Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عاصفة انتقادات دولية تصيب السياسة الاقتصادية البريطانية

صندوق النقد وجهات أميركية دعت الحكومة لإعادة تقييم القرارات وسط تحذير من إذكاء التضخم

بنك إنجلترا أكد أنه لن يتردد في رفع أسعار الفائدة (رويترز)

ما زالت ردود الفعل العالمية تتوالى على الأزمة التي تشهدها بريطانيا مع تهاوي الجنيه الاسترليني وارتفاع العائد على سندات الخزينة إلى مستويات قياسية مع عمليات البيع الهائلة للسندات البريطانية في أسواق الدين العالمية.

لكن أكثر تلك الانتقادات حدة جاءت عبر المحيط الأطلسي من الولايات المتحدة، حيث كرر أكثر من اقتصادي رفيع ومسؤول مالي ونقدي تشبيه ما تشهده المملكة المتحدة بـ"وضع اقتصاد دولة صاعدة أو دولة نامية". ومع أن ارتفاع سعر صرف الدولار الأميركي يضغط على بقية العملات الرئيسة حول العالم نحو الهبوط، إلا أن الانهيار الذي شهده الجنيه الاسترليني في الأيام الأخيرة يعود إلى تردي وضع الاقتصاد البريطاني أيضاً وحزمة السياسات التي أعلنتها حكومة رئيسة الوزراء ليز تراس بما فيها الميزانية التكميلية التي أعلنها، الجمعة، وزير الخزانة كواسي كوارتينغ.

ومع رد فعل الأسواق على سياسة خفض الضرائب وتمويل ذلك بالاقتراض الهائل، يخشى كثيرون حول العالم من أن يؤدي ما يحدث في بريطانيا إلى دفع الأسواق العالمية نحو مزيد من التراجع وزيادة احتمالات الركود الاقتصادي العالمي العميق.

سياسة غير مسؤولة

في سلسلة تغريدات له على "تويتر"، الثلاثاء، جدد وزير الخزانة الأميركي السابق والأستاذ في جامعة هارفارد لاري سمرز انتقاده لاستراتيجية الحكومة البريطانية الاقتصادية. وسبق أن قال سمرز قبل يومين في مقابلة مع تلفزيون "بلومبيرغ"، "تتصرف بريطانيا مثل دولة صاعدة ما يؤدي إلى تحولها لدولة نامية.. وسيذكر التاريخ بريطانيا على أنها الدولة التي اتبعت أسوأ السياسات الاقتصادية من بين الدول الكبرى منذ زمن طويل".

وأعرب سمرز عن أنه "متشائم جداً" في شأن تبعات السياسات "غير المسؤولة بشكل رهيب"، لكنه أشار إلى أنه لا يتوقع انهيار الأسواق حول العالم بسرعة.

وأضاف أستاذ جامعة هارفارد الذي سبق وتولى رئاسة مجلس الاقتصاد الوطني ما بين 2009 و2010 وخدم كوزير للخزانة الأميركية في الفترة من 1999 إلى 2001، في تغريداته أن "الاتجاه نحو رفع سعر الفائدة مع هبوط سعر صرف العملة علامة قاطعة على فقدان الثقة.. يحدث ذلك عادة في الدول النامية، وإن كان حدث في عهد (الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا) ميتران قبل أن يتراجع عن سياسته".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتوقع وزير الخزانة الأميركي السابق أن يهبط الجنيه الاسترليني ليصل إلى ما دون الدولار واليورو. ذلك على رغم احتمال تدخل بنك إنجلترا (المركزي البريطاني) ورفع نسبة الفائدة ربما إلى سبعة في المئة العام المقبل بحسب تقديرات سمرز. وقال "لن أتفاجأ إذا ارتفعت معدلات الفائدة في بريطانيا ثلاثة أضعاف في خلال العامين المقبلين، وتزيد على سبعة في المئة. أقول ذلك لأن معدلات الفائدة في الولايات المتحدة يتوقع أن ترتفع إلى نسبة خمسة في المئة، ولدى بريطانيا مشكلة تضخم أكبر بكثير من الولايات المتحدة كما أنها (بريطانيا) تتجه نحو التوسع النقدي والاقتراض الهائل لتمويله".

وأضاف أن "الأزمة المالية في بريطانيا ستؤثر على مكانة لندن كمركز مالي عالمي. لذا هناك خطر الدائرة المفرغة: أن يضر التدهور بأساسيات الاقتصاد ما يؤدي بدوره إلى مزيد من التدهور". وأعرب الوزير السابق عن دهشته من عدم وجود أي رد فعل حتى الآن من صندوق النقد الدولي، باعتبار ما تشهده بريطانيا خطر على الاقتصاد العالمي ككل.

انتشار العدوى

ردد أكثر من مسؤول نقدي ومالي أميركي انتقادات لاري سمرز للسياسة الاقتصادية البريطانية التي تعتمد نظرية "تسرب المنافع من أعلى بالتدريج" في حالة النمو الاقتصادي، التي تم تبنيها في عهد الرئيس الأميركي السابق رونالد ريغان ورئيسة الوزراء البريطانية مارغريت ثاتشر. لكن الوضع الحالي للاقتصاد البريطاني والاقتصاد العالمي، يختلف عن الوضع في ثمانينيات القرن الماضي. ونقلت صحيفة "واشنطن بوست" عن المسؤول في الاحتياطي الفيدرالي الأميركي (البنك المركزي) ورئيس بنك الاحتياط لولاية أتلانتا رافائيل بوستيك تأكيده أن خطة خفض الضرائب التي أعلنها وزير الخزانة البريطاني أدت إلى مزيد من الاضطراب الاقتصادي وعدم اليقين وزادت من احتمال الركود الاقتصادي العالمي.

وفي مقابلة مع شبكة "سي أن بي سي"، قال رئيس بنك الاحتياط في شيكاغو تشارلز إيفانز، إن الوضع في بريطانيا "يمثل تحدياً هائلاً"، مضيفاً أن الاقتصاد العالمي بحاجة لزيادة نمو مدخلات سوق العمل كي يتمكن من تحقيق الاستقرار على المدى الطويل.

وينتظر الاقتصاديون والمتعاملون في الأسواق والمسؤولون عن السياسات النقدية والمالية في دول العالم الرئيسة ما سيصدر من تعليقات في الأسابيع المقبلة من مؤسسات التصنيف الائتماني الرئيسة في العالم. ويخشى أن تكون تقارير مؤسسات التصنيف سلبية جداً بشأن مستقبل الاقتصاد البريطاني ووضع الدين السيادي البريطاني.

وقد بدأ وزراء في الحكومة البريطانية بتسريبات للصحف في اليومين الأخيرين أن الحكومة على وشك الإعلان عن إجراءات اقتصادية تخفف من التأثير المدمر لما أعلنه وزير الخزانة في ميزانيته التكميلية، الجمعة، من خفض للضرائب. من بين تلك الإجراءات أن الحكومة قد تغير موقفها تماماً من مسألة فرض ضريبة أرباح على شركات الطاقة التي عارضتها رئيسة الوزراء ليز تراس بشدة. ومن شأن فرض تلك الضريبة أن يعادل جزئياً بعض الخفض الضريبي على الشريحة الغنية الذي تضمنته الميزانية، وبالتالي يقلل من حجم الاقتراض المتوقع.

لكن لاري سمرز شكك في أن تؤدي إجراءات مماثلة إلى وقف التدهور، وضرب مثالاً على ذلك بحزمة دعم أسعار الطاقة التي أعلنتها حكومة ليز تراس بعشرات المليارات وستمولها أيضاً بالاقتراض. وأكد أنها ستزيد من الضغوط التضخمية بشدة، لأن دعم تجميد الأسعار لا يعني أنها ستنخفض فعلياً بغض النظر عن تقديم الدعم مباشرة للناس أو للشركات، وسواء تم تمويل الدعم بالضرائب حالياً أو بالضرائب فيما بعد لتسديد الدين العام.

تخفيض الضرائب

في الوقت ذاته وجه صندوق النقد الدولي انتقادات لاذعة إلى حكومة بريطانيا جراء تنفيذ خفوضات ضريبية ممولة بالديون بقيمة 45 مليار جنيه استرليني (47.9 مليار دولار)، وحثها على إعادة تقييم السياسة محذراً من أن الحزمة غير المستهدفة تهدد بإذكاء التضخم. وقالت وكالة التصنيف الائتماني (موديز) إن خطة المملكة المتحدة لـ "خفوضات ضريبية كبيرة غير ممولة كانت سلبية للائتمان"، محذرة من أنها ستؤدي إلى عجز أعلى ومستمر وسط ارتفاع كلف الاقتراض وتوقعات نمو أضعف"، لكنها لم تغير التصنيف الائتماني لبريطانيا حتى الآن. وقال صندوق النقد الدولي إنه "يراقب عن كثب التطورات في المملكة المتحدة وعلى اتصال بالسلطات"، بعد أن أدى إعلان وزير المالية كالكواسي كوارتنج الخفض الضريبي الأسبوع الماضي إلى انهيار قيمة الجنيه الاسترليني وزيادة كلف الاقتراض. ويعمل صندوق النقد الدولي على استقرار الاقتصاد العالمي من خلال منح قروض للبلدان التي تكافح، ويتمثل أحد أدواره في العمل كنظام إنذار اقتصادي باكر.

ضغوط التضخم

وقال بيان الصندوق إنه "نظراً إلى ضغوط التضخم المرتفعة في عدد من البلدان، بما في ذلك المملكة المتحدة، فإننا لا نوصي بالحزم المالية الكبيرة وغير المستهدفة في هذا المنعطف، إذ من المهم ألا تعمل السياسة المالية في أغراض تتعارض مع السياسة النقدية"، مضيفاً أنه "علاوة على ذلك فمن المرجح أن تؤدي طبيعة الإجراءات التي تتخذها المملكة المتحدة إلى زيادة عدم المساواة". وتابع الصندوق "ستوفر موازنة الـ 23 من نوفمبر (تشرين الثاني) فرصة لحكومة المملكة المتحدة للنظر في طرق تقديم الدعم الأكثر استهدافاً وإعادة تقييم الإجراءات الضريبية، بخاصة تلك التي تفيد أصحاب الدخل المرتفع". وكان كوارتنج وعد بنشر خريطة طريق مالية متوسطة الأجل في الـ 23 من نوفمبر المقبل لخفض الديون كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي.ومن المتوقع أن تتضاعف كلف الاقتراض ثلاث مرات تقريباً إلى 6.25 في المئة، وهو أعلى مستوى منذ 25 عاماً بحلول مايو (أيار)، بحسب "فايننشال تايمز"، بعد أن حذر كبير الاقتصاديين في بنك إنجلترا من أن الخطة الاقتصادية تتطلب "استجابة نقدية كبيرة. وتواجه أكثر من مليوني أسرة ارتفاعات حادة في كلف الرهن العقاري على مدى العامين المقبلين، مما يزيد بشكل كبير أخطار انهيار العقارات إذا اضطر كثير منهم إلى البيع. وعلق بنكا "إتش أس بي سي" و"ستاندرد" صفقات الرهن العقاري الجديدة الثلاثاء، بينما رفعت المؤسسة المالية البريطانية "نيشين وايد" أسعار الفائدة.ومع انهيار الجنيه الاسترليني وارتفاع كلفة الاقتراض يتساءل مراقبون ما إذا كانت المملكة المتحدة في أزمة اقتصادية كاملة؟ من جانبه، قال كوارتنج لصحيفة "ديلي تليغراف" إن صندوق النقد الدولي "دافع باستمرار عن السياسات الاقتصادية التقليدية للغاية، واتباع هذا النهج أدى إلى سنوات من النمو البطيء والإنتاجية الضعيفة"، مضيفاً أن السبيل الوحيد للمضي قدماً بالنسبة إلى بريطانيا هو "خفض الضرائب وضبط الإنفاق مع إصلاح اقتصادي كبير".