعراء الألمان، ومنهم على وجه الخصوص هلدرلين (1770-1843)، يمتدحون البعد الإنساني الجليل والمسؤولية الأخلاقية الراقية في وسطية الأمة الجرمانية، ولكن هاينه كان يحرص على نشر الثقافة الألمانية في الأوساط الفرنسية، لا سيما الإسهام الفلسفي الألماني. وكان يروم أن يبين للقراء خصائص الحداثة السياسية المنبعثة من الثورة الفرنسية. ويقينه في هذا كله أن الثقافة تقرب الشعوب بعضها من بعض، لا سيما الشعبين الألماني والفرنسي. أطلق على نشاطه هذا اصطلاح الرسالة أو الدعوة السلامية التي تستصفي أرقى العناصر الإنسية التي تتحلى بها كل أمة على حدة. فالفرنسيون على سبيل المثال يتميزون بروح الدقة العلمية العملانية، في حين أن الألمان ينفردون بحس التناول الفلسفي النظري.

الخصوصية الفرنسية والألمانية

في عام 1832 ألف كتابه "في فرنسا" وأتبعه بعد سنتين بكتابه الآخر "في ألمانيا". كان يحرص على نشر هذين الكتابين لكي يقرب الشعبين الواحد من الآخر. كان يراسل صحيفة ألمانية مقرها في مدينة أوغسبورغ، يبعث إلى إدارتها ببعض المقالات التي تصف أحوال الصالونات الأدبية الفرنسية وأوضاع فن الرسم الفرنسي، مبيناً أثر انقلاب 1830 السياسي في الفن التصويري الفرنسي. ومن ثم، يعمد في مقالات أخرى إلى وصف أوضاع المجتمع الفرنسي الذي يقوم مقام الوسط، إثر الثورة الفرنسية الشهيرة فيجعل صورة الملك تتوسط صورة الحكومة في مشهد ائتلافي يحاول التوفيق بين النظام الملكي والنظام الدستوري، فضلاً عن ذلك، كان يفصح عن شغفه بالمثال الفرنسي الثوري التحرري، ويجاهر بمخاصمته الاستبداد الألماني البروسي المبني على نموذج عتيق من النظام السياسي البالي.

أما كتابه الآخر "في ألمانيا"، فضمنه كل المآثر والإنجازات والإسهامات التي انطوى عليها التراث الفكري الألماني لا سيما الفلسفة والأدب. كان ينشر المقالات التعريفية هذه في "مجلة العالمين" (La revue des deux mondes)، فيترصد أحوال الفلسفة الألمانية منذ المصلح البروتستانتي لوتر (1483-1546) حتى هيغل (1770-1831)، ويستجلي ثلاثة أطوار من الثورة الفكرية: يتجلى الطور الأول في مناصرة لوتر مبدأ الحرية الفردية، ويتحقق الثاني في التجديد الفلسفي الألماني في حين أن الطور الثالث ينبغي أن تنجزه انتفاضة الحريات السياسية في ألمانيا. جذبه هيغل في تناوله تطور مسار الروح، ولكنه ما لبث أن انتقده على تصوراته الحتمية القطعية المحافظة. في الأدب الألماني سحره مثال الفيلسوف لسينغ (1729-1781) المستنير، ومثال غوته (1749-1832) الكلاسيكي، ولكنه كان يخاصم التيارات الرومانسية الألمانية مخاصمة شرسة. ومع أنه تأثر في قصائده بالرقة الرومانسية، غير أنه كان يعاتب الرومانسيين الألمان على عصبيتهم القومية وتزلفهم السياسي واستغلالهم الشعر من أجل امتداح العرق والأرض والتاريخ والزعيم حارمين القصيدة الألمانية الوسيطية من إمكانات التحديث والتجديد.

البرودة الإنجليزية في مرآة النقد الفرنسي

 

كان ينظر إلى بريطانيا نظرته إلى مجتمع أوروبي غالى في فرض نظامه الاقتصادي الرأسمالي المتطرف، حتى إنه حول العلاقات الإنسانية إلى عمليات آلية محضة تفقد الكائن الإنساني كرامته وحقوقه وعفويته، وتجعله وسيلة من وسائل الإنتاج الصناعي أو رقماً من أرقام الانتفاعية الحسابية. قارن الإنسان الإنجليزي الذي يعشق حريته الفردية الذاتية ومملكته الخاصة بالإنسان الفرنسي الذي يناصر مبدأ المساواة: "الشعب الإنجليزي يحيا في الداخل حياة عيلية سلمية مغلقة بسياج الحدود الصائنة. يكتفي الإنجليزي بتلك الحرية التي تضمن له حقوقه الشخصية وتصون، من غير تحفظ، جسده وملكه وحياته الزوجية ومعتقده، حتى نزواته. الإنجليزي ملك وحبر داخل أسوار منزله. وشعاره المألوف "بيتي قصري" (My house is my castle) ليس فيه أي مجافاة للحقيقة! ولكن إذا كان الإنجليزي يحتاج في أساس كل شيء إلى الحرية الشخصية، يمكن الفرنسي أن يتخلى عن هذه الحرية، شرط أن يمنح هذا القسط من الحرية الذي ندعوه المساواة. ليس الفرنسيون على الإطلاق شعب الداخل بل شعب المعاشرة والمؤانسة لا يطيق أن يحتمل تلك الاجتماعات الصامتة التي يدعونها المحادثات الإنجليزية. يسرع متحدثاً في تنقله من المقهى إلى المنتدى ومن المنتدى إلى الصالون. إن دم الفرنسيين الخفيف الممزوج بنبيذ الشامبانيا، ومهارتهم الفطرية في التجارة المألوفة يدفعانهم إلى حياة المعاشرة الاجتماعية التي تجسد المساواة شرطها الأول والأخير أو حتى روحها".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أيد هاينه فكرة عالم الاقتصاد والاجتماع المناضل السياسي الفرنسي هنري دسان-سيمون (1760-1825)، وناصر مذهبه السيموني القائل، إن التغيير التاريخي والإصلاح البنيوي لا يستقيمان بالثورة السياسية التي توشك أن تشوه مقاصد النهوض البريئة بل بالثورة الاجتماعية التي تشتمل على أبعاد شتى، منها الاقتصادية الصناعية ومنها العيلية اليومية، ومنها النسائية التحررية التي تعتق المرأة من سلاسل الإخضاع الذكوري. لا ريب في أن مثل الحركة الإصلاحية هذه كانت تستهوي النخبة المثقفة الأوروبية التي طفقت تنظر إليها نظرتها إلى تصور فكري شامل، أو حتى إلى مذهب وجودي يشبه الأنظومة الدينية.

اعتنق هاينه هذا التصور إذ أدرك أن الناس لا تحركهم الحقائق العقلية فحسب، بل أيضاً الاقتناعات العاطفية التي تستنهض وجدانهم. في صميم هذا التصور يتجلى مقام الكاتب الإصلاحي الذي يستثمر جمالية الكلمة في سبيل توطيد فكرة الرقي والتقدم، ذلك بأن السيمونية تعتقد أن الأديب الملتزم منشد التطور ومرنم الرقي شأنه شأن الكاهن الذي يناصر رفعة الروح. أما الغاية القصوى، فتحرير الإنسان نفسياً واجتماعياً وجنسياً حتى يسقط التعارض بين الروحانية التزهدية التنسكية الانعزالية، والنرجسية الأنانية الحسية التلذذية، ولكنه ما لبث أن أعرض عن السيمونية التي انحرفت انحرافاً خطيراً، إذ راحت تبحث عن المخلص الجديد.

 

استهوته أيضاً الحركة العمالية الشيوعية الفرنسية، فأخذ يمتدحها ويعاين فيها مستقبل البشرية. كان يشارك الشيوعيين في انتقاد القومية الجرمانية، لذلك ظل أميناً على اقتناعاته الشيوعية حتى آخر حياته، ولو لم يستحسن الالتزام السياسي الفعلي. فالشيوعية التي تناصر المبدأ الإنساني الكوسموبوليتي العالمي الشامل أفضل من العصبية القومية المتخلفة.

انتقاد النظام السياسي البروسي- الألماني

كانت الصحافة ميدانه المفضل، إذ إنه استخدمها في محاربة أعدائه الرمزيين الذين كانوا يناقضون تصوره الإنسي، وفي طليعتهم الحكومة الألمانية- البروسية التي كانت تتشبث بامتيازات الحكم القومي الاستبدادي المناهض الحداثة. كل نظام سياسي يرفض مكتسبات الثورة الفرنسية وشرعة حقوق الإنسان والديمقراطية الحديثة عدو هاينه اللدود الذي يجب محاربته بواسطة الكلمة المستنيرة والالتزام الأخلاقي الرصين. في هذا السياق يفصل هاينه بين النظام السياسي الألماني والشعب الألماني الذي ينبغي تحريره حتى يستطيع أن يستثمر طاقات الإبداع الكامنة في أعماق وجدانه.

لذلك مارست الحكومات الألمانية أشد أصناف الرقابة الإقصائية، حارمة القارئ الألماني من الاطلاع على كتابات الأديب المنفي في العاصمة الفرنسية. منعت كتبه كلها في الأراضي الألمانية، في حين كان يعلن جهاراً أنه كان يطوي في عقله حيلة تهريب بضاعته الفكرية الإصلاحية، مضطراً إلى إخفاء فكره في العبارات التي يزين بها نصوصه. فإذا به يصرح "ولكن ما المهمة العظمى في زمننا الحاضر؟ إنه الإعتاق. ليس إعتاق الإيرلنديين واليونانيين ويهود فرانكفورت وسود أميركا والشعوب المضطهدة الأخرى، بل إعتاق الناس أجمعين، لا سيما أوروبا التي بلغت سن البلوغ والنضج". ويضيف في السياق عينه: "لكل قرن مهمته التي يسهم تحقيقها في تقدم البشرية. كانت الإقطاعية ضرورية في زمنها من أجل إنضاج الوعي البشري. أما اليوم، فإنها تستفز العقول المتمدنة. فالفرنسيون، وهم الشعب الاجتماعي الديمقراطي على وجه الامتياز، أغاظهم هذا الظلم إغاظة بالغة. فإذا بهم يقطعون رأس الذين كانوا يصرون على تجاوز الآخرين وإلغائهم. فكانت ثورتهم علامة على حرب الإنسانية التحريرية".

 

أنشأ قصائد سياسية تمتدح نضال الإعتاق، ومنها "جرمانيا" التي تجسد ملحمة الاستهزاء بالتخلف الفكري والسياسي. من بعد أن تعرف ماركس في باريس، وهو نسيب هاينه في الأسرة الواسعة، إلى الأديب الألماني المنفي، نشأت في قصائد هاينه نبرات الاستهزاء بالحكام المستبدين الذين سارعوا إلى حظر كتاباته ومنعه حتى من السفر إلى ألمانيا. فاضطر إلى محاذرة التنقل البري اجتناباً للاعتقال على الحدود، واختار الإبحار على متن السفينة التي أقلته عام 1844 إلى ميناء هامبورغ.

التباسات مقام المرأة

من الثابت أن شاعرية هاينه تميل إلى العقلانية المتطلبة وتعرض عن الوجدانيات والعاطفيات. ومع ذلك، رسم المرأة في قصائده الأول في صورة المتعجرفة القاسية الباردة المستهزئة التي لا تكترث بمشاعر الآخرين ومآسيهم، حتى إن الباحثين يحتارون في تعيين أثرها الفعلي في إلهام الشاعر، ذلك بأنه ظل يحمل في وعيه آثار ذهنية القرن التاسع عشر التي تصور المرأة بالاستناد إلى الخلفية البورجوازية، وتنسب إليها من الصفات والخصائص ما يلائم مصالح الاجتماع الذكوري المهيمن. عاشر بعض النساء اللاتي انفردن بطباع مزاجية هورمونية شديدة التفرد والغرابة. فلم يستطع أن يحرر وعيه لكي يمتدح الأنوثة والعشق والجنس والحياة العاطفية البهيجة، فاقتصر اهتمامه النسائي على المشاركة في التصورات الفكرية التي تحرر البشرية من قيود العبودية والاستبداد.

هل يمكن، والحال هذه، أن ننسب إلى هاينه صفة المثقف الأوروبي المناضل في سبيل خير الإنسانية؟ إذا استعاد المرء تعريف سارتر الذي يحدد المثقف بالإنسان الذي يحشر نفسه في قضايا لا تعنيه أصلاً، مستثمراً مقامه المعرفي وشهرته الأدبية لكي يشارك في مباحثات الساحات العمومية وشؤون الناس، اتضح له أن هاينه تدخل في أمور سياسية واجتماعية وثقافية لا تعنيه مباشرة، ومنها على سبيل المثال التخلف السياسي الألماني، وأعراض ملك بروسيا عن منح الشعب الألماني حقوقه الدستورية من بعد أن ناضل في سبيل دحر جيوش نابليون الزاحفة.

الارتداد الإيماني الحلولي

في إثر ثورات 1848 التي اندلعت من أجل مناهضة الأنظمة الملكية الأوروبية، أمضى هاينه السنوات الأخيرة من حياته طريح الفراش الذي دعاه وسادة اللحد المظلم. فأدرك حيئنذ الفارق الشاسع بين وعود الحياة ومرارة الإخفاق الكياني، وطفق يستجير بالشعر وينشئ قصائد الرومانسرو (Romanzero) التي فيها شبه نفسه بشخصية لعازر الإنجيلية الذي أنهضه المسيح من بين الأموات. قد يكون في هذا التشبيه بعض من الارتداد إلى الإرث الكتابي اليهودي والاختبار الإيماني. ومع أنه كان مقتنعاً بأن الفكر الألماني إلحادي في صميم مطلبه إلا أنه على فراش القبر اختبر الحاجة إلى مخاطبة الإله الشخصي يجادله في مسائل الشر والخطيئة والألم والعذاب، ولكن هذا الإله كائن حلولي منغل في ثنايا الطبيعة يجالس الإنسان الذي يستدعيه من أجل الإفصاح عن معاناته الوجودية. بسبب من آلامه المبرحة تعاظم تشاؤمه في السنوات الأخيرة واشتدت رغبته في اعتناق مبدأ العود الأبدي الذي يؤبد الشر في الوجود ويمنع كل تطور في حياة الإنسانية. على الرغم من ذلك أنشأ رائعته "الطفل الضائع" وأعلن أنه أخفق على المستوى الفردي، ولكن الأسلحة الفكرية التي استخدمها في نضاله ما برحت صالحة.

من أبرز إسهاماته الفكرية، بحسب دراسة غرهارد هون (Gerhard Höhne، Heinrich Heine. Un intellectuel moderne)، أنه سوغ الدولة- الأمة تسويغاً فلسفياً مقنعاً، ورسم مثال المعايشة بين الأمم الأوروبية لا سيما بين الشعبين الفرنسي والألماني، وانتقد انتقاداً لاذعاً القومية ورشقها بالأيديولوجيا التضليلية، وحلل عناصر الأنظمة الليبرالية، واستفاض في تفسير أسباب إخفاق التصورات الاشتراكية.

الغرابة الإبداعية في وجدان الشاعر

كان هاينه رقيق الإحساس يتخيل مقامه الوجداني وخاتمة حياته في صورة التألق والفرادة "لست أعلم حقاً هل ينبغي أن يزين نعشي في يوم من الأيام بإكليل الغار. فالشعر، مهما كان عشقي إياه، لم يكن في نظري أداة مقدسة، إذ لم أكترث بالمجد الشعري وسيان عندي الهجاء والمدح، ولكن أسألكم أن تضعوا على نعشي سيفاً، إذ إني كنت جندياً شجاعاً في معركة تحرير الإنسانية"، فضلاً عن ذلك، كان يدرك أن الناس تستهويهم الجماليات الأدبية التي يزين بها الشاعر أحاسيسه "حين أفصحت لكم عن آلامي أصابكم تثاؤب الضجر من غير أن تجيبوني. حين نظمتها في أبيات أنيقة امتدحتموني امتداحاً عظيماً". أما غرابته الشخصية فتجلت في تصوير شعائر دفنه إذ تخيل تشييعه في مدافن مون-مارتر الباريسية، فعاين من على بعد أرملته تقفل عائدة إلى منزلها، وقد ركبت عربة الخيل تقودها إلى المنزل الفارغ.

المزيد من ثقافة