Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تونس تستعجل مشاريع الطاقة المتجددة تحسبا لسيناريو "كارثي"

تعطل الإنجاز بسبب المعارضة النقابية وطول الإجراءات البيروقراطية وسط تراجع إنتاج الكهرباء

تونس تكثف جهودها لإنجاز مشاريع طاقة تترقبها البلاد  (غيتي)

كثفت تونس خلال الشهرين الأخيرين من المحادثات مع كبرى الشركات العالمية المتخصصة في مجال الطاقة المتجددة بغرض إنجاز مشاريع طاقة مهمة في البلاد التي تعاني عجزاً فادحاً بالقطاع.

والتقى وزراء الصناعة والطاقة والمناجم والاقتصاد والتخطيط والمالية عدداً من المؤسسات المالية بينها البنك الدولي بهدف الحصول على الدعم المالي الضروري لإقامة مشاريع الطاقة شمسية والفلطاضوئية في عدد من مناطق البلاد بهدف تسريع نسق إنجاز مشاريع الطاقة البديلة والنظيفة.

وتعاني تونس في السنوات الأخيرة، لا سيما منذ اندلاع النزاع الروسي - الأوكراني في فبراير (شباط) 2022 الذي أدى إلى ارتفاع في أسعار النفط العالمية، عديداً من المشكلات بشكل لافت في موازنة دعم المحروقات التي بلغت مستويات قياسية لم تعد حكومة نجلاء بودن تحملها.

وضعية طاقة صعبة

ويؤكد المدير العام لإدراة المحروقات بوزارة الصناعة والطاقة والمناجم رشيد بن دالي أن نسبة عجز الطاقة في تونس بلغت 55 في المئة، مشدداً على تفاقم هذا العجز سنوياً مع استمرار عمليات الاستيراد وغياب الاكتشافات. وأوضح أنه يتم إنتاج بين 35 و40 ألف برميل نفط و60 مليون مكعب من الغاز يومياً في تونس بمختلف الحقول المستغلة بالبلاد.

وفي تصريح صحافي كشف المسؤول التونسي عن أن بلاده "لجأت إلى استعمال مخزونها الاستراتيجي الاحتياطي للمواد البترولية حتى تتمكن من تأمين الطلب وتزويد البلاد بالمنتجات البترولية".

وقال ابن دالي "الوضع جد دقيق" في إشارة منه إلى ندرة المواد البترولية والظرف المالي الحالي الذي تعرفه تونس في ظل أزمة الطاقة العالمية. وأضاف أنه "في ظل الطلب الدولي على منتجات النفط فإن بائعي هذه المواد يطلبون حالياً الدفع الفوري وهو ما يجبرنا على خلاص الشحنة عند التسلم على رغم الوضع المالي الصعب للبلاد". وأوضح أن "الفارق بين إنتاج واستهلاك المنتجات النفطية يقدر بـ58 ألف برميل يومياً وتتم تغطيته من خلال التوريد".

تأخر لافت في مشاريع الطاقة المتجددة

وتخطط تونس لبلوغ 35 في المئة من إنتاج الكهرباء بواسطة مشاريع الطاقات المتجددة بحلول عام 2030 لغرض التقليص من فاتورة توريد المواد البترولية والانصهار في السياق العالمي المشجع على الطاقات المتجددة، ولكن وفق المؤشرات الأولية وتقدم مشاريع الطاقة المتجددة فإن تونس تعرف تأخيراً لافتاً في تنفيذها بسبب بطء الإجراءات الإدارية، بخاصة طول مسار إعداد الملفات الخاصة بإسناد الرخص اللزمات لإنجاز هذا الصنف من المشاريع التي أثبتت نجاعتها وفاعليتها عالمياً.

ومن ضمن العوامل الأخرى المعطلة لتنفيذ هذه المشاريع "المعارضة" النقابية الرافضة لإنتاج الكهرباء بواسطة الطاقات المتجددة (الطاقة الشمسية أساساً) إذ إن جامعة الكهرباء التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل المنظمة النقابية الفاعلة في البلاد ترفض بشدة إنجاز هذه المشاريع لكونها مدخلاً غير مباشر للشروع في خصخصة شركة الكهرباء والغاز الحكومية.

ويجزم وزير الصناعة والطاقة الأسبق والمتخصص في مجال الطاقة خالد بن قدور بأن الدولة التونسية لم تنطلق بعد في إنتاج الطاقة البديلة ولم تشهد مرحلة تحول الطاقة. وأكد أن تونس تنتج ثلاثة في المئة فقط من الطاقة البديلة وتحافظ على 97 في المئة من إنتاج الطاقة عبر المحروقات معبراً عن أسفه من هذا التعطيل في الاستثمار ببرامج تحول الطاقة.

وضع طاقة مقلق

وأكدت وزيرة الصناعة والطاقة والمناجم نائلة نويرة القنجي أن أوضاع الطاقة الراهنة في تونس تقتضي إجراء تعديل أسعار المواد البترولية من منطلق أن عجز الميزان التجاري للطاقة أضحى كبيراً ولا يمكن تحمله. وتضمن قانون المالية لسنة 2022 برنامجاً للتعديل الآلي الشهري لأسعار المحروقات في تونس.

ومع بداية العام الحالي زادت أسعار المواد البترولية (البنزين الخالي من الرصاص والغازوال العادي والغازوال من دون كبريت والبنزين الخالي من الرصاص الممتاز والغازوال من دون كبريت الممتاز)، ورفعت تونس أسعار المواد في ثلاث مناسبات آخرها في منتصف أبريل (نيسان)، لكن التعديل الآلي توقف بعد ذلك.

ولاحظت القنجي أن وضع الطاقة في تونس أضحى مختلاً بسبب ما وصفته بالارتفاع الصاروخي لأسعار النفط وبشكل لافت في الأسواق العالمية إثر اندلاع النزاع الروسي - الأوكراني. وأوضحت أن فرضيات الميزانية لهذه السنة ارتكزت على أساس 75 دولاراً سعراً للبرنت، ولكن اليوم وبسبب التطورات العالمية الواقعة إثر تداعيات الحرب الروسية - الأوكرانية بلغ معدل سعر برميل نفط البرنت مئة وثمانية دولارات.

وتابعت تحليلها في السياق ذاته "أنه بعنوان قانون المالية 2022 تم رصد حاجات التمويل بقيمة 5200 مليون دينار (1733 مليون دولار) من المواد النفطية".

وأفادت بأن "حجم دعم المحروقات المرسم بميزانية 2022 كان في حدود 2900 مليون دينار (966.6 مليون دولار)، لكنه ارتفع إلى مستوى ثمانية مليارات دينار (2666 مليون دولار) وتضاعف بأكثر من ثلاث مرات". وفي سياق متصل أبرزت أن حجم دعم المحروقات في تونس فاق حجم الاعتمادات المرصودة للاستثمار العمومي بالبلاد.

الحاجة إلى سرعة إنجاز المشاريع

أمام أوضاع الطاقة الآخذة في التأزم والتعقد وتحسباً لسيناريو قد يكون كارثياً خلال السنوات المقبلة عجل المسؤولون التونسيون من لقاءاتهم عديداً من ممثلي الشركات العالمية ومؤسسات التمويل الدولية بهدف عرض استراتيجية تونس في مجال الطاقات المتجددة والافاق الاستثمارية، وبخاصة الربحية التي تتيحها، لا سيما أن بالبلاد نسبة إشعاع شمسي في حدود 300 يوم في السنة، أي إن الشمس موجودة لـ 10 أشهر تقريباً.

وفي هذا الإطار استقبلت وزيرة الصناعة التونسية، الإثنين الخامس من سبتمبر (أيلول) الحالي، بمقر الوزارة الرئيس التنفيذي لمجمع "أمايا باور" حسين النويس وممثلين عن البنك الأفريقي للتنمية ومؤسسة التمويل الدولية، لاستكمال المباحثات مع البنوك الممولة لبلوغ الإقفال المالي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 لمشروع محطة إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية الفولطاضوئية بالمتبسطة من محافظ القيروان (الوسط) بقدرة 100 ميغاواط حتى يتسنى دخوله حيز الاستغلال وفق الآجال المتفق عليها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويندرج هذا المشروع في إطار المصادقة على دفعة من المشاريع الخاصة لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية الفولطاضوئية بقدرة 500 ميغاواط في إطار نظام اللزمات بخمس محافظات وهي تطاوين (200 ميغاواط) وتوزر (50 ميغاواط) وسيدي بوزيد (50 ميغاواط) والقيروان (100ميغاواط) وقفصة (100 ميغاواط)، وذلك ضمن البرنامج الوطني لتطوير إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة.

وأكدت الوزيرة أهمية الاستثمار في الطاقة البديلة باعتبارها الحل الأمثل في ظل انخفاض الإنتاج والاحتياطي للطاقة الأحفورية على المستوى العالمي والتونسي والتوجه نحو التقليص من انبعاثات الكربون وحماية المناخ. وأوضحت أن الحكومة تحرص على دفع الاستثمار في الطاقة المتجددة من خلال تذليل الصعوبات وتبسيط الإجراءات الإدارية وحذف التراخيص بالنسبة إلى المشاريع الأقل من ميغاواط في هذا المجال.

يشار أن مجمع "أمايا باور" تأسس سنة 2014 بمدينة دبي الإماراتية ويطمح أن يكون منتجاً مستقلاً للطاقة وهي بصدد القيام بـ 28 مشروعاً في مجالات الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر بعدد من البلدان الأفريقية.

وتستهدف تونس من خلال إنجاز مشاريع الطاقات البديلة إلى تحسين الاستقلالية الطاقية وتنويع مصادر الطاقة لإنتاج الكهرباء وتخفيض كلفة الدعم المخصص لقطاع تنمية الاقتصاد الأخضر والمساهمة في المجهود العالمي بمجال تخفيض الانبعاثات الغازية.

دعم البنك الدولي

وفي خضم تسريع تمويل مشاريع الطاقات المتجددة والنظيفة التقت وزيرة الصناعة والمناجم والطاقة، الأربعاء الـ 31 من أغسطس (آب) الماضي، فريد بالحاج نائب رئيس مجموعة البنك الدولي لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مع وفد رفيع المستوى من مجموعة البنك الدولي. وخصص اللقاء لمتابعة التعاون القائم بين الوزارة ومجموعة البنك حول برنامج العمل في الفترة المقبلة، خصوصاً في قطاعات الطاقة والطاقة المتجددة وكيفية دعم مشروع الربط الكهربائي بين تونس وإيطاليا وتمويل الجانب التونسي مع الإشارة إلى مزايا هذا المشروع على المستوى الاقتصادي والفني، لا سيما أنه سيمكن من تبادل الطاقة الكهربائية بين البلدان ودعم الشبكة الوطنية لنقل الكهرباء.

دعم تسريع انتقال الطاقة في تونس

وفي 7 يوليو (تموز) 2022 تم توقيع عقد تنفيذ مشروع حول "دعم تسريع انتقال الطاقة بتونس" بين الإدارة العامة للكهرباء وانتقال الطاقة والوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة والشركة التونسية للكهرباء والغاز والوكالة الألمانية للتعاون الدولي بإشراف وزيرة الصناعة والمناجم والطاقة.

ويهدف المشروع إلى التسريع في نسق إنجاز أهداف الاستراتيجية الوطنية لانتقال الطاقة في تونس عبر تحسين الآليات الاستراتيجية والقانونية والإدارية والتقنية، مما يساعد على تحقيق الأهداف المرسومة في 2030 والهادفة إلى إنتاج 35 في المئة من الكهرباء من الطاقات المتجددة وتخفيض الطلب على الطاقة الأولية بنسبة 30 في المئة إلى جانب التقليص من نسبة الكثافة الكربونية وانبعاث الغازات الدفيئة بنسبة 45 في المئة بالمقارنة مع سنة 2010.

عودة لأضخم مشروع طاقة

بعد أن رفضته حكومة حركة النهضة في عام 2012 وإقرار الفيتو في شأنه عادت حكومة نجلاء بودن إلى التفاوض مع مجموعة "تونور" البريطانية من أجل إعادة إحياء مشروع طاقة ضخم كان يمكن أن تكون تأثيراته إيجابية بوضع الطاقة في تونس وأن يكون قاطرة حقيقية لبقية المشاريع الطاقية.

وأكدت وزارة الاقتصاد والتخطيط التونسية في بيان أن مجموعة "تونور" البريطانية قدمت برنامج استثمار لإقامة محطة لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية بقيمة 1.5 مليار دولار في محافطتي قابس وقبلي جنوب تونس.

وجاء هذا الإعلان عقب استقبال وزير الاقتصاد والتخطيط سمير سعيد المدير التنفيذي لشركة "تونور" البريطانية المتخصصة في مجال الطاقة المتجددة، دانيال ريتش. وذكرت الوزارة التونسية أن حجم الاستثمار سيكون بمقدوره الوصول إلى قدرة إنتاجية تناهز 500 ميغاواط، وستوجه إلى السوق الأوروبية.

وتعاني أوروبا تذبذب وفرة الطاقة الكهربائية بسبب أزمة الغاز الطبيعي منذ بدء الحرب في أوكرانيا ومحاولة دول الاتحاد الأوروبي خفض الاعتماد على مصادر الطاقة الروسية.

ووفق ما جاء في البيان قال ريتش إن "الموقع الجغرافي لتونس استراتيجي ويمكن أن يجعل منها أحد أبرز المواقع في شمال أفريقيا لإنتاج وتزويد أوروبا بالكهرباء".

وستستفيد الشركة من طبيعة الطقس في تونس الذي يتضمن أيام حرارة مرتفعة أكثر من أي دولة في أوروبا إلى جانب توفر البنية التحتية اللازمة لتوصيل الكهرباء للقارة العجوز.