Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أين تذهب ثروات العراق؟

مراقبون: البرلمان لم يوفر قوانين رادعة تعزز النزاهة والهدر العام وغياب الرؤية الاقتصادية يبددان الوفر المالي

النظام البرلماني انحرف عن مهماته الأساس في توفير بيئة قانونية لتعزيز النزاهة ومكافحة الفساد   (أ ف ب)

تغول الفساد في العراق حتى صار في نظر العراقيين أكبر مما ظنوه يوماً في مجتمع انتقل عام 2003 إلى ما يسمى اقتصاد السوق والتخلي عن المركزية، حتى حلت سياسة الانفلات المالي وتشظى الاقتصاد عبر منافذ غير معلومة في الموازنات لم تقر وحسابات ختامية مؤجلة، والاتفاق على مشاريع ومخصصات واقتصاد الدين تمنحها الحكومة لتسير أمورها اليومية في مخالفة صريحة لسياقاتها ودستورها المعتمدة على الموازنات المبوبة، ليتعذر وضع الموازنة ومناقشتها وإقرارها من قبل النظام البرلماني الذي تعتمده البلاد منذ العام 2003 بحجج ومسوغات شتى قادت إلى الفوضى المطلقة، بل يذهب المراقبون إلى تسميتها منطق اللادولة.

ضياع الأموال ظاهرة جديدة

والسؤال الذي يطرح نفسه وسط كل هذه التطورات، أين تذهب ثروة العراق التي تخطت التريليون ونصف التريليون دولار خلال الـ 18 سنة بعد التغيير الذي جرى بعيد الاحتلال الأميركي في 2003؟

حين كشف رئيس اللجنة المالية أحمد الجلبي قبيل وفاته الغامضة بأشهر سر ضياع أكثر من 300 مليار دولار من موازنة الحكومات المتعاقبة وهدر ثروة العراق قائلاً "إننا نشهد أكبر عملية فساد في التاريخ"، فإنه وضع يده على جرح عميق وهدر غير مسوغ في بلد محطم اقتصاده ومجتمعه بالحروب الطاحنة التي استمرت لثلاثة عقود سابقة، ودعا الجلبي الدولة آنذاك إلى وقف هذا الهدر الذي سيوصل البلد إلى الهاوية الحتمية. كانت صرخة من أحد المعنيين بعملية التغيير وإسقاط النظام السابق، لكن الأمور لم تتوقف بعده واستمر الحال على ما هو عليه بعدم مناقشة وإقرار الموازنة العامة.

يقول عضو لجنة مكافحة الفساد الحكومية السابق سعيد ياسين موسى لـ "اندبندنت عربية" إن "الفساد في العراق بحسب المعايير الدارجة سياسي بامتياز، أولاً جراء انحراف النظام البرلماني عن مهماته الأساس في توفير بيئة قانونية لتعزيز النزاهة ومكافحة الفساد، كما في تكليف الكابينة الحكومية وتوزيع الوظائف العامة العليا على غير ذوي الكفاءة والنزاهة والخبرة، اعتماداً على نظام المحاصصة السياسية والوظيفية والعرقية، مما يوفر بيئة لحماية الفاسدين والإفلات من العقاب نتيجة قوانين العفو العام وضعف المنظومة العقابية الرادعة".

 ويرى موسى أن "غياب السياسات العامة للدولة الريعية إضافة إلى تخلف قطاع الكهرباء بتعطيل شركات القطاع الخاص والإنتاجية الصناعية والزراعية، ولّد تحويل الأموال إلى استيراد السلع الاستهلاكية والغذائية وغيرها، مما أسهم في زيادة الفقر والبطالة والعنف والجريمة المنظمة التي وفرت بيئة تشجع على تهريب وغسل الأموال وتمويل اقتصادات الدول المصدرة للسلع إلى العراق".

اقتصاد ريعي خلف ديوناً كبيرة

ويرى الكاتب العراقي ناجي الغزي أنه "يفترض بالحكومة العراقية أن توظف الأموال الناتجة من ارتفاع أسعار النفط التي بلغت على سبيل المثال 60 مليار دولار خلال الأشهر الستة الأخيرة في مقاصد التنمية الاقتصادية وتعزيز إيرادات الدولة من خلال تطوير القطاعات الإنتاجية مثل القطاع الزراعي والصناعي والسياحي".

ويضيف، "باعتبار أن العراق بلد ريعي يعتمد في موازناته السنوية على نحو 95 ‎في المئة‎ من النفط، ولكن ما يصدر من تصريحات عن مسؤولين حكوميين بأن العراق على الرغم من وفرته المالية إلا أنه يعاني ديوناً خارجية تتجاوز 20 مليار دولار، وديوناً داخلية بلغت نحو ‎50 مليار دولار، لا تسمح للدولة العراقية أن تعيد ترتيب ملفاتها الخدمية والتنموية وتنظيم أولوياتها في معالجة التحديات الاقتصادية والبطالة وتنمية أسواق العمل التي تسهم في رفع الطاقة التشغيلية للأيدي العاملة".

سعر الصرف للدولار

 ويطالب الغزي الحكومة "بضرورة أن تعالج سياساتها المالية بخفض سعر الصرف الدولار في مقابل الدينار العراقي الذي أثقل كاهل المواطن، كما يجب عليها أن تعتمد حماية المنتج المحلي وتعزيز قدراته بدعم المبادرات الصناعية والزراعية التي تسهم في رفع مناسيب التنمية وانخفاض مستوى البطالة والفقر في المجتمع، ولكن للأسف لم نر أية خطة أو برامج أو مشاريع متضمنة في الموازنة للسنة الحالية كي توظف تلك الأموال بمشاريع استثمارية منتجة ومساهمة في موارد الدولة الاقتصادية، وللأسف فالعراق على الرغم من كل المؤشرات الاقتصادية لا يزال يعاني الفقر والبطالة بشكل كبير، إذ تتجاوز 30 ‎في المئة‎ مع انتشار ظواهر غير صحية بين شبابه مثل المخدرات والقتل والسطو المسلح وسواها".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفرة مالية ضاعت بالتعيينات

الموازنات المالية السنوية التي شهدت وفرة مالية كبيرة تضاعفت منذ العام 2004 بسبب زيادة إنتاج النفط من جهة وارتفاع أسعاره إلى 120 دولاراً للبرميل من جهة أخرى، مكنت الحكومات من إطلاق يد التعيينات الحكومية التي وصلت إلى تضخم وتراكم غير مسبوق من الموظفين بلغ ما يقارب 6 ملايين موظف، إضافة إلى 4 ملايين متقاعد ينتزعون ما يزيد على 60 إلى 70 في المئة من موازنة البلاد التي توصف بالتشغيلية، وأفرزت ظاهرة "الموظفين الفضائيين"، وهو مصطلح شاع عن التوظيف الوهمي لأشخاص مقربين من أحزاب السلطة فيما هم مجرد تسميات ولا وجود لهم في الواقع، مع موظفين آخرين عاطلين يسجلون من دون عمل ويحصلون على رواتب ويصنفون عراقياً بالبطالة المقنعة التي تنزع من الموازنات أموالاً هائلة، إذ كان التوظيف بدافع كسب الأصوات الانتخابية ظاهرة مارستها كل الطوائف المتحاصصة على توزيع الأدوار في السلطات الثلاث".

فشل الموازنات الاستثمارية

يقول مستشار السياسات المالية لرئيس الوزراء العراقي مظهر محمد صالح، "للأسف لم تستطيع الموازنات الاستثمارية على مدى عقدين من الزمن تنفيذ أهدافها المادية والمالية بأكثر من 28 في المئة سنوياً ؜لأفضل القطاعات المنتجة وقطاعات البنية التحتية باستثناء قطاع الاستخراج النفطي الذي ارتبط بجولات التراخيص وعقود الخدمة التي تسدد أثمانها بالنفط الخام مباشرة".

ويضيف، "بناء على ما تقدم استحوذت الموازنات التشغيلية على حصة الموازنة الاستثمارية من خلال التوسع السنوي في الإنفاق التشغيلي بهدف تسيير الوظائف الحكومية، وهي ذات طبيعة خدمية استهلاكية وحسب، وحلت الموازنة التعويضية لمصلحة التوسع بأعداد المشتغلين في الوظائف الحكومية، إذ بات الأجر الحكومي المرتفع قليلاً نسبياً متاحاً أو مخصصاً في جانب منه لسد كلفة النقص في خدمات البنية التحتية التي كان يولدها الإنفاق الاستثماري الذي لم يتحقق للأسف بشكل كاف ومخطط، بإتاحة الفرصة لموظفي الدولة أن يعوضوا من رواتبهم ذلك النقص الحاصل في الخدمات الاجتماعية وعموم السلعة العامة مثل المدارس والمستشفيات والنظافة والكهرباء والماء وغيرها".

 ويعلق مستشار رئيس الحكومة المالي على انعكاس زيادة أسعار إنتاج النفط وزيادة سعر البرميل بقوله، "ارتفع سعر برميل النفط العراقي حالياً عن معدلات العام الماضي بنسبة 46 في المئة مع الأخذ في الاعتبار أن النفقات العامة لا تزال مقيدة بالمادة (13) من قانون الإدارة المالية الاتحادية رقم (6) لسنة 2019 المعدل، الذي يقضي بالإنفاق أو بنسبة واحد إلى 12 في المئة من النفقات الجارية الفعلية التي تمت العام 2021 بسبب عدم تشريع قانون للموازنة العامة الاتحادية لعام 2022حتى اللحظة، وهي ما أطلق عليه مالية الحد الأدنى، وإذا ما أضفنا التخصيصات التي جاء بها القانون الطارئ للأمن الغذائي والتنمية رقم (2)  لسنة 2022 البالغة 25 تريليون دينار، فإن إجمال النفقات السنوية للقانونين في ظل افتراض غياب موازنة عامة ستبلغ 100 مليار دولار حتى نهاية 2022، وهذا يعني تحقيق فورات مالية بين 15 و 20 مليار دولار، وفق مستويات الصرف الشهرية الراهنة، إذ تدار الوفرات المالية المتحققة شهرياً في حسابات مالية آمنة لمصلحة مالية الحكومة العراقية من جانب البنك المركزي العراقي لكونه بنك الدولة ومستشارها المالي، وفق أفضل الممارسات الدولية في إدارة الاحتياطات النقدية، بمعنى انتهت السنة بوفرة مالية بعد تغطية النفقات كلها".

ويعقب الباحث ناجي الغزي على موضوع الوفرة المالية بقوله "لا يمكن استغلالها من دون إيجاد رؤية اقتصادية أو خطة مالية يتم من خلالها توظيف العوائد المالية الكبيرة بمشاريع استراتيجية مربحة تقي البلاد أي أزمة اقتصادية مقبلة، لكون هذه الوفرة المالية وارتفاع أسعار النفط قد لا تتكرران مرة أخرى".

صراع المغانم وهدر الثروة

ويذهب رئيس مركز التفكير السياسي في العراق إحسان الشمري بعيداً في تشخيص ظاهرة هدر أموال الدولة وضياعها، ويرى أن السبب الرئيس يتمثل في صراع العراق حول المغانم، "فهناك من ينظر إلى الدولة بكل مؤسساتها وهيئاتها على أنها جزء من احتكارات سياسية، وبالتالي ينظرون إلى ما يحصلون عليه من مناصب في الدولة من خلال ما يحصلون عليه من التوافقية السياسية والمحاصصة على مؤسسة من مؤسسات الدولة أي كان عنوانها، وزارة أو هيئة أو غيرها من تسميات، لأنه استمرار لعملية التمويل لأحزابهم وزعاماتهم، بل وتمويل الدول والجيوش والجهات الخارجية التي تدعمهم، ولذلك فإن السلطة التنفيذية توظف للنفوذ والشريان المالي لهذه القوى".

ويضيف، "المحاصصة والمغانم من القوى والأحزاب هي سبب تبديد ثروات العراق منذ العام 2003 وحتى الآن، وأيضاً هناك سيطرة دول وجهات خارجية على عائدات العراق سواء كانت عائدات نفطية أم استثمارية ومشاريع اقتصادية، فهناك دول مسؤولة عن عملية الهدر الجاري منذ 18 سنة وحتى اليوم، وتحولت بعض الزعامات إلى أدوات لهذه المشاريع الخارجية، فظاهرة الفساد في العراق أكبر من أنها فعل داخلي، لأنها في حقيقتها خارجية بالتحديد لتثبيت الفساد واستمراره بهذه الكثافة، وهناك مغذياته ومن يقدم الحصانة والحماية للفاسدين، وتتمثل في دول وجهات خارجية بل حتى شركات، والأمر لا يرتبط كلياً بالأحزاب، فهناك أصحاب رؤوس أموال باقون في الداخل ومتورطون بشكل كبير في قضايا الهدر والفساد، وهؤلاء محميون بالأساس من دول خارجية إضافة إلى غطاء سياسي من قبل هذه الأحزاب".

ولم يشهد العراق ظواهر كهذه منذ تأسيسه العام 1921، ولم يشهد النظامان الملكي (1921-1958) أو العهد الجمهوري (1958-2003) هذه الثروة التي هبطت جراء زيادة أسعار النفط وفتح مدى الإنتاج له حتى فاق التريليون ونصف التريليون دولار، لكنه في الوقت نفسه لم يشهد أيضاً هدراً وسرقات للمال العام بهذه الطريقة التي جعلت العراق فقيراً يعاني خيبات أمل متوالدة".

المزيد من تقارير