Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العزلة حين غيرت وجه العالم

أصبحت القدرة على الابتعاد عن فوضى الجموع في عالم الضجيج والمشتتات مهارة مستقلة بحد ذاتها

يُظهر لنا إسحق نيوتن العزلة على أنها شرط من شروط التطور الفكري والإبداعي (غيتي)

يُطرحُ العمل ضمن المجموعة على أنه أكثر أساليب الإنتاج فاعلية، ويندرج شرط القدرة على العمل ضمن فريق، ومعه تحمل ضغط العمل، كواحد من أهم المهارات المطلوبة في سوق العمل اليوم، كما تصنف المهارة الفريدة في النقاش والشرح والإقناع كواحدة من أقوى متطلبات هذا العصر، إذ يُعدّ توظيف بارعي الكلام صفقة مربحة في مجتمع يبني أهم أسسه التسويقية في الترويج على قاعدة التسويق بالكلامWord Of Mouth) ) أو تحويل المستهلك إلى مسوق شفهي متنقل.

مَطلبٌ يتضح من خلاله مدى أهمية العمل الجماعي والنقاش المستمر وتبادل الأفكار، كأسلوب أفضل للخروج بمشاريع متفق عليها بصورة سريعة وضمن حدود مُرضية للجميع. لكن، ماذا عن الحاجة للاختلاف والتميّز والتفرّد، والخروج بتفسيرات ومفاهيم واكتشافات جديدة؟

الحقيقة أن لا تَميّز حقيقي ضمن فوضى الجموع... هذا ما يخبرنا به تاريخ العظماء والمبدعين والمكتشفين الأوائل.

نظرة أُحادية

ظلت العزلة لوقت طويل تمثل شُبهة اجتماعية وصحية ونفسية وحالة متطرفة من الوحدة ورفض الاتصال بالخارج ونبذ وجود الآخرين، يلجأ لها القانطون المتألمون بغرض تجنب المعاناة الاجتماعية أو بسبب انعدام القدرة على فهم الآخرين والانسجام معهم. هذا تمثيلٌ ضيق جداً لمفهوم واسع ساعد الطب النفسي في تكثيفه والترويج له كآلية دفاع نفسية وكحالة مَرضيّة تتمثل في إخفاق الـ"أنا" في الاتصال مع الـ"نحن".

فانتشر في أذهان الغالبية شكل واحد للعزلة، العزلة الحادة والمبالغ بها والتي يعيشها المنساقون وراء التفكير القهري بالامتعاض العام وتبني عقلية الضحية وما يرافقه من مشاعر التظلم الدائمة. لكن ومن جهة أخرى، تبرز العزلة التي يرافقها الاعتدال والإحساس بالروح الاجتماعية، العزلة بغرض التفكير واستجماع القوى وإعادة ترتيب الأولويات وكسرالأنماط السائدة، وتقنية الابتعاد المؤقت لرؤيةٍ أوضح وأشمل ولوضع قاعدة وصياغة أدق وأعمق وأكثر حيادية، ثم العودة للمجموع لطرحها وتطويرها في سياق أسسها الأولى. وكذلك العزلة كمطلب أساسي لإعادة التوازن النفسي وتحقيق التطور الفكري والروحاني وتعزيز إنتاج أفكار وصفات وشخصيات مستقلة، إذ لا يمكننا إحصاء عدد النشاطات التي لا يمكن لنا الوصول إليها من دون الانعزال. في الحقيقة نستطيع إدراج كل متعلقات التفكير والإبداع وما يعتمد عليهما وما ينتج منهما في خانة العزلة.

بناء الاختلاف

يُعد الاختلاف أساس الفكر المبدع، الذي يُنتَج بشكل متجرّد ومستقل عن الفكر الجمعي، ويتطلب الابتعاد الدوري عن الأنماط المحيطة وعدم التأثر بطروحاتها وما يشغلها من معلومات وأخبار وصراعات دائمة، والانعزال بشكل فعلي عن الانفعالات والآراء وطريقة الاستجابة العامة لكل شيء، فاسحاً المجال لسماع أفكارك الشخصية والتقاطها والعمل البناء عليها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الحقيقة أن الابتكار الحقيقي غالباً ما يكون نتاجاً فردياً أو على الأقل نتيجة تفكير أوليّ في وسط هادئ ننعزل فيه عن وسط مُراقِب وننحي جانب الرغبة الفطرية في الإدلاء برأي يتفق عليه الجميع، لأن الاتفاق الأولي على فكرة مطروحة يعني وجودها المسبق بشكل أو بآخر في عقول الغالبية، والأفكار المختلفة تحتاج معترضين لإثبات اختلافها.

عندما تغير العالم

يُظهر لنا "إسحق نيوتن" العزلة، وهو أحد أهم محترفيها وواحد من أكبر المساهمين في المعرفة الكونية، على أنها شرط من شروط التطور الفكري والإبداعي. فقد كان يصوغ نظرياته سراً ولا يعلن عنها إلا بعد التثبت من اكتمالها وصحتها بنسبة 100 في المئة. فطالب جامعة كامبردج، الهارب إلى العزلة من وباء الطاعون، قدم لنا من عزلته تفسيرات الكون الكبرى واقتلع بشكل نهائي كل المعتقدات القديمة الموروثة والادعاءات بالقوانين التي تحكم الأرض.

وهكذا أصبحت حياة الناس شيئاً آخر بعد ظهور نيوتن الذي وضع تصوراً جديداً للعالم، وغيّر بعزلته الخلاقة طريقة فهمنا لما حولنا وما يؤثر فينا وعلينا، وساعد في تشكيل النظرة العقلانية للكون. فمن دون العزلة كان ليكون العالم اليوم خالياً من العلوم النظرية الحديثة وقوانين الحركة والضوء وتصور النظام الشمسي وحركة الكواكب والجاذبية والنسبية.


الهدوء المنتج

أصبحت القدرة على العزلة في عالم الضجيج والمشتتات مهارة مستقلة بحد ذاتها. فلم يعد خيار العزلة ممكناً بمجرد أن تبتعد عن الجموع وتنفرد بنفسك، لأن هنالك مجتمعاً افتراضياً كامل الأركان يسكنك ويفصل بينك وبين نفسك ولا ينفك يلتصق بك ويشاركك أكثر أوقاتك انفراداً وخصوصية. عالم افتراضي مُتحكِم ومشتت للتركيز ومقلب للأفكار ومخرجها عن مسارها الخاص إلى مسار جمعي تشاركي.
 

تكاد تكون العزلة المنتجة في عصر السوشيال ميديا والمجتمعات الافتراضية أمراً شبه مستحيل لدى مدمني الحياة الافتراضية، فالتواصل المستمر يمنع القدرة على التفكير المستقل ويُقحم عشرات الأفكار يومياً لتكوين فكر مشترك عشوائي غير منظم وبلا ضوابط. فقد شَكلت وسائل التواصل في العالم التقني منتديات إسفنجية لتَشرُّب الآراء اليومية المتبدِلة، وضخها بسرعة خيالية تجعل من الصعب الثبات على وجهة نظر واحدة، فيضعك عالم اليوم كل صباح في اختبار حقيقي لجديتك والتزامك وقدرتك على الانعزال المنتج.


فَرض العزلة

لا شك أننا نحتاج لأن نختار بأنفسنا زمان ومكان وتفاصيل عزلتنا لضمان تحقيق النتائج المرجوة منها. فالعزلة نوع من أنواع الحرية في مجتمع يعيش الغالبية فيه مُحتل العقل ومنقاد المشاعر وموجه السلوك، كما أنها خيار شخصي يُبنى على خطة مسبقة ويُؤسس في مناخ نفسي مساعد ويُوفرُ له محفزات خاصة عدة.

عندما فُرضت العزلة وجد فيها البعض نوعاً من التقييد والضغط النفسي والبعض وجدها سجناً داخلياً، أما البعض الآخر الذي اعتاد على التكيّف بذكاء وتجاوز العوائق في عالم متقلب، أدخل برمجيات عقلية جديدة جعلته يَقلُب الأحداث لصالحه ويُعيد ترتيب محيطه على ضوء التعديلات الجديدة، فاستغل العزلة واعتمد عليها للإنجاز وإطلاق العنان لإبداعه بشكل كان صعباً جداً في الظروف العادية، فاستثمر في زمن تباطأ فيه التسارع وافتُرش فيه الوقت حراً للإنجاز.

الحقيقة أن عالمنا الحالي لم يكن ليكون كما هو عليه الآن لولا محبو العزلة وروادها من العقول العظيمة، التي احترفت التفكير الهادئ والتزمت به كنمط حياة حوّل أعوام الأزمات إلى أعوام إنجازات تاريخية.

المزيد من تحلیل