Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الفساد في العالم العربي: انتشار سراً وعلناً

المؤشرات الدولية تضع عدة دول عربية في رأس القائمة ومسؤولون يقولون إنه "فاض حتى بلغ الرُكب" والقوانين لم تفلح في كبح جماحه

يشكل الفساد المستشري داخل المؤسسات والإدارات الرسمية في لبنان معضلة أساسية (أ ف ب)

"آفة حارتنا النسيان" عبارة رسخها نجيب محفوظ على لسان إحدى شخصياته في روايته الجدلية "أولاد حارتنا". لكن الحارة المحفوظية الحقيقية أكبر من تلك التي عاش فيها الجبلاوي وعشيرته... الحارة هي تلك البلاد المعجونة بالفساد فتصبح إذذاك "آفة بلادنا الفساد"... في السر والعلن.

الفساد في الوطن العربي، ليس مرضا عابرا، أو وعكة صحية يمكن الشفاء منها ببعض المسكنات. فقد أصبح انتشاره يشبه الآفة، أو الوباء، بعدما توغل في المؤسسات الحكومية، ليخرج من الدواوين الرسمية إلى الشارع، ومن ثم يتحول إلى ثقافة عامة، تعتبر الوسيلة الأنجع في قضاء المصالح، وإنجاز المهمات.

وتحت مسميات تجميلية عدة، نحو "الإكرامية"، و"الواجب"، يجد المواطنون أنفسهم شركاء في دائرة الفساد، حيث دفع الرشى عند التقدم للحصول على رخصة كهرباء أو اشتراك في شبكة المياه أو رخصة تتعلق بالبناء... إلخ، لتتفشى الظاهرة في الوطن العربي، وتتصالح الغالبية معها مكرهة أو متسامحة.

مؤشر مدركات الفساد 2021، الذي أصدرته "منظمة الشفافية الدولية" مطلع العام الحالي، كشف عن أرقام صادمة، تدق ناقوس الخطر في الوطن العربي، فكُرة ثلج الفساد التي تكبر وتتدحرج، على الرغم من القوانين التي سنتها أغلب الدول لمكافحتها والهيئات التي دشنت تحت مسميات براقة نحو مكافحة، ونزاهة، والوقاية، ألقت بظلالها على ملفات عدة، إذ تسرب الفساد إلى الاقتصاد والسياسة والمجتمع.

وبينما اقتصاد غالبية البلدان يعاني تداعيات كورونا والحرب الأوكرانية فإن الفساد يظل موجوداً ومتأصلاً وسابقاً عليهما، إذ إن الوباء والصراع سيزول أثرهما مع الوقت، لكن تبقى جذور الفساد ثابتة وراسخة وفروعه متشعبة ومنتشرة في كل أرجاء البلاد.

 "اندبندنت عربية" تفتح ملف الفساد في الوطن العربي، الذي انتفضت الغالبية في الوطن العربي، في ما عرف بـ"الربيع العربي"، ضده، مطالبين بمكافحته، فإلى أي مدى توغلت الظاهرة؟ وهل نجحت دول عربية في كبح جماحه؟ وكيف أثر الفساد في عرقلة مسيرة تنمية دول؟

 لبنان... 40 عاماً من الفساد

البداية من لبنان، الذي يشكل الفساد المستشري داخل المؤسسات والإدارات الرسمية معضلة أساساً، كبدت الخزانة خسائر بمليارات الدولارات، إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الخسائر بلغت نحو خمسة مليارات دولار سنوياً.

وتعود الحال المتردية التي تشهدها الإدارة العامة في لبنان إلى تداعيات الحرب الأهلية وعدم اعتماد الحوكمة وغياب استراتيجية شاملة، ولم تشهد البلاد أية محاولة جدية للإصلاح والارتقاء بالإدارة العامة منذ أكثر من 40 عاماً، الأمر الذي فتح المجال لتفشي الفساد بين الموظفين الحكوميين المحسوبين على قيادتهم السياسية، إذ باتوا يعتبرون وجودهم في الدولة ليس إلا وسيلة لخدمة مصالحهم ومصالح السياسيين وأصحاب بعض المناصب وأنصارهم.

 

وفي مؤشر مدركات الفساد الذي تصدره منظمة الشفافية الدولية، احتل لبنان المرتبة 149 عالمياً من أصل 180 دولة يقيسها المؤشر، ما يشير إلى عجز الدولة ومؤسساتها المتفاقم على الرغم من الدعوات والخطابات المنادية بالإصلاح ومكافحة الفساد.

وأوضح عضو مجلس إدارة جمعية "لا فساد"، مصباح مجذوب، أن تصنيف لبنان 100/28 هي درجة الرسوب التي لا يزال لبنان يستحوذ عليها للعام السابع على التوالي، على الرغم من البرامج الإصلاحية التي تعهدت الأحزاب السياسية بتنفيذها من خلال برامجها الانتخابية النيابية في عام 2018، التي يعاد تكرارها في انتخابات 2022، من مكافحة الفساد وتطوير النظام الإداري، إلا أن هذه البرامج لم تترجم فعلياً، الأمر الذي انعكس على الواقع السياسي والاقتصادي والمالي والنقدي، لا سيما لناحية التأخير في تشكيل الحكومة وتعطيلها أكثر من مرة نتيجة الخلافات السياسية.

القضاء حل أولاً

ووفق التقرير نفسه، حل لبنان في المرتبة الأولى عربياً في دفع الرشى والواسطة، إذ ذكر أن أكثر من ثلث المواطنين يقومون باستغلال العلاقات الشخصية، أو ما يعرف بـ"الواسطة"، للحصول على الخدمات التي يحتاجون إليها، و41 في المئة من الأشخاص دفعوا رشى لتسيير معاملاتهم، فيما لجأ 54 في المئة منهم إلى "الواسطة" من أجل الحصول على الخدمات العامة.

أما الرقم الصادم في التقرير فكان لمعدلات الرشوة، إذ كانت النسبة الكبرى من حصة القضاء اللبناني 48 في المئة، فيما كانت معدلات الواسطة 65 في المئة، وهي نسبة تدل بشكل فاضح على حجم التدخل في عمل القضاء والحاجة الفعلية إلى إقرار قانون استقلالية القضاء الذي تجري مناقشته في هذه الفترة في لجنة الإدارة والعدل النيابية.

إلى ذلك، أثبتت الأرقام التي أصدرها البنك الدولي أخيراً بلوغ نسبة الفساد في لبنان درجة عالية، إذ أفاد المسح ببلوغ الرشى التي دفعتها الشركات في المؤسسات والإدارات العامة أكثر من 19 في المئة.

ويواجه اللبنانيون طلب دفع رشوة واحدة في الأقل عند التقدم للحصول على رخصة كهرباء أو اشتراك في شبكة المياه أو رخصة تتعلق بالبناء، أو على تراخيص للاستيراد أو التشغيل أو خلال اجتماع الشركات بمحصلي الضرائب.

وتشكل نسبة الشركات التي تواجه طلب دفع رشوة في لبنان النسبة الـ50 الأعلى بين 135 دولة في العالم، والمرتبة الخامسة الأعلى بين 11 دولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وأشار المسح إلى أن 61.4 في المئة من الشركات التي شملها المسح في لبنان حددت الفساد معوقاً رئيساً لأعمالها، مقارنة بنسبة 35.2 في المئة من الشركات عالمياً و53.2 في المئة من الشركات في منطقة الشرق الأوسط التي لديها الرأي ذاته.

تورط السياسيين

وبرأي المتخصصة في شؤون التنمية الاجتماعية ومكافحة الفساد وأستاذة العلوم السياسية والإدارية، لور أبي خليل، فإن انتشار الفساد السياسي أدى إلى إضعاف فاعلية الدولة وكفاءة أجهزتها في التصدي لهذه الظاهرة، بسبب ضعف وتفكك مؤسسات الدولة وغياب التنسيق والإدارة وإمكان المحاسبة فيها، واختراق تلك المؤسسات من جهات تناقض بمصالحها الخاصة المصلحة العامة.

 

ولفتت إلى أن ضعف الثقافة المؤسساتية والبنى الاجتماعية الحديثة وهيمنة البنى التقليدية تؤثر في ضعف أداء أو كفاءة آليات الضبط والموازنة، ويتم كل ذلك في ظل ضعف الشعور الوطني والهوية الوطنية وسهولة انقياد السياسيين لخدمة مصالح وقوى وجهات خارجية.

وقالت أبي خليل، "رجال الدولة انغمسوا في الفساد الذي طال القطاعات كافة مثل قطاع استثمار الأبنية والأراضي والبنى التحتية مثل الطرقات وقطاعات الاتصالات والبنوك وتهريب الأموال إلى الخارج وتجارة المخدرات والدعارة، إضافة إلى طرق الاستيراد وتوزيع المساعدات، كما طال الفساد الصحافة ومؤسساتها ومؤسسة قوى الأمن الداخلي والتعليم الرسمي".

توجيه الإدارة

وفي السياق، يعتبر رئيس التفتيش المركزي القاضي جورج عطية، أن هذا الجهاز هو الأساس في مواجهة الفساد وانتظام العمل المؤسساتي. مشيراً إلى أن الحرب التي شهدها لبنان أثرت سلباً في التفتيش أسوة بباقي إدارات الدولة، إلى جانب غياب الدعم المطلوب من قبل الحكومات المتعاقبة، مما أسهم في إضعاف الدور المهم الذي يقتضي أن يلعبه هذا الجهاز في الإصلاح.

وطالب ألا ينحصر دور التفتيش بمراقبة قانونية أعمال الإدارة العامة فقط، بل أن يكون أيضاً جهازاً يوجه الإدارة، ولكي يكون على قدر المسؤولية الملقاة على عاتقه، خصوصاً في ظل واحدة من أسوأ الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يشهدها لبنان ومعه الإدارة العامة.

وتحت ضغط المطالبات الشعبية بضرورة التصدي للفساد المستشري في الإدارة كان لا بد للتفتيش المركزي من أن يفكر بصورة استراتيجية من طريق رسم رؤية واضحة له، وأهداف وأولويات يسعى إلى تحقيقها لتنفيذ مهماته الرقابية والتوجيهية بفعالية أكبر، وصولاً إلى النهوض بالإدارة العامة والسير بالإصلاح المنشود لخدمة المواطنين وتعزيز ثقتهم في الدولة.

مصر... ثقافة قبول الفساد

أما مصر فتحتل المرتبة الـ117 عالمياً من مجموع 180 دولة، محرزة 30 نقطة من مجموع مئة نقطة، حيث صفر يعني فاسداً للغاية ومئة تعني نزيهاً للغاية، بحسب مؤشر مدركات الفساد 2021، الذي أصدرته "منظمة الشفافية الدولية".

وفي مصر تختلف مسميات الفساد، يسمونه في المصالح الحكومية والدوائر الرسمية "إكرامية" أو "شاي" وأحياناً "قهوة"، وربما "تحلية" (من الحلو). والغاية من سداد "شاي" أو "قهوة" أو "تحلية" مقابل الحصول على خدمة، إما مجانية أو ذات رسوم محددة سلفاً، هو إما ضمان عدم الحرمان من الحصول على الخدمة، أو لتسريع وتسهيل الحصول عليها. هذا "الفساد الصغير" منتشر ومستشرٍ ومتوغل ومتغول ويحظى بقبول شعبي جارف.

شعور جارف انتاب غالبية المصريين في أعقاب الانتخابات الرئاسية بأن الإرادة السياسية تضع محاربة الفساد ضمن أولوياتها، وجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في عام (2014) تعليمات واضحة لـ"هيئة الرقابة الإدارية" (هيئة مستقلة تتبع رئيس الجمهورية مهمتها منع الفساد ومكافحته واتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة للوقاية منه) بـ"التركيز على مكافحة الفساد، والتصدي لكل أشكاله في مختلف أجهزة الدولة".

وعلى الرغم من أن المصريين اعتادوا إطلاق مثل هذه التصريحات الرسمية على مدى عقود وباتت الغالبية تعرف أنها بغرض الاستهلاك الإعلامي أو الاستثمار الغربي أو لحفظ ماء الوجه السياسي، فإن الخطوات التي جرى اتخاذها على مدى السنوات التالية أفضت إلى تقلص واضح لجرائم الفساد الكبرى، التي يضلع فيها رجال وأحياناً نساء الدولة.

وشهد المصريون ما لم يروه من قبل، بإلقاء القبض على وزير نهاراً جهاراً، وإجراءات قضائية ضد رجال أعمال محسوبين على الدولة ومؤيدين للرئيس، وإقصاء لوزير هنا أو وزيرة هناك حامت حوله أو حولها أقاويل ضلوع في فساد، والقائمة طويلة.

 

طول القائمة المبشرة لم يؤثر في عمق ثقافة قبول الفساد الغائرة. لكن القبول يظل حكراً على الصغار. يدافعون عنه ويبررونه ويجدون بدلاً من المبرر الواحد مئة. بل ويحمونه بسياج من أعاذير، مثل "الموظف غلبان (فقير)" و"هذه صدقة عن صحتي وصحة أبنائي".

خلطة الدين السحرية لتبرير أفعال الفساد الصغير جديرة بأطروحة دكتوراه في علوم الاجتماع والأنثروبولوجيا والنفس والثيولوجيا منفردة أو مدمجة. مشهد الموظف "الغلبان" وخلفه وأمامه وحوله آيات قرآنية وسجاجيد صلاة وسبح يبدو لغير العالم ببواطن أمور الفساد الصغير وكأنه يتناقض وسياسة "الدرج المفتوح"، الذي يضع فيه المواطن ما تيسر من "شاي" أو "قهوة" أو "تحلية"، حتى ينجز الموظف ما ينبغي إنجازه، ويخرج الجميع ممتناً.

المثير للدهشة والجدير بالتحليل هو أن لا التناقض بين التدين والرشوة "الصغيرة" يزعج الطرفين إلا في ما ندر، ولا يجري الربط بين الفساد "الصغير" لصغار الموظفين والفساد الكبير لكبار الموظفين باعتباره تطوراً طبيعياً لمسيرة الفساد.

يسير الفسادان الصغير والكبير جنباً إلى جنب وكأنهما منظومتان مختلفتان تماماً. في عام 2020 أظهرت واقعة "كوبري البلكونة" ذلك بوضوح عندما تلاحم "جسر" في حي الهرم بمحافظة الجيزة بشرفات عمارات حديثة شاهقة، حيث المسافة بينهما، كما يؤكد صاحب أكثر الشرفات تضرراً، لا تزيد على 50 سنتيمتراً. وبعد شد وجذب وموجات سخرية وأخرى غاضبة من "الدولة" التي تعتدي على شرفات المواطنين الشرفاء، اتضح أن غالبية العمارات المطلة على الشارع مخالفة وجرى بناؤها بالاعتداء على حرم الطريق.

واتضحت الصورة، بأن لا الموظف الكبير المسؤول عن إصدار تراخيص البناء اعترض، ولا الموظف الصغير الذي أنجز الأعمال الورقية رفض، ولا المقاول الذي بنى احتج، ولا المالك الذي باع عارض، ولا المشتري الذي اشترى ألقى بالاً.

كوبري البلكونة

"كوبري البلكونة" تكرر في أماكن عدة، والسيناريو متطابق، والفسادان الكبير والصغير متشابكان، لكن أنصار الصغير يحملون جل المسؤولية للكبير. الكاتب الصحافي أحمد عبد التواب تطرق إلى ذلك في مقال كتب فيه أن "العمارات المخالفة الملتصقة بالكباري تجسيد لكيف تقع جرائم مدمرة في بر مصر، التي يستهين بها بعض هواة استنزاف الرأي عام بحجة أن المتورطين فيها لا يحققون الأرباح الفلكية التي يحققها كبار الفاسدين، في حين أن الفساد الصغير لا يقل خطورة عن الكبير. فالفساد الصغير منتشر في طول البلاد وعرضها، وكثير من نتائجه يصعب تغييرها، لأنها أصبحت أمراً واقعاً، وأصبحت هناك حقوق قانونية أو اعتبارية لأطراف أخرى مثل السكان".

التستر على الفساد الصغير ودعمه وحمايته يجري من بوابة "الدفاع عن الغلابة" (الفقراء) تارة، والتحجج بأولوية التصدي للفساد الكبير أولاً تارة أخرى. رئيس ديوان رئيس الجمهورية السابق زكريا عزمي حين قال قبل سنوات كثيرة، إبان حكم الرئيس السابق الراحل محمد حسني مبارك، إن "الفساد في المحليات للركب" تحولت الجملة مختصرة إلى مقولة شائعة.

أغلب المصريين يعرفون أن "الفساد للركب"، لكنهم في الوقت نفسه يتعاملون مع الصغير منه باعتباره ماء وهواء، لا سيما أنهم لا يسمونه فساداً.

مصر تحارب الفساد

في عام 2014 دشنت مصر استراتيجية "مصر تحارب الفساد"، مهمتها إضافة إلى الهيئات الموجودة أصلاً، مكافحة الظاهرة ومنع حدوثها عبر الرقابة والمتابعة المستمرتين. وتضم "الأكاديمية الوطنية لمكافحة الفساد، والمركز المصري للشفافية، والجهاز المركزي للمحاسبات، وهيئة الرقابة الإدارية"، إضافة إلى خطوط ساخنة وبريد إلكتروني لتلقي البلاغات مع ضمان سرية المبلغ، إضافة إلى رقمنة المؤسسات لتقليل التعاملات البشرية، ومن ثم خفض معدلات الفساد.

كما أن الدستور المصري ينص على أن "الدولة تلتزم خفض الفساد. وتلتزم الهيئات والأجهزة الرقابية المختصة التنسيق في ما بينها في مكافحة الفساد وتعزيز قيم النزاهة والشفافية، ضماناً لحسن أداء الوظيفة العامة ووضع ومتابعة تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد بالمشاركة مع غيرها من الهيئات والأجهزة المعنية".

لكن يبقى الطرف الرئيس المعني بالفساد في حاجة ماسة إلى معرفة أبعاد الفساد الصغير حتى لو صنفه باعتباره "وسطياً" أو "مبرراً" أو "مقبولاً".

الطريف هو أن معابد المصريين القدماء لا تخلو من توثيقات على جدرانها من قصص وحكايات عن وقائع فساد. عالم المصريات ووزير الآثار السابق، زاهي حواس، كان قد أشار غير مرة إلى أن الفساد موجود في مصر منذ عصور تاريخية قديمة. وقال إن إحدى البرديات المكتشفة تحكي عن تعرض مقبرة للسرقة قبل آلاف السنوات، وجرى ضبط السارق، وتشكلت لجنة "فرعونية" لفحص المقبرة، لكن أعضاء اللجنة تقاضوا رشوة لتبرئة المتهم، وهو ما أدى إلى اندلاع احتجاجات منددة باللجنة، وجرى استبدال أخرى بها اتسم أعضاؤها بالنزاهة، وبالفعل عملت على أكمل وجه.

السعودية... "الواسطة" تتوغل

"في شهر واحد"، أعلنت السعودية عبر جهازها الرقابي ومكافحة الفساد "نزاهة"، القبض على أكثر من 250 شخصاً متهمين بقضايا فساد في ست وزارات حكومية مختلفة، وعلى الرغم من سعي السعودية المستمر لاستئصال الفساد من جذوره وفقاً لـ"رؤية السعودية 2030"، فإن الرشوة، واستغلال النفوذ الوظيفي "الواسطة"، وإساءة استخدام السلطة لا تزال موجودة.

فالفساد بشكل عام وباء انتشر ولم يسلم منه أي نشاط مجتمعي، ومن أكثر مظاهر الفساد في السعودية، "الواسطة"، بحسب دراسات مكافحة الفساد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وذكر عضو "الشورى"، فايز الشهري، أنه بسبب العلاقات الشخصية والمصالح العائلية والمناطقية، تنتشر محاباة الأقارب ما يؤثر في مفهوم الأمانة وأداء الموظف واجباته، ويقلل الاعتماد على الكفاءات والمؤهلين لصالح أصحاب العلاقات الشخصية والمصالح العائلية.

وأفاد الشهري بأنه لا بد من التمييز بين الجريمة الجنائية، التي تقع في كل المجتمعات بنسب متفاوتة وجريمة الفساد التي تجد قبولاً مجتمعياً كـ"الواسطة"، والاستفادة من الموقع الوظيفي، وممارسة الضغط الاجتماعي على صاحب الموقع الوظيفي الذي يرفض تفضيل أقاربه، وبإمكان تطبيق القانون للقضاء تدريجاً على غالبية مظاهر الفساد بما فيها المقبول اجتماعياً.

وقال الكاتب عبد الله السنيدي إن هناك مفهوماً شائعاً بين الناس بأن إنهاء إجراءاتهم ومعاملاتهم لا يتحقق إلا بـ"الواسطة"، فالشخص الذي يرغب في التوظيف لن يحصل له ذلك إلا إذا كانت له معرفة أو "واسطة" تساعده للحصول على الوظيفة، والشخص الذي له معاملة في جهة حكومية أو غيرها لن تنتهي تلك المعاملة إلا بـ"الواسطة"، والشخص الذي سوف يسافر بالطائرة لن يحصل على مقعد بها إلا بـ"الواسطة"، والموظف الذي سوف ينشئ له بيتاً لن يحصل على موافقة البلدية إلا بـ"الواسطة"، ولن يوصل التيار الكهربائي أو الهاتف أو أنابيب الماء إلا بـ"الواسطة"، بل لقد بالغ البعض في هذا المفهوم إلى درجة أن بعضهم يلجأ إليها عند تسديد الفواتير وفي إنهاء إجراءات السفر أو القدوم حتى لا يكلف نفسه الوقوف في الطوابير النظامية.

هيئة مكافحة الفساد

وأعدت هيئة مكافحة الفساد تقريراً عن مؤشرات ثقافة "الواسطة" والمحسوبية، وألقت بالمسؤولية على البيروقراطية الإدارية في عمل الأجهزة الحكومية وضعف الشفافية بين المواطن والمسؤول.

وأوضحت الهيئة في التقرير مفهوم "الواسطة" والمحسوبية وحكمها الشرعي وأسبابها والآثار المترتبة عليها، مؤكدة انتهاكها القوانين التي وضعت لرعاية وحفظ الصالح العام للأفراد والمجتمع والمساواة والعدل، وأكدت الهيئة أن هذه الثقافة امتدت آثارها من الفرد والمجتمع إلى تدهور عملية التنمية.

وشددت الهيئة على ضرورة محاربة ثقافة "الواسطة" ووأدها في مهدها بوصفها أخطر أنواع الفساد الخفي الذي يهلك المجتمع ويدخله في عاصفة الفساد الإداري والمالي الخفي ووصول أشخاص إلى مواقع قيادية بالمحسوبية من دون النظر إلى التأهيل والكفاءة، وتدين مكافحة الفساد في كل شهر عدداً من الموظفين الحكوميين منهم أمراء وقادة في الداخلية وموظفون في الصحة والعدل، في قضايا استغلال النفوذ الوظيفي والتزوير وسوء الاستعمال الإداري وتبديد المال العام.

المغرب... فساد مزمن وقوانين عاجزة

يعاني المغرب كمعظم البلدان العربية تفشي الفساد في جميع مناحي الحياة. والحديث عن تلك الظاهرة كان من المحرمات حتى نهاية تسعينيات القرن الماضي، وذلك مع قدوم الاشتراكيين للحكم ضمن تجربة التناوب التوافقي.

وكانت حكومة عبد الرحمن اليوسفي أول من وضعت برامج لتكريس النزاهة، مثل الخطة الوطنية لتعزيز الشفافية والنزاهة في الإدارة العمومية. وفي تلك الفترة، حقق المغرب ترتيباً جيداً في مجال مكافحة الفساد، ومنذ ذلك الحين شهدت البلاد تراجعاً في مؤشرات الفساد على المستوى العالمي، وتراجعت المملكة في مؤشر إدراك الفساد لعام 2021، الذي تصدره منظمة الشفافية الدولية، وذلك بحلول المغرب في المركز 87 من أصل 180 دولة، ليحصل على 39 نقطة على 100، متراجعاً بنقطة واحدة مقارنة مع عام 2020.

 

من جانبه، يؤكد الناشط في مجال الشفافية، علي صادقي، تراجع المغرب في مؤشرات عدة للحكامة، معتبراً أن الفساد في المغرب ذو طابع نسقي ومزمن، موضحاً أنه على الرغم من وجود شعارات سياسية وقوانين وهيئات لمحاربة الفساد، فإنها لا تترجم على أرض الواقع، نظراً إلى غياب إرادة سياسية للحد من ظاهرة الفساد.

ويرجع سمير بوزيد، نائب رئيس المكتب التنفيذي للهيئة الوطنية لحماية المال العام والشفافية في المغرب، "تكريس ظاهرة الفساد في المملكة لعدم فعالية السياسات المتبعة في مجال الوقاية من الفساد ومكافحته، إذ لم تستوعب جميع مقومات البعد الاستراتيجي، ولم تولِ الأهمية لتفعيل آليات إنفاذ القانون، ولم تكرس مقاربة قطاعية تشاركية فعالة، ولم تعتمد البعد الجهوي".

مجالات الفساد

ويعاني جل القطاعات في المغرب ظاهرة الفساد، التي لم تتمكن الجهود والبرامج الحكومية المتعاقبة من القضاء عليها. ويشير سمير بوزيد إلى أن اختلالات الحكامة تكتسي في القطاعين العام والخاص مظاهر مختلفة، بدءاً من تدبير الأموال والصفقات العمومية وتدبير الشأن العام، وذلك بحسب التقارير المتوالية للمجلس الأعلى للحسابات الوطنية أو الجهوية، من حيث استنتاجات مختلف البحوث والتحقيقات الميدانية المتخصصة التي تقوم بها.

وفي واقع الفساد السياسي والانتخابي، أوضح أن "مؤشر البارومتر العالمي للفساد -تقرير منظمة الشفافية الدولية- أظهر أن الأحزاب السياسية تحتل بالتساوي مع المؤسسات التشريعية، المرتبة الرابعة في تصنيف القطاعات الأكثر تعرضاً للفساد، وذلك خلف كل من النظام القضائي والموظفين الحكوميين والشرطة.

وجاءت البيانات الواردة في مؤشر النزاهة العالمي لتعكس هذا الواقع، مؤكدة تسجيل المغرب درجات متقهقرة في ما يخص شفافية الانتخابات والتمويل السياسي. ويعتبر الخبير المغربي أن التقرير السنوي الأخير للهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها كان واضحاً حينما سجل تراجع المغرب في مؤشر إدراك الفساد، على الرغم من اعتماد المملكة توجهات لمكافحة تلك الظاهرة.

توجهات حكومية

وبعد مراكمة عديد من برامج محاربة الفساد والرشوة، عمل المغرب منذ حراك 20 فبراير (شباط) عام 2011، على زيادة التركيز على مكافحة تلك الظاهرة، وأنشأ الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، محل الهيئة المركزية للوقاية من الرشوة، ومنحها استقلالية، إضافة إلى "توسيع صلاحياتها لتشمل مكافحة الفساد والوقاية منه، خصوصاً من خلال المبادرة والتنسيق والإشراف، وضمان تتبع وتنفيذ السياسات العمومية ذات الصلة، وتلقي ونشر المعلومات، والمساهمة في تخليق الحياة العامة، وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة".

وقامت البلاد كذلك بوضع "قانون رقم 20.13 المتعلق بمجلس المنافسة، الذي يحدد العلاقات بين المجلس ومختلف هيئات التقنين الأخرى، والاختصاصات التي سيضطلع بها للسهر على ضمان احترام المنافسة بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين. ويدخل القانون الجديد في إطار تفعيل مقتضيات الدستور الحديث، إذ أصبح مجلس المنافسة بصلاحيات واسعة وتقريرية، مؤسسة دستورية مكلفة تنظيم منافسة حرة ومشروعة، وضمان الشفافية والإنصاف في العلاقات الاقتصادية، خصوصاً من خلال تحليل وضبط وضعية المنافسة في الأسواق، ومراقبة الممارسات المنافية لها والممارسات التجارية غير المشروعة وعمليات التركيز الاقتصادي والاحتكار"، إضافة إلى إحداث لجنة مشتركة بين الوزارات على مستوى وزارة العدل والحريات، تتكفل بدراسة وتفعيل توصيات المجلس الأعلى للحسابات، بهدف تفعيل المبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة.

 

وفي تقييمه تلك الجهود الرسمية، يقول سمير بوزيد، إن نظام المراقبة في المغرب يحظى بمنظومة قانونية بمستوى جيد عامة، تم تعزيزها بالتدرج من خلال إحداث عدة مؤسسات تختلف وتتكامل مهامها وآليات عملها، موضحاً أن تقييم تلك المنظومة أظهر إكراهات عدة تعترض مختلف مكوناتها، وتتجلى في الأساس بغياب تناسق جهود مختلف الأجهزة الرقابية، نظراً إلى ضعف علاقتها المؤسساتية وقصور تعاونها وتبادلها الخبرات والمعلومات، الشيء الذي يحد من فاعلية جهودها في كبح جماح الفساد والسيطرة عليه.

ويؤكد الناشط في حماية المال العام، أن "الخطط المتتالية لم تفلح في الحد من ظواهر الفساد، فلقد تبين من خلال استظهار واقع مكافحة الفساد على المستوى الوطني أن التجربة المغربية ظلت قاصرة عن الحد من تلك التعديات، ويستنتج من خلال الدراسات التقييمية لبرامج عمل الحكومات المتتالية في مجال محاربة الفساد أن الإطار الاستراتيجي لسياسة مكافحة الفساد ما زالت تشوبه بعض مظاهر القصور". موضحاً أن تلك المظاهر تتجلى في غياب رؤية شمولية تربط التوجهات الاستراتيجية بالأهداف والعمليات المبرمجة، وعدم إدراج المقاربة الزجرية لمكافحة الفساد، فضلاً عن غياب المواصفات الأساسية للبرمجة والتخطيط التي تسمح بتقييم فاعلية العمليات وتحديد الوحدات المسؤولة عن التنفيذ، وتوصيف الأهداف والمراحل والآجال، وتقدير الاعتمادات المخصصة، وتحديد الاحتياجات المتعلقة بالمساعدة التقنية مع وضع مؤشرات لتقييم تقدم المنجز.

ويوضح المتخصص في مكافحة الفساد أنه يجب ملاءمة السياسات الجنائية مع متطلبات مكافحة الفساد، وتقوية آليات المساءلة وإعطاء الحساب، إضافة إلى النهوض الفاعل بالحكامة العمومية وبالحكامة السياسية، فضلاً عن تحسين مناخ الأعمال، والعمل على احترام المدة الزمنية والبرامج المدرجة في الاستراتيجية الوطنية للوقاية من الرشوة ومحاربتها.

العراق... فساد لا يستثني أحداً

تمثل آفة الفساد المالي في العراق إحدى أهم العقد الكبيرة التي تعرقل مشاريع التنمية بالبلاد مع هدر مئات المليارات من الدولارات وذهابها إلى جيوب الفاسدين، الذين يشكل مسؤولون كبار في الدولة جزءاً منهم. وعلى الرغم من وجود أجهزة رقابية متعددة من ديوان رقابة مالية وهيئة نزاهة ومفتشين عموميين في الوزارات العراقية، التي تم إلغاؤها في ما بعد، فإنها لم تستطع الحد من الفساد الإداري والمالي الذي استشرى بشكل كبير، ما جعله ظاهرة في البلاد.

يبدو أن وجود مسؤولين كبار في الدولة العراقية متهمين بالفساد مع وجود ميليشيات تقف خلف بعضهم، عرقل عمل بعض الأجهزة الرقابية التي لم تستطع أن تمسك إلا ببعض صغار الفاسدين، فيما ظلت الأموال الطائلة في حسابات وهمية تمثل هؤلاء المختلسين.

وعلى الرغم من التصريحات المتكررة للمسؤولين العراقيين بأنهم سيحاربون هذه الظاهرة، وتشكيلهم لجاناً متعددة، فإن انتماء بعض المتهمين لأحزاب مشاركة في العملية السياسية يقوض كل جهد حكومي في هذا الاتجاه.

مثَّل تشكيل رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي لجنة مكافحة الفساد في أغسطس (آب) عام 2020 بقيادة الفريق أحمد أبو رغيف، المعروف بملاحقته لشبكات تنظيمي "القاعدة" و"داعش" للفترة من 2008 وحتى 2013، تحولاً كبيراً وإيجابياً داخل العراق لمتابعة ملفات الفساد التي أصبحت جزءاً من الحديث اليومي لغالبية المواطنين، فاللجنة استطاعت خلال عملها اعتقال عدد كبير من مديري الدوائر وشخصيات متورطة في قضايا فساد، بينها رئيس هيئة التقاعد العامة أحمد عبد الجليل وأشقاؤه، ورئيس شركة "كي كارد" بهاء عبد الحسين الذين صدرت بحقهم أحكام قضائية تتراوح بين أربعة وستة أعوام، فضلاً عن عدد من مديري المصارف الحكومية ورجال الأعمال العراقيين قبل أن يتم إلغاؤها بقرار قضائي بدعوى عدم دستوريتها، إلا أنها لم تحقق الشيء الكثير وما زالت هناك مئات المليارات فقدت من الخزانة العراقية منذ عام 2003.

الرئيس العراقي برهم صالح أعلن في مايو (أيار) أن "150 مليار دولار هربت من صفقات الفساد إلى الخارج منذ عام 2003"، مشيراً إلى أن "هذه الأموال كانت كفيلة بأن تضع البلاد في مكان أفضل". وصرح بتقديمه "مشروع قانون إلى البرلمان بهدف استرداد عائدات الفساد لاستعادة الأموال ومحاسبة المفسدين وتقديمهم للعدالة".

 

وقال صالح في كلمة له إن "إحصاءات وبيانات حكومية ودولية تخمن أن مجموع إيرادات العراق المالية المتأتية من النفط منذ عام 2003 يقارب ألف مليار دولار، وأن مشروع القانون يتضمن دعم المؤسسات المالية والرقابية وتفعيل أدواتها"، مبيناً أن "الفساد عطل إرادة الشعب في التقدم والبناء، وتسبب في خروج الشباب المتظاهرين للمطالبة بوطن يخلو من الفساد".

ولفت إلى "عدم إمكانية التعامل مع الظاهرة محلياً، وأن مشروع قانون استرداد عائدات الفساد يسعى إلى استعادة الأموال المهربة عبر الاتفاقات مع الدول والتعاون مع الجهات الدولية". ودعا إلى "تشكيل تحالف دولي لمكافحة الفساد"، مبيناً أن "الفساد هو الاقتصاد السياسي للعنف"، ومشدداً أن على "جميع المؤسسات اتخاذ وقفة جادة وحاسمة وحازمة لمواجهة هذه الآفة". وأكد أن "الفساد لا يقل خطورة عن الإرهاب".

واعتاد كثيرون من العراقيين عدم جدية الحملات التي أطلقتها الحكومات المتعاقبة لمكافحة الفساد بدءاً من عام 2009 وحتى أغسطس 2020، لكون معظم المسؤولين عنه في القضايا التي كشفت للإعلام تمت تبرئتهم أو إيقاف الملاحقات القضائية بحقهم، بعد ضغوط تعرض لها القضاء العراقي من قبل ساسة كبار ورؤساء الوزراء السابقين في حينها.

استراتيجية لمكافحة الفساد

وفي محاولة منها للحد من الفساد الإداري والمالي أطلقت الدولة العراقية استراتيجية وطنية لمكافحته بهدف استرداد الأموال المهربة إلى الخارج، تمتد إلى أعوام 2022 -2024 بالتعاون مع شركات عالمية .

وتضمنت الاستراتيجية تفعيل المشاركة في عملية تشخيص ظواهر الفساد وتطوير البدائل، فضلاً عن توفير فرص لتدريب وتطوير كوادر المؤسسات والقطاعات المنضوية في الاستراتيجية بالتعاون مع جهات دولية.

يشير موسى فرج، رئيس هيئة النزاهة (جهة متخصصة لمكافحة الفساد في العراق)، إلى "وجود قوانين تحاسب المفسدين إلا أن المشكلة في تطبيقها"، فيما لفت إلى أن جذور الفساد في البلاد ترجع إلى عقود خلت. وأضاف، "هناك قوانين تكافح الفساد وتجدد باستمرار إلا أن المشكلة ليست بالقوانين بل في تطبيقها"، مردفاً أن "بعض السياسيين مشغولون بترتيب الحكم وأن حكمهم وسيلة للحصول على كثير من المكاسب".

وأوضح أن جذور الفساد في العراق تمتد بداية من ثمانينيات القرن العشرين وتطورت هذه الحالة في التسعينيات بعد الحصار الاقتصادي على البلاد عبر اتساع حجم الرشى بين موظفي الدولة وزيادة نسب الاختلاس بسبب الوضع الاقتصادي، ما أدى إلى ضياع هيبة القانون لعدم وجود المحاسبة.

وأضاف، "بعد عام 2003، جاءت سلطة غرقت بالفساد لأن هدفها كان الحصول على أكبر قدر ممكن من المغانم المالية والسلطوية، ولذلك أصبح القانون غير محترم وانتشر الفساد بنسب عالية وانتشرت المخدرات بنسب كبيرة نتيجة الفساد الكبير". وتابع أن "تعدد القوى، بدل أن تكون محتكرة بيد الحكومة والخشية من سطوتها، أدى إلى تمزق السلطة بيد الأحزاب والعشائر والطوائف في العراق ولذلك الطابع العام في الدولة هو الفوضى".

وفق تقرير مؤشر الفساد لعام 2020، احتل العراق المرتبة 160، وبلغت البلاد أعلى درجة لها في الفساد عام 2007 باحتلالها المرتبة 178، بينما سجلت نسبة متدنية بالفساد باستحواذها على المرتبة 113 عام 2003.

الأردن... هل تشجع البيئة التشريعية الفساد؟

في عام 2019 طالب ملك الأردن، عبد الله الثاني، الحكومة والجهات المعنية بـ"كسر ظهر الفساد"، في إشارة إلى حجم استشراء تلك الظاهرة التي باتت تؤرق الأردنيين، بخاصة أن السنوات العشر الأخيرة سجلت قضايا فساد كبيرة، طالت متنفذين ومسؤولين مهمين، لكن ذلك لم يقنع الشارع الأردني بأن ثمة جدوى من محاربة آفة آخذة في الانتشار والتوسع في المملكة على نحو لافت.

وفي عام 2006، وعلى الرغم من تأسيس هيئة النزاهة ومكافحة الفساد، وتمكنها من استرداد نحو 223 مليون دينار بين عامي 2013 و2018، ظلت الشكوى قائمة لدى الأردنيين من ضرورة محاربة الفساد بشكل حقيقي.

وحصل الأردن على درجة 49 والمرتبة الخامسة عربياً في مؤشر مدركات الفساد لعام 2021 كما حصلت المملكة على المرتبة 58 عالمياً من 180 دولة.

في عام 2018، أعلنت السلطات الأردنية إلقاء القبض على رجل الأعمال المعروف عوني مطيع، المتهم بالتهرب من دفع ضرائب تجاوزت 250 مليون دولار.

 

أما وليد الكردي، فكان يشغل منصب رئيس مجلس إدارة شركة مناجم الفوسفات، وصدر بحقه عام 2013 حكم بالحبس 22 عاماً ونصف العام، وغرامة 358 مليون دولار بجناية استثمار الوظيفة.

وتحفل الذاكرة الأردنية بعديد من قضايا الفساد الكبيرة، كقضية مصفاة النفط، التي اتهم فيها أكثر من مسؤول رفيع بالفساد والرشوة من قبل رجل الأعمال خالد شاهين. بينما برزت قضية محمد الذهبي، مدير الاستخبارات السابق، الذي واجه تهماً عدة، أبرزها غسل الأموال وخيانة الأمانة الوظيفية، والاختلاس.

وينقسم الأردنيون بين مؤيد ورافض لفكرة عقد تسويات مالية مع الفاسدين، فثمة من يرى أن كثرة قضايا الفساد ومحاكمة المتسببين بها، أضر بسمعة الدولة خارجياً وأثر في مكانتها ورموزها، فضلاً عن الإضرار بفرص الاستثمار الخارجي.

لكن المؤيدين يقولون إن القانون الأردني يجيز عقد مثل تلك التسويات، بخاصة أنها ستعود على خزينة الدولة بملايين الدولارات. بينما يتحدث مراقبون عن استفحال الفساد في كل مكان وعلى مستويات عدة، حيث أظهر استطلاع رأي أجرته منظمة الشفافية الدولية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن أربعة في المئة دفعوا رشوة في الأردن للحصول على الخدمات الحكومية، و25 في المئة استخدموا الواسطة للحصول على الخدمات العامة.

تعديلات تقيد الحريات

واحتج إعلاميون أردنيون على إجراء تعديلات على قانون مكافحة الفساد، باعتبار أنها تقيد الحريات وتشكل مخالفة صريحة للدستور الأردني، فإلى جانب قانون العقوبات، وقانون المطبوعات، وقانون الجرائم الإلكترونية، وقانون الإعلام المرئي والمسموع، تتيح تعديلات قانون النزاهة الجديدة، حبس أي مواطن أردني واتهامه بالفساد لمجرد تداوله اتهامات تشكك في نزاهة الآخرين.

ويرى مراقبون أن من شأن هذه التعديلات ترويع الأردنيين ومن ثم عدم التبليغ عن قضايا الفساد، خشية التحول إلى متهمين، وكذلك منع وسائل الإعلام من تداول المعلومات المتعلقة بالفساد تفادياً للملاحقة القضائية.

لكن رئيس هيئة النزاهة ومكافحة الفساد، مهند حجازي، يرد على الانتقادات بالقول، إن "الهيئة تعمل على ضمان تعديل التشريعات وتحصينها من الثغرات التي قد تشكل مدخلاً للفساد"، منوهاً بأن "التعديلات التي أدخلت على مشروع قانون الهيئة تعزز من استقلاليتها وقدرتها على صيانة المال العام والمحافظة عليه من أية تجاوزات".

في حين يشكو مسؤولون أردنيون ووزراء سابقون وحاليون من ارتفاع منسوب الاتهامات بالفساد بحقهم على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل مواطنين من دون أدلة أو إثباتات.

تفشي الواسطة والمحسوبية

واحتلت وزارة الإدارة المحلية وأمانة عمان الكبرى الصدارة في سلم المؤسسات التي تشوب عملها شبهات الفساد، تلتها وزارات الأشغال العامة والإسكان والصحة والعمل والنقل.

ووفقاً لدراسة أجريت في جامعة اليرموك الأردنية، فإن نسبة تفشي الواسطة والمحسوبية في القطاع العام قاربت 60 في المئة، وكانت الأسباب والدوافع لهذه الممارسة هي غياب العدالة في المجتمع.

ويقترح متخصصون لعلاج هذه الظاهرة تعزيز الوازع الديني وتسريع إنجاز المعاملات، وتفعيل الحكومة الإلكترونية وأنظمتها لإنجاز المعاملات بشكل إلكتروني، كما يوصون بتغليظ العقوبات وتعزيز مفاهيم النزاهة والعدالة وترسيخ القيم الأخلاقية من خلال المناهج المدرسية، إضافة إلى الحد من ظاهرة الفقر والبطالة، عن طريق خلق فرص عمل جديدة وتشجيع الاستثمار.

لكن اللافت هو اعتبار المختصين الواسطة مكوناً أساسياً في الثقافة العربية وجزءاً أساسياً من النسيج الاجتماعي، والدليل ممارسة هذه الظاهرة من دون أي شعور بالذنب.

وعلى الرغم من قتامة الصورة، تقول الحكومة الأردنية إن المملكة باتت في المرتبة الأولى عربياً في مكافحة الفساد، بسبب التزامها بالاتفاقات الدولية والعربية وإصدارها أحكاماً قضائية رادعة، فضلاً عن التوسع في جرائم الفساد وضم جرائم غسل الأموال ومكافحة الإرهاب. بينما أظهر استطلاع لمركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية أولوية محاربة الفساد لدى نحو 70 في المئة من الأردنيين، واعتقاد غالبيتهم أن الفساد المالي والإداري منتشر في الأردن، وأن الوزراء وكبار موظفي الدولة هم الفئة الأكثر إسهاماً في انتشاره.

الجزائر... وباء الفساد

تعد ظاهرة الفساد من المسائل المهمة التي تطرح بحدة في الجزائر، خصوصاً بعد الآثار الخطيرة التي تركها على تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية خلال فترة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة. وبينما تواجه السلطة الجديدة الفاسدين من المسؤولين بنجاح كبير، تبقى الإدارة أحد أكبر "أوكار الفساد" في البلاد، بحسب متابعين للشأن العام.

وبعد إسقاط المنظومة القديمة التي كان النهب والاختلاس من أهم دوافع إطاحتها بعد حراك شعبي، وجد الرئيس عبد المجيد تبون نفسه في مواجهة الممارسات البيروقراطية التي ضربت كل مفاصل الأجهزة الإدارية للدولة، في تحدٍّ أكبر من مواجهة فساد مجتمع المال والأعمال. ومما لا شك فيه أن عملية الرقابة الإدارية التي لجأت إليها السلطة للكشف عن الانحرافات من رشوة، ومحاباة، ومحسوبية، واختلاس المال العام، وتصحيحها، تعتبر من الآليات المكرسة لمكافحة الفساد الإداري، لكنها ليست ناجعة للقضاء على هذه الظاهرة، التي صارت مثل الورم الذي استفحل في كيان الإدارة، وبات يعيق تقدمها في المجالات كافة، بل أحد أكبر التهديدات التي من شأنها تحريك الشارع ضد السلطة ودفعه نحو الفوضى.

ولقد بدت الحكومات المتعاقبة عاجزة تماماً عن فرض سياسات جديدة، يكون فيها سلاح مكافحة الفساد داخل الإدارات هو أساس إصلاح الوضع على الرغم مما أعلنت عنه من مواقف، ما يجعل القناعات التي تتحدث عن أن البيروقراطية هي من دمر الدولة الحديثة، وأنها أول معرقل لتقدم البلاد ورفاهية العباد، صحيحة بالمفهوم الشعبي وأيضاً السياسي، بحسب البعض.

ولعل تحذيرات المسؤولين من خطر الفساد الإداري الذي يوصف بـ"الوباء"، بعد أن أصبح يعرقل تطبيق القرارات بنسبة تتراوح ببن 10 و20 في المئة فقط، كفيلة بتحديد حجم الضرر الذي باتت تلحقه هذه الممارسات على المستويات كافة، وبشكل خطير تكبيل عجلة الدولة ومؤسساتها عن القيام بمهامها.

إن ما تشهده الإدارة من اختلاس للأموال وتعاطي الرشى من قبل الموظفين، وتعقد الإجراءات الإدارية وغيرها من مظاهر الفساد الإداري، كلها تدفع إلى التساؤل عن الحلول الكفيلة لمعالجة الظاهرة، وتوسع دائرة التشكيك في عجز الحكومة عن تجاوز الوضع، خصوصاً في ظل تصاعد الاحتقان الذي تدفع إليه أطراف، وجدت في استمرار الفساد الإداري فرصة لمهاجمة السلطة. ويذهب البعض إلى أبعد من ذلك، فيؤكدون أن الإصلاحات التي فرضها الحراك الشعبي، ومنها ما تعلق بمحاربة الفساد الإداري، لا تزال تراوح مكانها.

ولم يخفِ تبون، منذ تسلمه السلطة، سخطه على الفساد الإداري، واستشاط غضباً في وجه البيروقراطية في مناسبات عدة. وقال في لقاء أمام رجال الأعمال والمستثمرين، إن هذه الإدارات لا تزال تعمل بطرق ووسائل قديمة تجاوزها الزمن، ولا تسمح بمعرفة ما يمتلكه الجزائريون من عقارات وشركات على المستوى الوطني. وأمر بمباشرة رقمنة التعاملات الإدارية في كل القطاعات الاقتصادية والمالية لإزالة الضبابية المفتعلة، وتكريس الشفافية قصد النهوض بالاقتصاد.

ثقافة مجتمع

وفي السياق. يقول المستشار في الهيئة الجزائرية لمكافحة الفساد، أسامة لبيد، "نسمع ونقرأ كثيراً عن المطالب بحلول لمشكلة الفساد، ولكن معظم هذه الحلول إما أنها لا تعالج المشكلة من أساسها، وإما أنها تحقق غايات معينة". وتابع ليؤكد أن الفساد من القضايا التي تنخر الإدارات والحكومات، وتصيب مفاصلها بالشلل، وتحول بين الدول والنمو بكل أشكاله، سواء أكان اقتصادياً أو سياسياً أو إدارياً. وهذا يكرس الفشل ويغذي التخلف ويضيع مقدرات الأمة، لما يحمله من ابتزاز إداري وضرر أخلاقي على المديين القريب والبعيد، معتبراً أنها ثقافة مجتمع من الصعب التغلب عليها في غياب ردع ورقابة حقيقيين.

ويتابع لبيد أن موضوع مكافحة الفساد الإداري حظي باهتمام كبير على جميع المستويات، فلا تكاد تخلو برامج الحكومات المختلفة من التركيز على الإصلاح الإداري بغية مكافحة الظاهرة والحد منها، فهو من أهم القضايا والمشكلات التي أجمعت تقارير الخبراء على ضرورة معالجتها إذا أريد للتنمية أن تتحقق.

 

وأشار إلى أن المشرع الجزائري كان من الأوائل الذين دقوا ناقوس الخطر، وأعطى أهمية كبيرة لمكافحة الفساد الإداري في سياسته التشريعية الجنائية والإدارية، كما استحدث هيئات عدة متخصصة في هذا المجال، وقام كذلك بتفعيل دور كثير من أجهزة الرقابة لمحاصرة هذه الظاهرة ومقاومتها، وتوفير الثقة في مؤسسات الدولة والمساعدة على استعمال الموارد العمومية بفاعلية، إضافة إلى دعم تدابير الحكم الراشد وتعزيز الشفافية والمساءلة.

من جانبه، يعتقد الباحث في العلوم الاجتماعية، بن مصطفى دحو، أن الفساد تجذر في الإدارات والمؤسسات الحكومية مع نهاية الثمانينيات، حين تغيرت معايير الانتقاء والتوظيف وتراجعت سلطة الدولة في قمع هذه الممارسات، غير أنه مع بداية الألفية الجديدة، انتقلت القوانين من تصنيف الظاهرة كونها جريمة إلى مجرد جنحة، وتجلى ذلك في قانون مكافحة الفساد 01.06 الصادر عام 2006.

كما تعد قوانين الاستثمار والصفقات العمومية وسياسة اللا عقاب من أهم الأمور التي شرعنت الفساد، إضافة إلى تهميش الكفاءات النزيهة ووصول منتخبين إلى السلطة بواسطة انتخابات تفتقد الشرعية والمشروعية السياسية والقانونية، مشيراً إلى أن الفساد السياسي أنتج فساداً اجتماعياً واقتصادياً امتد إلى مؤسسات الدولة كافة.

ويواصل دحو أن السلطة الحالية التزمت سياسياً وأخلاقياً بمحاربة الفساد، وتجسد ذلك في إقرار مادتين دستوريتين لم تكونا موجودتين، وهما المادتان 204 و205. وقد بدأت بالفعل في تجسيد هذه الإجراءات من خلال عرض قانون إنشاء السلطة العليا للشفافية ومحاربة الفساد على البرلمان منذ شهر تقريباً، يتبعه تغيير قانون الاستثمار والبلدية والولاية وكثير من القوانين ذات الصلة بالقانون الإداري، داعياً إلى قانون جديد لمكافحة الفساد أكثر مرونة من حيث الإجراءات وذي طابع ردعي قوي. وفي ما يخص مدى نجاعة أو نجاح السلطة، بين أن الأمر يتوقف على توفير الشروط القانونية والبشرية، إضافة إلى القيام بجهد من أجل تغيير ذهنيات وسلوكيات المواطنين وأعوان الدولة على حد سواء، فضلاً عن وضع استراتيجية محكمة متعددة الأبعاد إعلامياً وتربوياً ودينياً، لأن المسألة باتت مرتبطة بأخلاق المجتمع وسمعة وصورة الدولة في المخيال الاجتماعي.